أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الشايب سلوى - الرأسمالية وصناعة التوجهات التنموية: أزمة المألات















المزيد.....


الرأسمالية وصناعة التوجهات التنموية: أزمة المألات


الشايب سلوى

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 09:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


Le capitalisme et fabrication des orientations de développement : la crise des aboutissemen
من إعداد الطالبة الباحثة سلوى الشايب كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية ابن طفيل

ملخص
مر مفهوم التنمية بمحطات حاسمة جعلت منه حقلا للصراع بين الرؤية التقنية الضيقة والأفق الإنساني الرحب، فبعدما ظل لعقود سجين لغة الأرقام وتراكم الآلات، جاءت إسهامات "امارتياصن"لتعيد الاعتبار للذات البشرية معتبرة أن التنمية هي في جوهرها عملية توسع في الحريات. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع التبعية، حيث يرى بعض الباحثين أن النظام العالمي يفرض مسارات تؤدي إلى ارتهان دول الجنوب واستلابها ثقافيا، مما يحول التنمية إلى هيكل جامد يفتقد لروح السيادة. وفي هذا السياق، يبرز دور البنك الدولي، ليس فقط كممول، بل كصاحب سلطة خبرة احتكرت صياغة المفاهيم، وانتقلت من تمويل البنيات التحتية إلى محاولة أنسنة التنمية كاستجابة للانتقادات الحقوقية وفشل برامج التعديل الهيكلي. لكن هذا الانتقال من تمكين الأرقام إلى تمكين القدرات يظل رهينا بمدى قدرة المجتمعات على مأسسة التنمية واللجوء للحكامة والشفافية كخطوة أساسية لتحقيق هذه الغاية.
Résumé
Le concept de développement a connu des transformations cruciales, devenant un champ de bataille entre une perspective étroite et technique et une perspective plus large et humaniste. Après des décennies de développement cantonné au langage des chiffres et à l accumulation de machines, les travaux d Amartya Sen ont redonné toute sa valeur à la dignité humaine, considérant le développement comme fondamentalement un élargissement des libertés. Cependant, cette aspiration se heurte à la réalité de la dépendance. Certains chercheurs affirment que le système mondial impose des voies qui mènent à la sujétion et à l aliénation culturelle des pays en développement, transformant le développement en une structure rigide dépourvue de souveraineté. Dans ce contexte, le rôle de la Banque mondiale se révèle, non seulement comme bailleur de fonds, mais aussi comme une autorité dont l expertise a monopolisé la formulation des concepts. Elle est passée du financement des infrastructures à une tentative d humanisation du développement en réponse aux critiques relatives aux droits humains et à l échec des programmes d ajustement structurel. Mais ce passage d une logique de renforcement des capacités à une logique de renforcement des capacités reste tributaire de la capacité des sociétés à institutionnaliser le développement et à adopter la bonne gouvernance et la transparence comme étapes essentielles à la réalisation de cet objectif.

مقدمة
مر مفهوم التنمية منذ نشأته بمحطات تاريخية حاسمة، شكلت الأرضية النظرية الصلبة لمجموعه من المقاربات الكبرى تراوحت هذه الرؤى بين الابعاد الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الاطر التفسيرية التي اغنت المثنى الفكري للمفهوم ويعد اسهام الفيلسوف والاقتصادي "أمارتياصن "، الحاصل على جائزه نوبل في الاقتصاد عام 1998، من أبرز النماذج لهذا الثراء النظري خاصه في كتابه "التنمية حرية "، حيث يرى ان "التنمية هي عمليه توسع في الحريات الحقيقية التي يتمتع بها الافراد".1
ومع ذلك يظل مفهوم التنمية من اقصر المفاهيم اثاره للجدل داخل العلوم الاجتماعية والسياسية المعاصرة، لاسيما في سياقات دول الجنوب؛اذ لا ينحصر هذا الجدل في الجوانب الاحصائية فحسب بل يمتد ليشمل صراعات هوياتية وبنيوية، وهو مأكدت عليه أدبيات "مدرسة التبعية" التي ربطت التنمية بالتحرر من هيمنة المركز الرأسمالي.
وفي هذا الصدد، يوضح الاقتصادي المصري سمير أمين أن النظام العالمي يفرض على دول المحيط مسارات تجعلها في حالة ارتهان دائم ومستمر، إذ يلاحظ أن " الاتجاه العام في المحيط هو تبني أشكال تبعية أعلى"2، وهذا يعني بشكل او بأخر أن هذه التبعية لم تعد تكتفي باستنزاف الموارد الطبيعية فقط، بل أضحت تعيد صياغة البنيات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات بما يخدم مصالح المركز العالمي.
تماشيا مع ما أشار إليه سمير أمين، فقد بلور المفكر السوسيولوجي المغربي المهدي المنجرة رؤية سوسيولوجية ثاقبة في كتابه " الاهانة في عصر الميغا إمبريالية مؤكدا "أن التبعية لا تتوقف عند استنزاف موارد المجتمعات، بل تمتد لتضم " الاستلاب الثقافي"3الذي يعتبر بدوره من أخطر اشكال "المذلة"4، كونه يجسد عدوانا مباشرا على المنظومة القيمية في دول الجنوب (المحيط) .
في الواقع لا يمكننا ان نفهم آليات اشتغال التنمية دون تفكيك المحرك الأساسي الذي يوجهها فحينما نتحدث عن سيارة بدون محرك، فإننا تضع أنفسنا أمام هيكل جامد يفتقد لروح الحركة. فالتنمية بدون رأسمال تظل محض شعارات نظرية عاجزة عن التجسد في الحياة الاجتماعية، ومن هنا ينبع مفهوم الرأسمال كمحدد لمسارات التنمية، ليس فقط كوقود مالي ومادي، بل بأبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية
ولعل الإرث الاقتصادي التقليدي أثر بدوره على التصورات الاقتصادية التقنية للتنمية؛ فحسب تصورهم الاختزالي للرأسمال، يدافعون عن فكرة مفادها أن التنمية محصورة فقط ضمن ما هو كمي وعددي، بل يتم حصرها في " كل سلعة من صنع الإنسان تستخدم في انتاج سلع أخرى كالآلات ومباني المصانع والمعدات"5. وهذا ما يفسر بعدسة شفافة ومنطقيو كيف أصبح هذا المفهوم فارغا من حمولته الاجتماعية، وأضحى مجرد أداة تقنية قابلة للقياس الكمي. وبالتالي، يطرح تساؤل وجيه: هل أضحت هذه التنمية مجردة من قيمتها الأخلاقية؟ أم أنها عكس ذلك؟
لربما أجمعت التصورات الاقتصادية التقنية على أن التنمية تتحقق بمجرد توفر "100آلة" كمؤشر رقمي على تراكم الرأسمال المادي لكن السوسيولوجي له رأي آخر؛ إذ يتساءل بالدرجة الأولى عن العلاقات الاجتماعية التي تحرك هذه الآلات: من يملكها؟ وكيف توزع ثمار إنتاجها؟ وهل ستساهم في تحرير الإنسان من عبودية الآلة أم في تعميق استلابه؟
إن مجموعة البنك الدولي وصناعاتها المعاصرة تطرح إشكالية سوسيولوجية عميقة: اذ لم يعد دور الرأسمال مقتصرا على التمويل المادي، امتد ليشمل احتكار صياغة المفاهيم والاسئلة المركزية حول ماهية التنمية. وإذا كان المنطق التقليدي قد تنحصر لعقود مضت في الربح المادي، فإن التحولات الفكرية الحديثة أنجبت انتقالا نحو "أنسنة التنمية" كأفق للحرية والحق. انطلاقا من هذه المفارقة بين سلطوية المال وضرورات التنمية، يبرز سؤال جوهري: كيف تساهم المؤسسات الحاضنة للرأسمال في توجيه أسئلة التنمية من منطق الربح المادي إلى أفق الأنسنة والحرية؟ وإلى أي حد تنجح آليات الحكامة والتشريع في مأسسة هذا الانتقال؟

1 . تضارب المقاصد التنموية: من هيمنة الرأسمال الى أنسنة التنمية
لا يمكن الحديث عن نهرٍ بدون منبعٍ ومجرىً يحدد مساره، وكذلك هو الشأن بالنسبة للتنمية؛ فهي لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل لها ميكانيزمات مؤسساتية ترسم معالمها وتحدد غاياتها، وتعتبر بمثابة القوة الدافعة، التمويلية والتنظيمية. "ويعد البنك الدولي من بين أكبر مصادر التمويل والمعرفة للبلدان النامية في العالم. وتشترك المؤسسات الخمس التي تتألف منها مجموعة البنك في الالتزام بالحد من الفقر وتعزيز الرخاء المشترك ،وتشجيع التنمية المستدامة"6 وهذا ما يفككه بعمق الأستاذ الدكتور والباحث القدير نور الدين لشكر في كتابه المرجعي البنك الدولي: التنمية بين الخبرة والسيادة ، حيث يبرز كيف أن هذه المؤسسة تمارس نوعاً من سلطة الخبرة التي وجهت المسارات التنموية تاريخياً بين هيمنة المنطق الرأسمالي وبين محاولات أنسنة التنميه" إن البنك الدولي وان بدا يشكل عام مؤسسة مالية دولية ، ذات خلفية معرفية اقتصادية ، تساهم في تأطير المساعدات التي يقدمها للدول الفقيرة بهدف المساهمة في تنميتها ، فإن المتتبع لتاريخه سيكشف أن الأمر لا يتعلق عن هذا المستوى المتعلق بالدعم المالي"7 ، وبذلك فإن الدعم المادي ليس إلا محض غطاء أيديولوجي يموه لميكانيزمات أعقد لسلطة الخبرة .
وبما أن للمعرفة العلمية سلطة قوية، فإن للبنك الدولي خزانا فكريا عالميا يتكون من " جماعة الخبراء" 8 وهي بنية تقنو قراطية ضخمة تضم حسب البيانات الرسمية التي أوردها الدكتور لشكر أزيد من "1549 خبيرا مصرحا بهم".9
• دور الهياكل الوصية في إضفاء الشرعية على الأسئلة التنموية
لربما يفرض الحس المشترك على المجتمع مساراً فكريا خطيا، مما يولّد اعتقادا واهما بأن مسمى البنك الدولي كافٍ بذاته لفهم طبيعة الدور الذي يجسده، لكن وصاية هذه المؤسسة تجاوزت البعد التمويلي الصرف.
تناغما لما أشرنا إليه سابقا فإن هذه المؤسسة تعتمد سياسات أعمق، إذ ان المؤشرات الكمية والتقارير العلمية التي يقدمها خبراءه تلعب دورا مركزيا في إضفاء شرعيتها على الاسئلة التنموية، وهذا ما يجعل من الدول المقترضة (النامية) تتبنى ساسياتها باعتبارها تقدم الوصفة الملائمة، الجاهزة لحل أزمتها، في حال فشلت هذه التدخلات في إحدى البلدان ترجح اسباب فشلها إلى أسباب تقنية.
• مفارقة الغايات بين التنمية كأداة للتحرر الإنساني وآليات تعظيم الربح
شهدت العقود الأولى من عمل البنك الدولي خاصة مع نهاية الاربعينيات وبداية الخمسينيات، هيمنة مطلقة للمقاربة التقنية والمادية؛ إذ وجهت القروض والمشاريع على قطاعات البنية التحتية الصلبة كالسدود والطرق والطاقة، باعتبارها الأساس الوحيد المعتمد لتحقيق التنمية ويتجلى هذا التوجه بوضوح في تقديم اول قرض لدولة نامية " الشيلي سنة 1948 لتمويل طاقة الكهرومائية " 10وهو ما يعكس بشكل جلي هذه المرحلة التي كان فيها الإنسان مغيبا لصالح لغة الأرقام والآلات.
إلا أن هذا المسار اصطدم بواقع مختلف خلال فترة الثمانينيات ،وهو الحقبة التي عرفت ببرامج "التعديل الهيكلي "التي فرضت سياسات تقشفية قاسية مست القطاعات الاجتماعية ، وأمام التدهور الحاد في مؤشرات العيش واجه البنك الدولي انتقادات لاذعة قادتها منظمة "اليونيسيف "، والتي توجت بصدور دراسة" التكيف ذو الوجه الإنساني عام 1987"11حيث كشفت هذه الدراسة عن التكاليف البشرية العالية لهذه السياسات ، تحديدا في مجالات سوء تغذية الأطفال والتعليم مما شكل ضغطا حقوقيا وأكاديميا ، أجبرت فيه المؤسسات الدولية على مراجعة منطلقاتها.
ونتيجة لهذه الانتقادات، عرفت فترة التسعينات تغيرا جذريا نحو ما سمي "بالتنمية البشرية " حيث انتقل البنك الدولي من تمويل "الأشياء" إلى الاستثمار في البشر. وقد تجسد هذا المنعطف في تقرير التنمية "لعام 1990 الذي أعاد تعريف الفقر كظاهرة متعددة الأبعاد تشمل الصحة والتعليم والتمكين المجتمعي "12، متأثرا باطروحات"التنمية حرية".
وبذلك تحول الخطاب الاممي من مجرد البحث عن النجاعة الاقتصادية المادية إلى محاولة إضفاء طابع اجتماعي إنساني على السياسات العمومية لضمان قبولها وشرعيتها. بناءا على هذا، يمكن القول إن المسار التاريخي والخطابي قد جعل من البنك الدولي لم "يعد يعتمد مقاربة اقتصادية تقنو قراطية صرفة، بل تسربت إلى لغته مفاهيم حقوقية وإنسانية "13، هذا التغلغل سيفتح الباب أمامنا لنقاش جوهري يتمثل في أطروحة"امارتياصن" إذ يدعم فكرة أن التنمية تستلزم التحرر من الحتمية المادية للنمو ففي كتابه " التنمية حرية "يجادل صن بأن المؤشرات الاقتصادية (كالدخل والإنتاج) ليست غايات في حد ذاتها، بل هي مجرد وسائل لتوسيع الحريات الحقيقة التي يتمتع بها الإنسان. ومن هنا، تصبح السياسات العمومية، في نظر صن، مطالبة بالانتقال من "تمكين الأرقام" إلى " تمكين القدرات البشرية"، باعتبار الحرية هي المعيار الأسمى لنجاح أي نموذج تنموي"14.
2. مأسسة التنمية: اليات الحكامة والشفافية ودور المشرع في توجيه الرأسمال
إن الحقيقة اليوم التي لا يجب على مجتمعات دول العالم الثالث أن تتجاهلها هي مأسسة التنمية لأنها تشكل الأساس المتين لتنظيم فعل النمو الاقتصادي والاجتماعي وترشيده، فهي بمثابة الانتقال الجوهري من التدبير الارتجالي للموارد إلى بناء هيكل مؤسساتي قار وعقلاني يخضع لقواعد قانونية ومعايير واضحة تضمن ديمومة السياسات العمومية. وتبرز أهمية هذه المأسسة في كونها الأداة الكفيلة لضبط مسارات الرأسمال وتوجيهه نحو غايات تنموية أسمى تخدم الصالح العام، وذلك من خلال تفعيل آليات الحكامة والشفافية التي لم تعد مجرد ترف تقني بل ضرورة أخلاقية لضمان المساءلة وقطع الطريق أمام "الريع" الاقتصادي. في هذا الإطار يحضر دور المشرع مفاعل استراتيجي يتجاوز صياغة النصوص ليصبح " مهندسا" للترسانة القانونية التي تفرض التوازن بين نجاعة السوق والعدالة الاجتماعية.
وبالعودة إلى أطروحات المفكر المهدي المنجرة في كتابه " قيمة القيم"، نجد أن مأسسة التنمية ترتبط ارتباطا وثيقا ب "لسيادة الوطنية "ومنهج " الاعتماد على النفس" كخيار استراتيجي نابع من الاقتناع الجماعي"15، وهو " ما يقتضي صرامة تشريعية ترفض التبعية العمياء للنماذج الجاهزة أو "قبول الفضلات"16، إن بناء مؤسسات وطنية قوية هو الرد السيادي الوحيد على الاختلالات التي تفرضها مراكز القرار الدولية.
إذ تضمن هذه المؤسسات" حماية الرأسمال الوطني من التبديد وتوجيهه لخدمة الإنسان، بما ينسجم مع المبادئ الجائرة التي قد تحكم صناديق الاستثمار الدولية والتي غالبا ما تنافي مع المصالح الحقيقية للدول النامية"17
وبالتالي فإن التنمية بدون مأسسة تظل رهينة الاعتباطية، مما ينتج عنه اختلال في تنظيم فعل النمو الاقتصادي والاجتماعي.
• رهانات الحكومة كرافعة لأشراك ممثلي الامة في المسارات التنموية.
أضحت الحكامة ضرورة بنيوية لإصلاح شؤون وتدبير الدول وليست فقط كمفهوم نظري يفتقر للأجرة ، إذا أن هذه الحكامة "هي تعبير واضح ومكثف عن ممارسة السلطة بتجسيداتها المتعددة وإدارتها الفعالة لشؤون المجتمع وموارده"18، إلا أن إشراك ممثلو الامه في مسارات التنمية ليس ترفا، بل هو تجسد لممارسة السلطة بتجسيداتها المتعددة ورهان حقيقي لتحويل الحكامة من مفهوم ملتبس إلى خيار استراتيجي لا محيد عنه .لاسيما أن هذا المفهوم هو الوسيلة الأمثل في تحقيق الغاية (التنمية)، وبدونها التنمية ستتعثر .في صدد هذا فإن البنك الدولي هو أول من أسس هذا المفهوم إذ " يعتبر أن هناك مطالب تخص الشباب والإقصاء والفقر في العديد من مناطق العالم ينبغي الاستجابة لها ، وحسب البنك الدولي فإن سيادة القانون هي واحدة من أدوات التنمية الأساسية."19
إن ربط الحكامة بإشراك ممثلي الأمة يستوجب الانتقال من مقاربة " الشرعية القانونية" إلى " الشرعية الانجازية"، فالحكامة هنا تعمل كآلية لعقلنة الفعل السياسي؛ إذ تفرض على ممثلي الأمة الخروج من دائرة الخطاب السياسي العام إلى دائرة المعرفة التقنية بمدخلات التنمية.
ختاما لهذا يمكن القول إن رهانات الحكامة كرافعة لإشراك ممثلي المشرع في مسارات التنمية ليست مجرد خيار تنظيمي، بل هو ضرورة بنيوية لإعادة الاعتبار للفعل المؤسساتي في مواجهة تحديات الأزمات الاجتماعية، إن هذا المفهوم بهذا المعنى، هي التي تمنح لسيادة القانون روحا تنموية، فهي التي تحرك النصوص القانونية والتقارير التقنية إلى واقع معاش يلمسه المواطن في مجتمعه.
• الشفافية كآلية لمواكبة الاستثمار وضمان التوازن بين النجاعة الاقتصادية والالتزام الاجتماعي
لم يكن مفهوم الشفافية وليد للحظة، بل تطور عبر صيرورة من الزمن من قبيل التأسيس الفلسفي حيث يجد سنده في " الذبيل الثاني "من مؤلف ايمانويل كانط، إذ يقر بأن " صورة العلانية هي المعيار الذي لا تستقيم العدالة بدونه. فكل فعل أو دعوى قانونية لا تحتمل العلانية هي بالضرورة فاقد للحق"20
وبناء على هذا يمكننا تحديد تبني البنك الدولي لهذا المفهوم خاصة في تقاريره تقرير(1989)، ليس فقط كإجراء تقني لتعزيز النجاعة الاقتصادية، بل كضرورة لإعادة الاعتبار "للعدالة" في تدبير الشأن العام. والشفافية هنا تعمل كآلية لمواكبة الاستثمار عبر إخراج المساطر الإدارية والمالية من عتمة " السرية " إلى ضياء العلانية مما يضمن التوازن بين الربحية الاقتصادية وبين الالتزام الاجتماعي ويقطع الطريق أمام ممارسات الريع التي تنمو دائما في غياب سمة العلانية.
وبالرغم من الترسانة التقنية والمؤشرات التي وضعها البنك الدولي فإن اختيار الواقع كان أمرا مخالفا، تحديدا مع " أحدث الربيع العربي وموجاته المتتالية، وتعالي أصوات الشباب المطالبة بالعدالة والحكم الرشيد والكرامة والوظائف، ستكشف عن مفارقة تعكس تلك المسافة الهائلة بين هاته المطالب وقدرة الحكومات على تنزيل المفهوم"21. ومن ثم فإن تبني البنك الدولي النجاح الاقتصادي لم يؤتي ثماره، لأنه افتقر للشفافية السوسيولوجي، حيث ركزت تقاريره على مؤشرات الماكرو اقتصادية وتجاهلت غياب العدالة في توزيع الثروة وتفشي الفساد البنيوي، وهذا ما يعكس أن الإصلاحات التقنية غير كافية لضمان الاستقرار الاجتماعي.

خلاصة:
يخلص المقال إلى أن مفهوم التنمية قد تحول من مجرد أداة تقنية كمية (البنية التحتية، الآلات)، إلى عملية معقدة تستهدف "توسيع الحريات " ومع ذلك فإن هذا يظل في ارتهان عميق يتمثل في " سلطة الخبرة"، التي يمارسها البنك الدولي، والتي غالبا ما تغلف الأهداف الرأسمالية بلغة حقوقية (حكامة، شفافية)، ومن ثم فإن العديد من المفكرين والباحثين خاصة منهم العرب يدعون إلى الابتعاد عن تبني الوصفات الجاهزة التي تقترحها هاته المؤسسات، ومأسسة هذه التنمية وطنيا وربطها بالسياسة والقيم الثقافية.
قبل وضع نقطة النهاية في خاطري تساؤل وجيه وهو كالتالي:
الى اي حد يمكن للدول النامية أن تحقق تنمية سيادية حقيقة في ظل نظام عالمي يفرض سلطة الخبرة كشرط للحصول على الاعتراف والتمويل؟


لائحة المراجع:
1 أمارتياصن،التنمية حرية ترجمة شوقي جلال،القاهرة:المركز القومي للترجمة،2010 ،ص:17 .
2سمير أمين، التطور للامتكافئ:دراسة في التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية المحيطية ،ترجمة برهان غليون ،دار الطليعة ،بيروت،1976،ص:273
3المهدي المنجرة، الإهانة في عصر الميغا امبريالية،المركز الثقافي العربي ،لدار البيضاء،2007،ص:9.
4المرجع نفسه
5جلال امين،فلسفة علم الاقتصاد:بحثفي تحيزات الاقتصادين وفي الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد، دار النشر،القاهرة،ص:64.
7نور الدين لشكر، البنك الدولي: بين الخبرة والسيادة،دار القلم،2024،ص:147.
8نور الدين لشكر،في سوسيولوجيا الخبرة والخبراء، دار القلم،2023،نقلا عنه،نور الدين لشكر، البنك الدولي: بين الخبرة والسيادة،دار القلم ،2024،ص:99.
9المرجع نفسه، ص:101.
13نور الدين لشكر،مرجع سبق ذكره،ص:211.
14ا مارتياصن، مرجع سبق ذكره، ص:17ـ18.
15المهدي المنجرة،قيمة القيم،منشورات الزمن،الرباط،2007،ص:21.
16المرجع نفسه، ص:22.
17المرجع نفسه،الصفحة نفسها.
18محمد البكوري،الحكامة مقاربة أولية للمفهوم ،إدارة المؤسسات،ص:
19 المرجع نفسه.
20ايمانويل كانط،2006، مشروع للسلام الدائم،ترجمة،عثمان أمين.القاهرة:المركز القومي للترجمة،ص:89.
21نور الدين لشكر،مرجع سبق ذكره،ص:217.
تقارير ومواقع مؤسسات دولية:
6مجموعة البنك الدولي، تم الاسترجاع من الموقع: https://urli.info/1mTWn ، بتاريخ 2026على الساعة4:23.
12البنك الدولي، تقرير عن التنمية في العالم لعام 1990: الفقر، واشنطن العاصمة، البنك الدولي.

10 World Bank group. (n.d.).world bank group historical timeline. World Bank archives
11Cornia، G,A,jolly,,R,fstewart,f.(1987).adjustment with a human face,oxford:claendon press.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الشايب سلوى - الرأسمالية وصناعة التوجهات التنموية: أزمة المألات