أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضرغام عبدالرحمن الجابري - نص مسرحي غرائبي: في إنتظار رؤوسنا















المزيد.....


نص مسرحي غرائبي: في إنتظار رؤوسنا


ضرغام عبدالرحمن الجابري

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 10:00
المحور: الادب والفن
    


الموسيقى المقترحة للمسرحية من تطبيق يوتيوب

موسيقى الغياب الأول:

Penderecki - Threnody for the Victims of Hiroshima

Colin Stetson - Judges

موسيقى الغياب الثاني:

The Caretaker - Everywhere at the End of Time Stage 4

Giacinto Scelsi - Uaxuctum Movement I

موسيقى الغياب الثالث:

Arvo Pärt - Kanon Pokajanen: Ode VI

Kudsi Erguner - The Last Entry

Amon Tobin - Bridge









الشخصيات :

الكاهن: رجل يرتدي عباءة مصنوعة من مئات المفاتيح الصدئة وجماجم الطيور الميتة. إحدى عينيه مخيطة بخيط أحمر. يتحرك كأنه يطفو، وكلما تحرك أصدرت مفاتيحه صوتاً يشبه صرير الأسنان.

الجلاد: كائن طويل جداً بأذرع تكاد تلامس الأرض. ليس له فم ظاهر، بل شق طولي في عنقه يتحدث منه. يحمل دائماً حبلاً نهايته معقودة على شكل مشنقة.

المواطن: رجل محني الظهر بشكل دائم. يحمل على ظهره ساعة رملية ضخمة بداخلها رماد أسود (وليس رمل). لا يرتدي سوى خرق بالية، ويحاول دائماً التقاط أنفاسه بصعوبة.

المتمرد: يرتدي بدلة غريبة وممزقة مخيطة من قصاصات جرائد قديمة وقطع مرايا مكسورة. كلما تحدث، عكست مراياه ضوءاً خافتاً يزعج "الكاهن".

الشاهد: رجل مقيد في زاوية المسرح بآلة كمان مصنوعة من عظام بشرية. هو أبكم، لا يتحدث، لكنه يعزف انفعالات المشهد (يصدر أصواتاً نشازاً ومزعجة تعبر عن روح المكان)

الخطاب المسرحي:

الزمن ساعة التثاؤب.. زمن لا تشرق فيه الشمس ولا يحل فيه الليل. السماء بلون اللحم الفاسد

المكان متاهة الجدران الزجاجية المعلقة. أرضية المسرح عبارة عن زجاج تحته هاوية من الطين الذي يصدر فقاقيع كأنه يغلي باستمرار (إضاءة حمراء متذبذبة من الأسفل) تتدلى من السقف ساعات رملية وحبال مشانق تنتهي بصلبان معقوفة

الغياب الأول:

يبدأ العرض بظلام دامس. صوت طنين مزعج يشبه ذبابة عملاقة داخل أذن المتلقي. تتداخل معه ألحان "الشاهد" النشاز على كمنجته الكبيرة. بقعة ضوء زرقاء تسقط على "الكاهن" وهو يقف في المنتصف، يرفع يديه للسماء وكأنه يعتصر غيمة وهمية

الكاهن: (بصوت يجمع بين الرثاء والتهديد، مفاتيحه تصدر صريراً عالياً) اقلعوا أعينكم قبل أن تنظروا إلى الأعلى.. السماء لم تعد تقبل الصلوات التي تفوح منها رائحة البصر. (يلتفت ببطء، عينه المخيطة تنزف قطرة ضوء أحمر) هو قادم... الغائب الذي لا ينام. يسنّ شفرته العظيمة على حواف الكون. من منكم نسي أن يطعم خوفه اليوم؟

(يدخل "المواطن" زاحفاً تقريباً تحت وطأة الساعة الرملية الضخمة على ظهره. الرماد الأسود ينزل ببطء من النصف العلوي للساعة إلى السفلي)

المواطن: (يلهث، يتحدث ووجهه ملتصق بزجاج الأرضية) لقد أطعمته يا سيدي.. أطعمت الخوف من لحم ذاكرتي. لم أعد أتذكر شكل وجوه من أحب، استبدلته بوجه الغائب. هل سيرضى عني؟ هل سيترك رأسي ملتصقاً بعنقي حين يخرج من العدم؟

الكاهن: (يقترب منه، يدوس بقدمه على يد "المواطن") الرماد في ساعتك يسقط بسرعة ايها المواطن أنت تتنفس أكثر من الحصة المقررة لك من هواء الطاعة. (يصرخ فجأة نحو الزاوية المظلمة) ايها"الجلاد" تعال وشمّ رائحة الشك في عرقه.

(يخرج "الجلاد" من الظلام. مشيته ميكانيكية، عنقه يرتعش، والشق في رقبته ينفتح ليخرج منه صوت مكتوم)

الجلاد: (يمرر الحبل ذو العقدة الغريبة بين أصابعه الطويلة) الرقاب... الرقاب تتحدث قبل الشفاه يا سيدي. رقبة هذا الكائن ترتجف، والارتجاف خيانة لـ "الغائب". الغائب يحب الرقاب الثابتة، المتصلبة كالخشب، ليسهل قطعها بضربة واحدة مقدسة.

المواطن: (يبكي، ولكن بدلاً من الدموع يسقط من عينيه حصى صغير يرتطم بالزجاج) لا.. لا.. أنا أقدس سيفه .. أنا أمسح زجاج هذه الأرضية بلساني كي لا تتسخ قدمه حين يقرر النزول. انظروا.. (يخرج لسانه، لونه أسود تماماً)

(يُسمع صوت طقطقة زجاج خفيفة، إيقاعية. يدخل "المتمرد". خطواته بطيئة، واثقة بشكل مزعج. المرايا المكسورة في بدلته تعكس بقعاً من الضوء على وجه "الكاهن" الذي يضع يده ليحجب الضوء بانزعاج)

المتمرد: (يضحك بسخرية، صوته يحمل صدى معدنياً) الغائب... الغائب... منذ أن كان رماد ساعتك هذا بشراً أحياء ايها المواطن، ونحن ننتظر هذا الغائب. قيل لنا سيخرج من طين الهاوية، وقيل سيأتي من الساعات المعلقة. ألا تريان (مشيراً للكاهن والجلاد) أن سيفه الوحيد هي ألسنتكم المسمومة؟

الكاهن: (يهتز بعنف، مفاتيحه تصدر ضجيجاً كأجراس إنذار. يصرخ نحو "الشاهد" ليعزف لحناً جنائزياً) كفرٌ يتجسد في خرق بالية.. كيف تجرؤ على إدخال الضوء إلى مسلخنا المقدس؟ الغائب يرى من خلال عيني المخيطة.. كل كلمة تقولها تُسجل على سكين مقصلته التي ستجز حنجرتك.

المتمرد: (يقترب من "الكاهن" غير عابئ بـ "الجلاد" الذي يرفع حبله) أيها الكاهن المصنوع من خردوات الموت.. لقد بعتونا وهماً أسميتموه "المراقب العظيم". جعلتمونا نخاف من خطواتنا، من التفاتاتنا. المواطن يحمل وقتنا المحترق على ظهره، وأنت تسرق ما تبقى من أنفاسنا كضريبة لحماية رقابنا من وهم اختلقته أنت.. أين هو؟ أرني إياه.

الجلاد: (ينقض فجأة بحركة بهلوانية غير متوقعة، يلف حبله حول خصر "المتمرد" بقوة، الشق في عنقه يتسع) من يطلب رؤية الغائب... لا يستحق عينيه.. أنا الأداة... أنا التمهيد المقدس.

المواطن: (يرتجف بهستيريا، يحاول إخفاء رأسه بين كتفيه كالسلحفاة) اصمت ايها المتمرد.. أرجوك.. الحيطان تتنفس هنا. إن الغائب يستنشق تمردك، وسيحرقنا جميعاً. انظر إلى الطين بالأسفل كيف بدأ يغلي (يشير إلى الأرضية الزجاجية التي تومض باللون الأحمر الدامي)

الكاهن: (يضحك ضحكة متقطعة تشبه نعيق الغراب، يقترب من المتمرد المقيد جزئياً، ويمسح بيده على إحدى المرايا في بدلته فيلطخها بالطين الأسود) المجتمع ايها المتمرد لا يحتاج إلى مرآة ليرى نفسه، المجتمع يحتاج إلى "سوط" ليغمض عينيه ويمشي في القطيع. نحن لم نخترع الغائب... الغائب هو تجسيد لجبنكم أنتم. لولا أنكم تعشقون العبودية وتخافون من الحرية، لما وجد الغائب سيفه. أنا فقط... أُنظم هذا الخوف. أُعلّبه، وأبيعه لكم في صلوات وخطب.

المتمرد: (بصعوبة بعد أن اشتد الحبل على خصره) أنت لست سوى جيفة تتغذى على رعبنا. ستسقط يوماً... وحينها سنكتشف أن الغرفة السرية للغائب... فارغة.

الكاهن: (يمسك جمجمة طائر من عباءته ويسحقها بيده حتى تتفتت، وينثر فتاتها فوق رأس المتمرد) الفرَاغ هو أشد أنواع الآلهة قسوة. الفراغ لا يمكن قتله ايها المتمرد.

(الكاهن يومئ لـ "الجلاد". يشد الجلاد الحبل بعنف، فيسقط المتمرد على الأرضية الزجاجية التي تصدر صوتاً مرعباً ينذر بالانكسار. يعلو صوت عزف "الشاهد" بشكل حاد جداً، مع إضاءة حمراء تغمر المسرح بالكامل)

الكاهن: (بصوت جهوري يخترق الصمت الذي تلى الضجة)دعوه على الزجاج ... لندع "الغائب" يقرر متى ينكسر الزجاج تحته. أما أنت ايها المواطن... (يلتفت إليه) ضاعف حملك.. أضف حجارة إلى ساعتك... فالغائب يحتاج إلى مزيد من الوقت ليتلذذ بالرعب.

(الموسيقى تتلاشى تاركة فقط خشخشة الرماد داخل الساعة و الاضاءة تتلاشى تدريجيا)

اظلام

الغياب الثاني:

(المكان كما هو، لكن الإضاءة أصبحت أكثر شحوباً، تميل للون "القيء". الرماد الأسود في ساعة "المواطن" دأ يتسرب من ثقوب في جسده وليس فقط من الساعة. وكذلك بعض الساعات الرملية المعلقة. "الكاهن" يجلس الآن على كرسي عالٍ مصنوع من عكازات مكسورة، يمشط لحيته بمشط حديدي حاد، و"الجلاد" يلعق نصل حبل غليظ كأنه يتذوق دماً قديماً)

الكاهن: (يهمس وهو يغمض عينه الوحيدة)هل تشمون ذلك؟ رائحة القداسة تبدأ دائماً برائحة الجيف. المجتمع الذي لا تفوح منه رائحة الخوف هو مجتمع ميت سريرياً. نحن نحييهم بالرعب، ايها الجلاد.. نحن نعيد إليهم نبضات قلوبهم كلما لوّحنا لهم بظهور "الغائب".

الجلاد: (يتوقف عن لعق الحبل، صوته يخرج من ثقب عنقه) سيدي.. الجلود أصبحت سميكة. الناس لم يعودوا يرتعدون من ذكر "سيف الغائب" كما في السابق. إنهم يتلذذون بالألم الآن، يحولونه إلى طقس يومي. أحتاج إلى ضحية "طازجة".. ضحية تصرخ بصدق، لتوقظ في البقية غريزة البقاء.

المواطن: (يهذي وهو جاثٍ على ركبتيه، يأخذ حفنة من الرماد الذي سقط منه ويحاول ابتلاعه) يقولون إن الغائب حين يأتي، سيمسح على رؤوسنا بيده الباردة. سيمسحها لدرجة أنها ستنفصل عن أجسادنا كالثمار الناضجة. هل هذا صحيح ايها الكاهن؟ هل الموت على يد "المرتقب" هو أرقى درجات العبادة؟

الكاهن: (ينزل عن كرسيه، مفاتيحه تصدر صوتاً) الموت ليس عبادة يا مواطن، "الانتظار" هو العبادة. نحن نعبد الانتظار، نعبد الترقب. إن فلسفتنا تقوم على أن تظل في حالة "بين بين".. لست حياً بما يكفي لتتمرد، ولست ميتاً بما يكفي لترتاح. (يركل ساعة المواطن الرملية) انظر لرمادك.. إنه ليس زمناً، إنه بقايا أحلامك التي طحنتها لك في مطحنة السلطة.

المتمرد: (يرفع رأسه من على الأرض الزجاجية، وجهه منعكس في مرايا بدلتة المحطمة بشكل مشوه) أتسمعون كيف يفسرون لكم قذارتهم؟ (يضحك بمرارة، يسعل دماً بلون الفضة) أنت يا كاهن، لا تملك مفتاحاً واحداً يفتح باباً حقيقياً. كل هذه المفاتيح على صدرك هي لأقفال وضعتها أنت في عقول هؤلاء المساكين. "الغائب" ليس سوى مرآة لجبنك أنت.. أنت تخاف أن تخرج للناس بلا حماية من الوهم، فتقتلك الحقيقة.

الكاهن: (يستشيط غضباً، يقترب من المتمرد ويدوس على شظية مرآة قريبة من وجهه) الحقيقة؟ الحقيقة هي هذا الطين الغالي أسفلنا.. (يشير للهاوية) الحقيقة هي "الشاهد" الذي لا يملك لساناً ليصرخ، فيعزف بموتكم. الدين يا هذا، ليس طمأنينة، الدين في شريعتي هو "المصيدة الكبرى". من وقع فيها نجا من حرية التفكير، ومن نجا منها وقع في حبل وسيف "الجلاد". أيهما تختار؟

المتمرد: (يصرخ بقوة رغم الحبل حول عنقه) أختار أن ينكسر الزجاج.. أختار أن يسقط الجميع في الطين لنعرف من منا يجيد السباحة في القذارة ومن منا سيغرق.. أنتم سلطة تقوم على الخوف من السقوط.. تبيعون لنا أحزمة أمان مصنوعة من شوك..

الجلاد: (يقترب من المتمرد ببطء شديد، يخرج سكيناً صغيرة من عظم صلد ويبدأ بتمريرها على جلد "المتمرد" دون أن يجرحه) أتحب السقوط؟ سأعلمك كيف تسقط داخل نفسك أولاً. سأنتزع منك قطع المرايا هذه واحدة تلو الأخرى، وأزرعها في لحمك، لترى وجه "الغائب" في كل خلية من جسدك. سأجعلك نموذج لألم سريالي غريب.

الكاهن: (مقاطعاً بحماس سادي) نعم.. اجعله نصباً تذكارياً للتمرد الفاشل. اجعله عبرة لـ "المواطن" وأمثاله. (يلتفت للمواطن) انظر يا مواطن، انظر لرفيقك وهو يتحول إلى شظايا. أليس هذا أجمل من صمتك؟

المواطن: (ينتحب، يغطي عينيه بيديه اللتين تحولتا إلى ما يشبه عقارب الساعة) لا أريد أن أرى.. الرؤية خطيئة.. السمع رذيلة.. أنا فقط أحمل وقتي وأنتظر الذبح. سيدي.. هل يمكنني أن أصلي لـ "الغائب" كي يعجل بنهايتي؟ لقد سئمت من ثقل الرماد في رئتي.

الكاهن: (ببرود قاتل) صلاتك مرفوضة. "الغائب" لا يحب الأرواح المستعجلة. هو يتلذذ بالروح التي تخرج "بالتقسيط". أريد منك أن ترى كيف سنحول "المتمرد" إلى رماد أسود يشبه الذي تحمله. (يصرخ) يا شاهد.. أعطنا لحن تفسخ الروح.

(يبدأ "الشاهد" بعزف لحن هستيري، متقطع، يميل للصراخ الموسيقي. "الجلاد" يبدأ فعلياً بانتزاع قطعة مرآة من بدلة "المتمرد" الذي يطلق صرخة مكتومة، الزجاج تحتهم يبدأ بالتصدع بشكل مسموع "طقطقة" مستمرة)

المتمرد: (بصوت متقطع) كلما.. انتزعت.. قطعة.. زاد الضوء في الغرفة.. أنتم لا ترون.. أنتم عميان بمفاتيحكم.."الغائب" يضحك عليكم الآن.. إنه لا يراقبنا.. إنه غير موجود أصلاً.. المكان فارغ.. فارغ كقلوبكم.

الكاهن: (يهتز بجنون، يبدأ بالرقص رقصة دائرية حول "المتمرد" و"الجلاد"، مفاتيحه تصرخ معه) فارغ؟ بل هو مزدحم بنا.. نحن "الغائب".. نحن "المراقب".. نحن الذين صنعناكم من طين الخضوع وصهرناكم في فرن الحاجة. أنا هو الإله الذي تخشاه، والجلاد هو الشيطان الذي تهرب منه، والمواطن هو الأرض التي ندوس عليها. هذه هي الثلاثية المقدسة لأي سلطة.

الجلاد: (يتوقف فجأة، يتحدث من الثقب الذي في عنقه) سيدي.. الزجاج يهتز. ليس من صرخات هذا المتمرد.. بل من شيء آخر. شيء يأتي من الأسفل.. من الطين.

المواطن: (يشير للهاوية بذهول) الرماد.. الرماد الذي سقط مني.. بدأ يتجمع ويشكل وجهاً.. إنه وجه ضخم.. بلا ملامح.. هل هذا هو؟ هل خرج "المراقب" من تحتنا؟

الكاهن: (يتوقف عن الرقص، يتجمد مكانه، ملامح الخوف الحقيقي تظهر لأول مرة على وجهه) مستحيل.. نحن من نخترع المواعيد.. لا يمكن له أن يخرج دون إذني.. أنا الكاهن.. أنا الذي أعلن حضوره وأعلن غيابه.

المتمرد: (يضحك بدموية، جسده ينزف نوراً من أماكن المرايا المنزوعة) لقد استدعيتموه بأكاذيبكم حتى صدقت الكذبة نفسها.. وها هي الآن تأتي لتأكل صانعها. (يصرخ) انكسر أيها الزجاج.. انفجري أيتها الهاوية.

(صوت موسيقى Giacinto Scelsi…. يرتفع لذروة مرعبة. الزجاج يبدأ بالتموج كأنه سائل. الشخصيات تترنح. "الشاهد" يعزف بقوس الكمان على أوتار مقطوعة، مما يصدر صوتاً يشبه عويل الذئاب)

الكاهن: (يحاول التمسك بكرسيه )يا جلاد.. اقطع رأسه بسرعة.. ربما الدماء تهدئ الهاوية.. اقطع رأس المتمرد.

الجلاد: (يرفع حبله، لكن يداه ترتجفان) سيدي.. الحبل أصبح ثقيلاً.. كأنه مصنوع من حديد منصهر.. لا أستطيع رفعه.

المواطن: (يضحك فجأة ضحكة جنونية، يفرغ كل الرماد من ساعته على الأرض) لقد انتهى الوقت.. الساعة فرغت.. "الغائب" ليس في الخارج.. "الغائب" هو الثقب الذي بداخلنا جميعاً.

(المسرح يغرق في ضوء أحمر، مع أصوات تكسر زجاج ضخمة تحاكي الانفجار. تسقط إحدى الساعات المعلقة من السقف وترتطم بالأرض)

( استمرار صوت عزف "الشاهد" المنفرد, يبدأ الظلام بالدخول تدريجيا)

اظلام

الغياب الثالث والأخير:

(المشهد يبدأ بصوت تكسر زجاج ضخم ومستمر. الأرضية الزجاجية لم تعد مستوية، بل أصبحت شظايا بارزة كأنها أسنان وحش. الطين الأحمر من الأسفل بدأ يتسرب ويغطي أقدام الشخصيات. "الكاهن" فقد عباءته، وبدت ملابسه التحتية مهترئة ومليئة بالثقوب، ومفاتيحه بدأت تتساقط وتغوص في الطين)

الكاهن: (يتمسك بحنجرته، صوته أصبح رفيعاً ومجروح)أين الضوء؟ لقد سرقتموه.. يا "جلاد".. لماذا صمت صراخ عنقك؟ تكلم.. قُل لي إن "الغائب" يبتسم لنا.. قُل لي إن هذا الطين هو حناء التضحية..

الجلاد: (يرمي حبل المشنقة، الحبل الآن يبدو كأفعى ميتة. يجلس على ركبتيه ويغرس يديه الطويلتين في الطين) سيدي.. الحبل لم يعد يشتهي الرقاب. لقد شبع من الارتجاف. (ينظر للثقب في عنقه) الهواء يدخل من عنقي ويخرج ببرودة غريبة.. أشعر بالفراغ، يا سيدي. "الغائب" ليس في الخارج.. "الغائب" هو هذا الثقب الذي اتسع حتى أكل جسدي. نحن لم نكن جلادين.. كنا فقط ثقوباً في ثوب العالم.

المواطن: (يقف فجأة بظهره المستقيم لأول مرة، الساعة الرملية تحطمت تماماً، الرماد يغطي وجهه كالقناع ) لقد تحررت من الوقت.. (يضحك ضحكة صافية ومرعبة) أتسمعون؟ الصمت في الأعلى ليس هدوءاً.. إنه "الغائب" وهو يتثاءب. لقد ملّ منا. ملّ من تمثيليتنا السخيفة. (يقترب من الكاهن، ويمسك بإحدى مفاتيحه الساقطة) هذا المفتاح لا يفتح جنة يا كاهن.. هذا المفتاح كان يقفل أبواب غرفتنا التي حبستنا فيها لمئات الأعوام من الرعب.

الكاهن: (يتراجع بذعر، يزحف على الزجاج المهشم) لا تقترب مني.. أنا ظل الله على هذا الطين.. أنا الذي وهبتكم الخوف لكي لا تضلوا.. لولا سوطي لكانت ذئاب أنفسكم أكلتكم. الدين هو الحبل الذي ينقذكم من الهاوية.

المتمرد: (ينتصب في منتصف المسرح، النور ينبعث من جروحه التي كانت مغطاة بالمرايا. يبدو وكأنه كائن من ضوء وألم) بل الدين في يدك كان هو الهاوية يا كاهن. لقد جعلت "المراقب" شرطياً يفتش في النوايا، ويقطع الرؤوس التي تفكر. انظر حولك.. (يشير للهاوية التي بدأت تبتلع الديكور) لم يتبقَ سوى الطين والصدأ. أين هي قصورك؟ أين هي وعودك بالخلاص؟ السلطة التي تُبنى على "البعبع" تسقط بمجرد أن يقرر طفل واحد أن يفتح عينيه في الظلام.

الشاهد: (يتوقف عن العزف فجأة. يرمي الكمان العظمي في الطين. ولأول مرة، يفتح فمه ليصدر صوتاً.. ليس كلاماً، بل "آه" طويلة، عميقة، تهز أركان المكان)

الكاهن: (يصرخ) حتى الأبكم يتكلم؟ الخيانة اكتملت... (يرفع يده للسماء) أيها الغائب.. اخرج.. اقطع رؤوسنا جميعاً.. طهر هذا الدنس.. اخرج ليروا أنني لم أكن أكذب.

(يسود صمت مطبق لثوانٍ. ثم يخرج من سقف المسرح "رأس عملاق" مصنوع من مرايا مشوهة، يتدلى ببطء. الرأس ليس له ملامح، بل يعكس وجوه الشخصيات الخمسة بشكل متداخل ومقزز. الرأس يهتز، ويصدر صوتاً يشبه ضحكة مكتومة)

المواطن: (يهمس بذهول) هذا هو؟.. إنه نحن. وجهه هو وجوهنا مجتمعة في لحظة ذل.

المتمرد: (يتقدم نحو الرأس المتدلي، يلمسه بيده) بارد كالثلج.. وفارغ كالطبل. (يلتفت للآخرين) لقد انتهت اللعبة. "الغائب" هو "نحن" حين صمتنا، وهو "الكاهن" حين استعبدنا، وهو "الجلاد" حين ذبحنا. نحن الخالق والمخلوق والسكين.

الكاهن: (ينهار تماماً، يدفن وجهه في الطين) إذن لا توجد مكافأة؟ لا يوجد عقاب؟ كل هذا الدم.. كان مجرد عبث في غرفة مغلقة؟ يا لقذارة الوجود.

الجلاد: (يقف ببطء، يخلع قناعه الجلدي، يظهر وجهه الحقيقي: وجه طفل عجوز) التطهير لا يأتي من الخارج يا سيدي. التطهير هو أن نحرق ما تبقى من "ذواتنا" في هذه الهاوية. (ينظر لـ الشاهد) اعزف يا شاهد.. اعزف لحن "الرقصة الأخيرة". لا نريد موسيقى الآلهة، نريد موسيقى الألم البشري الصرف.

(تبدأ موسيقى ......Amon Tobin - Bridge بالتداخل مع أنين الناي الصوفي. الإيقاع يصبح سريعاً، ومؤلماً للأذن)



(تبدأ الشخصيات الخمسة بالدوران حول "الرأس المرآتي" المتدلي)

المواطن: يدور وهو يوزع الرماد المتبقي حوله كأنه يبذر بذوراً في العدم.

الجلاد: يدور وهو يلف يديه الطويلتين حول نفسه كأنه يخنق ذكرياته.

الكاهن: يدور بحركات مكسورة، يمزق ما تبقى من ملابسه، مفاتيحه تتطاير في كل مكان.

المتمرد: يدور في المركز، تحت الرأس مباشرة، يرفع يديه للسماء ويضحك ضحكة مجنونة.

الشاهد: لا يعزف، بل يضرب الأرض بقدميه بإيقاع عسكري مرعب.

(تتحول الدورة إلى "حضرة صوفية سريالية". الشخصيات تبدأ بالصراخ بكلمات غير مفهومة: "آه.. هو.. نحن.. العدم.. الطين". تتسارع الرقصة حتى تصبح الوجوه غير واضحة، مجرد كتل بشرية تدور بجنون تحت إضاءة متقطعة توحي بأن الزمن يتفتت)

الكاهن: (وهو يدور، يصرخ بألم) يا غائبُ فينا.. يا حاضرُ في خوفنا.. أحرقنا.

الجميع بصوت واحد: أحرقنا لنصير غباراً.. لا سلطة للريح عليه.

(فجأة، وبضربة موسيقية عنيفة، ينفجر "الرأس المرآتي" المتدلي إلى آلاف الشظايا الصغيرة التي تتساقط كالمطر على الراقصين. الشخصيات لا تتوقف، بل تستمر في الرقص وسط مطر الزجاج، جلودهم تتمزق، الدماء تختلط بالطين وبالرماد، في لوحة بصرية مهيبة وقاسية)

(بصيص ضوء أبيض حاد يسقط من الأعلى، يبتلع الشخصيات شيئاً فشيئاً وهم يذوبون في رقصتهم)

المتمرد: (الكلمة الأخيرة قبل الإظلام الكامل) الآن.. نحن أحرار.. لأننا لم نعد موجودين.

اظلام

(استمرار صوت الموسيقى الصاخبة والمشوهة لعدة ثوانٍ في الظلام التام)




هذا العمل اهداء الى الفنان المسرحي السماوي

الدكتور ناجي كاشي

صاحب كتاب: الغرائبية في العرض المسرحي
للتواصل مع الكاتب:
واتساب: 07806066228
فيس بوك: ضرغام ابو اصف






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضرغام عبدالرحمن الجابري - نص مسرحي غرائبي: في إنتظار رؤوسنا