إخلاص الخيراني
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 09:44
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تقديم:
عرفت المرجعيات النظرية للتنمية الدولية تحولا جذريا منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث انتقلت المؤسسات المالية، أهمها مؤسسة البنك الدولي، من الأرثوذكسية الاقتصادية التي اهتمت بالمؤشرات الكمية الرقمية الإقتصادية، إلى الاهتمام بالبعد الاجتماعي، وهذا التحول يعكس تطورا في فهم مفهوم التنمية، الذي لم يعد يسعى فقط لتحقيق النمو الاقتصادي، بل أصبح يسعى إلى تحسين أوضاع الانسان وتوسيع قدراته في مختلف المجالات، وفي هذا السياق، يشير الدكتور الصديق الصادقي العمري "إلى أن هذا المفهوم برز بصورة أساسية بعد الحرب العالمية الثانية حيث ساد ولفترة طويلة مصطلح التنمية الاقتصادية والذي يشكل النمو الاقتصادي هدفها الأساس، إلا أن الفكر التنموي المعاصر لم يعد يركز على البعد الاقتصادي فقط بل تجاوزه ليشمل أبعادا اخرى منها الاجتماعي والسياسي والبيئي وكل ماله علاقة بتأهل الانسان"1.
وفي ظل هذا التحول في تطور التنمية لم يعد الاكتفاء فقط بالمقاربات الاقتصادية الكمية، بل أصبح من الضروري اعتماد آليات التحليل السوسيولوجي لفهم ديناميات المجتمعات والبنيات الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في نجاح أو فشل السياسات التنموية، وفي هذا السياق، عمل البنك الدولي على ادخال مقاربات تحليلية جديدة، ضمن تدخلاته من خلال الاعتماد على دراسات ميدانية تهتم بسلوك الأفراد، طريقة العيش، والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى دراسة الظواهر مثل الفقر والهشاشة والاقصاء الاجتماعي
حيث تؤكد تقارير البنك الدولي خاصة تقرير التنمية في العالم لسنة 2000 و2001 حول الفقر، أن فهم الأبعاد الاجتماعية للفقر لا يمكن أن يتم دون الاستماع إلى الفئات المعنية واشراكها، وهو ما يعكس تبني مقاربة سوسيولوجية قائمة على المشاركة والتمثلات الاجتماعية، إذ تتقاطع هذه التوجهات مع أطروحات أمارت ياصن الذي" يؤكد على أن الهدف المعياري للتنمية هو توسيع فرص ونطاق الاختبار تأسيسا على حق المعرفة وفي التعليم..إلخ أي الزيادة في نطاق البدائل الفعالة المعروفة والمطروحة صراحة على الناس ذوي القدرة التعليمية، الصحية ،الفكرية، ولاقتصادية والاستقلالية في الرأي وفي المشاركة الإيجابية الواعية للرجل والمرأة ... وبهذا تتوفر شروط المواطنة في اطار دينامي متطور نابع من تفاعل الفكر والعمل الاجتماعيين، وهدف التنمية هو زيادة نطاق الخيار الإنساني"2
وبهذا فإن التنمية ترتبط أساسا بتوسيع قدرات الأفراد وحرياتهم مما يستدعي فهم السياقات الاجتماعية التي يعيشون فيها، وهكذا أظهرت الحاجة إلى خبراء سوسيولوجين إذ أصبح التحليل السوسيولوجي يشكل آذاة أساسية في عمل خبراء البنك الدولي، لفهم الواقع الاجتماعي بشكل أعمق وتوجيه السياسات التنموية بشكل أكثر فعالية وعدالة وضمان انسجامها مع السياقات الاجتماعية المختلفة، وبالتالي هل يمكن اعتبار الخبراء السوسيولوجين داخل مؤسسة البنك الدولي يمثل تحولا حقيقيا في المقاربة التنموية؟ أم أنه يبقى مجرد حضور شكلي الاعطاء سياساته طابعا اجتماعيا؟
ولمقاربة هذه التداخلات بين السوسيولوجيا والممارسة التنموية اعتمدنا تصميم منهجي يقوم على محورين رئيسيين، إذ يتناول المحور الأول مسألة وجود الخبراء السوسيولوجين داخل البنك الدولي، من خلال رصد طبيعة هذا الحضور وتحديد أدوارهم الأساسية، على أن نخص المحور الثاني لتحليل الأسس والأليات التي يعتمدها هؤلاء الخبراء في دراساتهم، والهدف المتوخى من هذا التحليل السوسيولوجي في توجيه الفعل التنموي
المحور الأول: وجود الخبراء السوسيولوجين داخل البنك الدولي
البنك الدولي والخبراء السوسيولوجيين
عرف العالم تحولات تاريخية واقتصادية كبرى خلال القرن العشرين، خاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومن تم ظهرت الحاجة إلى مؤسسة دولية تهتم بإعادة اعمار الدول المتضررة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي العالمي وهو ما توج "بتأسيس البنك الدولي في مؤتمر بريتون وودز في عام 1944، حيث يعمل مع البلدان النامية على الحد من الفقر وتعزيز الرخاء المشترك"3. ويعد البنك الدولي من المؤسسات الناشطة في مجال التنمية إذ يقوم على تمويل ودعم المشاريع، وكذا إرشاد وتوجيه السياسات العمومية، كما قام" بتمويل ما يزيد على 15 ألف مشروع إنمائي عن طريق تقديم القروض التقليدية والاعتمادات بدون فوائد، والمنح"4، مما يجعله أحد مصادر التمويل والمعرفة على الصعيد العالمي.
وقد تعزز الإطار التنظيمي للبنك الدولي" في مارس (1946) حيث انعقد مؤتمر آخر يهم دراسة بعض الموضوعات التفضيلية التي لم تتطرق لها اتفاقية بريتون وودز، ومن بينها تحديد المقر الرئيسي للبنك الدولي وتعيين مديره ونوابه والمدراء التنفيديين ... وقد انتهى المؤتمر إلى تبني وجهة النظر الأمريكية باختيار العاصمة واشنطن مقرا للبنك الدولي، واختيار وزير الخزانة الامريكي مديرا له"5
وتتكون مجموعة البنك الدولي من خمس مؤسسات رئيسية، حيث تشترك فيما بينها في الالتزام بالحد من الفقر وتعزيز الرخاء و التنمية المستدامة ، حيث "يقدم البنك الدولي للإنشاء والتعميروالمؤسسة الدولية للتنمية، اللذان يشكلان معا البنك الدولي، التمويل والمشورة بشان السياسات والمساعدة الفنية إلى حكومات البلدان النامية، وينصب تركيز المؤسسة الدولية للتنمية على بلدان العالم الاشد فقرا، أما البنك الدولي للإنشاء والتعمير فيساعد البلدان متوسطة الدخل والبلدان الأفقر المتمتعة بالأهلية الانتمائية، كما تركز مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار على تدعيم القطاع الخاص في البلدان النامية ، ومن خلال هذه المؤسسات تقدم مجموعة البنك الدولي التمويل والمساعدة الفنية والتأمين ضد المخاطر السياسية وتسوية المنازعات للشركات الخاصة، ومن ضمنها المؤسسات المالية"6
كما «تضم مؤسسة البنك الدولي حوالي 12000موظف ويستثمر مليارات الدولارات سنويا أنه بالتالي منظمة كبرى، تقع في منتصف الطريق، بين بنك حقيقي وجهاز عام"7. وكلما اتسع
الحجم البشري للمؤسسة اتسعت معه الحاجة إلى استقطاب اختصاصات علمية متعددة قادرة على الإحاطة بتعقيدات التنمية، حيث نجد نسبة حضور الاختصاصات العلمية داخل البنك الدولي من خلال المبيان الذي وظفه الدكتور نورد الدين لشكر في كتابه البنك الدولي حيث نجد تخصص الاقتصاد يحتل المرتبة الاولى بنسبة 44٪، ثم تليه العلوم الاجتماعية بنسبة 28٪، كما تمثل الرياضايات والعلوم الطبيعية والزراعية9٪، في حين تشكل التكنولوجيا والهندسة حوالي 5٪ ثم الطب بنسبة 1٪
ونظرا لتوسع مهام مؤسسات البنك الدولي وتشعب مجالات تدخلها في مختلف قضايا التنمية ،أصبح من الضروري الاعتماد على موارد بشرية مؤهلة ومتنوعة التخصصات ، إذ يجسد هذا التنوع في المجالات العلمية اعتماد البنك الدولي على مقاربة شمولية لا تقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، بل تشمل كذلك الأبعاد الاجتماعية والتقنية، ففهم قضايا التنمية لا يمكن أن يتم من زاوية واحدة، الان هذه القضايا غالبا ما تكون معقدة، ومتشابكة ( كالفقر ، البطالة) لذلك يعمل البنك الدولي على توظيف خبراء من تخصصات مختلفة من أجل تكوين رؤية متكاملة، حيث أصبح يتراوح عدد الخبراء داخل البنك الدولي حوالي 1549خبيرا من خلال قاعدة بياناته الخاصة، عبر موقعه الالكتروني الرسمي، فماذا يعني إذن أن تكون خبيرا ؟ فالخبير هو ذاك الشخص الذي يحتوي على معرفة متخصصة وعميقة في مجال تخصصه، اكتسبها من خلال الدراسة والتجارب، ويستطيع تشخيص القضايا وتحليلها وتقديم توصيات مبنية على معطيات علمية دقيقة، فهي من منظور جون ايف تريبو " انتاج معرفة متخصصة تتجه بشكل علمي نحو إطار تقني أو مهني حيث يعرف المهنيون المختصون الخبير بكونه يستمد كفاءته من التمكن من معرفة محددة وتجربة خاصة، فهي تتميز بطابعها المؤقت وغير المستقر، نظرا للإرتباطها بصنع القرار أو بصيغة أدق، فهي إنضاج القرار قصد التدخل."8
"فالخبرة جعلت الكثير من الباحثين، يرون فيها وسيلة للوصول إلى دليل مطلق وعلمي وعقلاني لإنضاج القرار واتخاذه."9
وإذا كان الخبير بشكل عام يحيل إلى شخص يمتلك معرفة متخصصة وخبرة مهنية في مجال معين ، فإن هذا المفهوم يتخذ بعدا أكثر تحديدا عندما يتعلق الأمر بالخبير السوسيولوجي، فهذا لا ينحصر دوره على امتلاك المعرفة النظرية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل تحليل الظواهر الاجتماعية، وفهم التحولات التي تطرأ على المجتمع باعتماد أدوات ومناهج علم الاجتماع، مما يجعله الفاعل الأساسي في تفسير القضايا الاجتماعية والمساهمة في ابتكار الحلول لها، فالخبير الاجتماعي هو " ذاك الشخص الذي يسعى عبر مجموعة من البرامج و الأنشطة الموجهة لفئة معينة من فئات المجتمع إلى مساعدتهم للتكيف من جديد مع البيئة الخارجية الطبيعية والعمل على توافقهم الاجتماعي مع النظم الاجتماعية السائدة بشكل يمكنهم من المساهمة من جديد في كل ما يتعلق بجوانب الحياة المختلفة في المجتمع"10
دور الخبراء السوسيولوجين:
وإن كان التنوع في الاختصاصات داخل البنك الدولي يبرز تعدد المقاربات المعتمدة في فهم قضايا التنمية، فإن حضور الخبراء السوسيولوجين يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى الأدوار التي يضطلعون بها في مجال اشتغالاتهم في تحليل الظواهر الاجتماعية وتوجيه السياسات العمومية، ، إذ يقومون بدراسة الظواهر الاجتماعية المعقدة كالفقر والهشاشة، كما يقومون بتفسير التغيرات الاجتماعية وفهم العوامل التي تحكم سلوك الفرد والجماعات، كما يساهمون في توجيه السياسات العمومية من خلال تقديم تقارير ودراسات مبنية على معطيات ميدانية ، من خلال قياس أثرها على المجتمع، وبهذا فإن " مشاركة خبراء البنك الدولي ذوي الخلفية السوسيولوجية في صياغة التقارير وتحليل الأوضاع الاقتصادية ولاجتماعية للبلدان المعنية بتدخلاته، لا ينبغي أن تقتصر على العمليات التقنية مثل جمع البيانات وتقييم المشاريع. إن دورهم الأساسي يتجاوز التدخل التقني إلى وضع رؤية وهندسة اجتماعية حول التغيير الذي يستشرفون أفقه في المجتمعات المستهدفة ببرامج وتدخلات البنك"11. وبهذا فصاحب الخبرة الاجتماعية " يتسنى له أن يتصدى المشكلات الاجتماعية الخاصة بالفئات الاجتماعية المتباينة، فهو يكون خليقا بأن يشارك في الاصلاحات الاجتماعية، وفي استثمار جهود بعض الفئات، التي لا يفيد منها المجتمع، كما يستطيع أن يهتم بالرعاية الاجتماعية، للفئات المحتاجة كالمسنين واصحاب العاهات والمشردين وغيرهم من فئات تحتاج إلى الرعاية الاجتماعية "12 وهو ما يظهر الأهمية المتزايدة للخبرة السوسيولوجية في توجيه الفعل التنموي الشيء الذي يدفع إلى التساؤل حول الأسس والمنهجيات التي وظفها هؤلاء الخبراء في تحليل الظواهر الاجتماعية داخل البنك الدولي.
ماهية هذا الحضور
يتسم حضور الخبراء السوسيولوجيين داخل البنك الدولي بكونه حضورا ذا طابع تدريجي، انطلاقا من التحولات التي عرفها هذا الحضور وما رافقها من تداخل بين التخصصات، إذ يؤكد العديد من الباحثين والعلماء في كتاباتهم وأبحاثهم، إن لم يكن هذا الحضور مركزيا في البداية، بسبب هيمنة المقاربات الاقتصادية والتقنية على تدخلات البنك. غير أن فشل بعض المشاريع التنموية، خاصة المرتبطة بإعادة توطين السكان والتنمية القروية، أبان عن محدودية هذه المقاربة، مما دفع البنك الدولي إلى إدماج البعد الاجتماعي، وبالتالي تعزيز حضور الخبراء السوسيولوجيين.
حيث أشار، الدكتور نور الدين لشكر في كتابه البنك الدولي إلى أبرز المحطات التي انخرط فيها السوسيولوجيون والانثروبولوجيون ضمن جماعة الخبراء المشتغلين مع مؤسسة مالية دولية، حيث ساهموا في اعداد الدراسات، وتقييم الاثار الاجتماعي للمشارع، وتوجيه السياسات بما يراعي الخصوصيات المحلية، "ومن تم أدرك البنك الدولي أنه يحتاج إلى خبراء في علم الاجتماع والانثروبولوجيا إلى قائمة الخبراء الاقتصاديين المتواجدين لديه إذ أن البعد الاجتماعي بدأ يحضر شيئا فشيئا لدى خبراء البنك المركزيين منذ بداية تسعينيات القرن الماضي "13
ليصل إلى أن حضور هؤلاء الخبراء يتخذ طابعا مزدوجا، من جهة، هناك حضور مؤسساتي يتمثل في إدماجهم ضمن لوائح الخبراء والموظفين، بيد أن حضور هؤلاء الخبراء ضمن لوائح البنك الدولي الرسمية للموظفين الدائمين أو المتعاقدين معه، يعني مبدأيا حضور المعرفة السوسيولوجية والأنثروبولوجية في رؤية البنك لبرامجه ومشاريعه"14، ومن جهة أخرى يظهر هذا الحضور كحضور معرفي، يساهم في إدخال البعد الاجتماعي في تحليل المشاريع والبرامج التنموية، حيث يؤكد أن " حضور المعرفة السوسيو انثروبولوجية ينبغي أن يكون عبر إدماجها في تحليل وتوجيه مشاريع وبرامج تدخل هذه المؤسسة الكبرى."15
وانطلاقا من هذا الطرح، أثيرت داخل البنك الدولي مسألة ذات طبيعة علمية، تتمثل فيما أشار إليه نيري وودز، حيث أن البنك، رغم انفتاحه على العلوم الاجتماعية، لم يكن يمتلك في البداية الإلمام الكافي الذي يمكنه من تحليل وتفسير الظروف الاجتماعية والسياسية للبلدان المقترضة
وذكر العديد من الباحثين أن العلاقة بين العلوم الاجتماعية وباقي التخصصات هي علاقة تكاملية، داخل البنك الدولي رغم الاختلافات المنهجية أي أن تحليل الظواهر الاجتماعية يظل مرتبطا باستحضار البعد الاقتصادي، ومنه أن حضور الخبراء السوسيولوجيين داخل البنك الدولي هو حضور تدريجي ومركب، يزاوج بين الطابع المؤسساتي والمعرفي.
باعتبار أن حضور الخبراء السوسيولوجيين داخل البنك الدولي لم يقتصر على بعده المؤسساتي فحسب، بل يمتد ليشمل بعدا معرفيا وتحليليا، فإن هذا الحضور يطرح بالضرورة تساؤلا حول الآليات التي يقوم عليها التحليل السوسيولوجي الذي يعتمده هؤلاء الخبراء في فهم وتوجيه المشاريع والبرامج التنموية.
إضافة إلى ذلك، يمكن القول إن حضور هؤلاء المختصين داخل البنك الدولي يتسم بكونه حضورا غير خطي، إذ عرف مجموعة من الصعوبات والتحديات، كما نجد ذلك في كتابات "مايكل سيرينيا"، الذي يؤكد أن" ادخال معارف العلوم الاجتماعية في عمليات البنك الدولي على نطاق واسع لم تكن عملية سلسة وسهلة دون عقبات أو ردود فعل سلبية، وأحيانا اخفاقات وانتكاسات صادمة، ... ومع ذلك أصبح التفاعل المثمر بين الخبراء الاقتصادين والاجتماعين ممكنا في ظل السياسة الرائدة للحد من الفقر التي رسخها "روبرت ماكنمارا " في فكر البنك واستثماراته المالية وأخلاقيته"16.
المحور الثاني: أسس التحليل السوسيولوجي لدى خبراء البنك الدولي
آليات التحليل السوسيولوجي
إن التحليل السوسيولوجي لم يعد مجرد عنصر مكمل للمشاريع التنموية، بل أضحى آلية أساسية لفهم الواقع الاجتماعي الذي تطبق داخله هذه المشاريع، حيث لم يعد فقط الاعتماد على البعد الاقتصادي الضيق كما ذكرنا سابقا بل أصبح يعتمد على خلفيات معرفية متعددة تتيح فهما أعمق للسياق المحلي، من خلال فهم واستيعاب الأبعاد الاجتماعية والثقافية والنفسية للأفراد والجماعات، وهذا ما يبرر الحاجة إلى تعبئة خبرات سوسيولوجية وأنثروبولوجية مختصة توجه التدخلات التنموية على مبادئ علمية دقيقة، وفي هذا السياق يقدم العالم "مايكل سيرينيا" عدة مبادئ ينبغي أن تؤطر عمل الخبير السوسيولوجي إذ يؤكد أن التنمية ليست عملية عفوية، وإنما يجب أن تخضع لتوجيه واع وبرمجة دقيقة تستند إلى معطيات موضوعية، حيث " أن كل خطوات البنك التنموية ينبغي أن تكون مدروسة بدقة شديدة"17 إذ يشكل هذا وسيلة لفهم الطابع الاجتماعي للتنمية، اعتبارا أن تدخلات البنك الدولي لا تقتصر على تحقيق النمو الاقتصادي، بل تهدف إلى إحداث تحولات داخل بنيات المجتمع وتفاعلاته، وبهذا يعتمد التحليل السوسيولوجي على توظيف مناهج ومفاهيم علمية تمكن من فهم وتحليل البنيات الاجتماعية ثم تحديد الأهداف الاجتماعية للمشاريع التنموية ورصد الفاعلين المعنيين بها مما يحدث انتقالا نحو مقاربة شمولية تتخطى البعد التقني الضيق.
واستنادا إلى هذا الطرح نجد "وثيقة دليل إعداد خطة التوطين" توضح كيف يتم توظيف التحليل السوسيولوجي بشكل عملي داخل مشاريع البنك الدولي، من أهمها تحديد آثار المشروع والفئات المتضررة، ويعتبر هذا الاجراء خطوة أساسية لفهم طبيعة التغيرات الاجتماعية الناتجة عن المشروع، إذ "تتمثل المهمة الأولى في تخطيط إعادة التوطين في تحديد الآثار السلبية للمشروع والفئات السكانية التي ستتأثر به"18، كما تعتمد هذه العملية على آلية التشاور مع الفاعلين المحليين، والتي تمكن من بناء فهم شامل ودقيق للواقع الاجتماعي، حيث" يعد التشاور مع مسؤولي الحكومة المحلية وقادة المجتمع، وممثلي السكان المتضررين، أمرا أساسيا من أجل الحصول على فهم شامل الأنواع ودرجات الأثار السلبية للمشروع"19، إضافة إلى ذلك يتم اعتماد التقسيم البيئي والاجتماعي كآلية أساسية لتحليل تأثيرات إعادة التوطين، إلى جانب وضع إجراءات التخفيف من الآثار السلبية التي قد تمس المجتمعات المستقبلية ومن الضروري أيضا "يجب القيام بدراسة دقيقة لجميع الخسائر بما في ذلك فقدان الدخل سواء بشكل مؤقت أو دائم "20 ، بهدف ضمان تعويض عادل وتحقيق توازن اجتماعي يحد من تداعيات المشروع على الفئات المتضررة، وتتجلى أهمية التحليل السوسيولوجي في كونه آلية لتوقع المخاطر والتكاليف الاجتماعية المرتبطة بالمشاريع التنموية، إذ يفرض هذا النوع من التحليل تقييم الآثار المحتملة لهذه التدخلات، والعمل على الحد من انعكاساتها السلبية أو تعويض الفئات المتضررة. كما يسهم في انتاج معرفة دقيقة بأشكال التنظيمات الاجتماعية والثقافية، سواء في الوسط القروي أو الحضري مما يساهم في ابراز حلول تنموية أكثر ملائمة وأقل إيلاما من الناحية الاجتماعية، والخبير لا يقتصر دوره فقط على التحليل د، يمتد ليشمل توجيه التدخلات على أسس علمية وأخلاقية، مع ضرورة الوعي بحدود المعرفة والتحلي باليقظة والمسؤولية أي "أن يكون مدركا لحدود معرفته، التي تستوجب منه أن يقدم توصياته بأقصى قدر من الحذر والمسؤولية الأخلاقية"21، وهو ما يعكس الطبيعة المركبة للتحليل السوسيولوجي باعتباره عملية وأخلاقية في الآن ذاته. وبهذا فالتحليل السوسيولوجي يشكل ركيزة أساسية لتوجيه المشاريع التنموية ليس فقط من أجل فهم الواقع الاجتماعي بل من اجل ضمان تدخلات أكثر عدالة وفعالية، تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.
الهدف من هذا التحليل:
باعتماد آليات التحليل السوسيولوجي في دراسة الواقع الاجتماعي داخل مشاريع البنك الدولي، يتضح أن هذه الآليات لا تعتمد لذاتها، بل توظف لتحقيق مجموعة من الأهداف، التي تجسد الطابع العلمي لهذا التحليل. فبعد الوقوف عند مختلف المبادئ التي تمكن من تشخيص الأوضاع الاجتماعية وتحديد الفئات المتضررة، يصبح من الضروري تحديد الغايات التي يسعى اليها هذا التحليل. ومن بين الأهداف الأساسيةّ، السعي نحو تحقيق تنمية مجتمعية مستدامة لا تقتصر على مدة المشروع فقط بل تمتد لى ما بعده، إذ يؤكد دليل إعادة خطة التوطين أن "تشجيع مؤسسة التمويل الدولية المنفذة على تحديد تدابير من شانها دعم مبادرات التنمية المجتمعية الى ما بعد عمر المشروع"22، كما نجد كدلك أن الإحصاء يقوم بتجميع المعلومات التي توفر معلومات أولية حول حجم إعادة التوطين الملزم بتنفيذها، كما تعطي مؤشرات على الحاجة إلى مزيد من البحوث السوسيو اقتصادية لتقدير الخسائر التي يجب تعويضها، وإذا لزم الامر لتصميم تدخلات تنموية مناسبة.
كما يسعى إلى "وضع مؤشرات يمكن قياسها لاحقا خلال المتابعة والتقسيم"23
خاتمة:
إن حضور الخبراء السوسيولوجيين داخل البنك الدولي لم يعد حضورا هامشيا أو تكميليا، بل أضحى عنصرا مركزيا في توجيه السياسات التنموية وفهم تعقيداتها، إذ أبان هذا الحضور عن اهميه ادماج البعد الاجتماعي الى جانب البعد الاقتصادي، خاصه محدوديات تفسير وفهم التحولات المجتمعية، كما أن اعتماد التحليل السوسيولوجي، بما يرتكز عليه من مناهج وأدوات علمية، مكن من تشخيص ادق للأوضاع الاجتماعية، وتحديد الفئات المتضررة، واقتراح التدخلات أكثر ملائمة للسياقات المحلية إذ امتد هذا التحليل ليشمل أبعادا أخلاقية ومعرفية تهدف الى تحقيق تنمية أكثر عدالة وتوازنا.
الهوامش:
1 الصديق الصادقي العماري، التنمية والتربية وتحديات المستقبل، مطبعة افريقيا الشرق، 2015، الدار البيضاء المغرب، ط:2، ص: 64
2 أمارت ياصن، التنمية حرية، ترجمة شوقي جلال، مؤسسة الهنداوي، 2004، ص: 17
3 تم الاسترجاع من، https://urli.info/1mTWn، 2026/03/23، 21:5
4 مرجع نفسه، https://urli.info/1mTWn، 2026/03/23، 21:19
5 ذ: نور الدين لشكر، البنك الدولي التنمية بين الخبرة والسيادة، مطبعة دار القلم، المغرب، 2024، ص، 35
6 مرجع سبق ذكره، https://urli.info/1mTWn، 2026/03/24، 12:5
7 ذ، نور الدين لشكر، مرجع سبق ذكره، ص: 32
8 نجيب أقصبي، ضمن مقابلة أجراها الباحث معه في الموضوع، نقلاعن، نور الدين لشكر، في سوسيولوجيا الخبرة والخبراء، دار القلم، الرباط، 2023ص: 71
9 نقلا عن، ذ: نوردين لشكر، مرجع سبق ذكره، ص: 154Samir amin, Le développement inégal,
10 فهد سالم القحطاني، تقييم دور الاخصائي الاجتماعي في المؤسسات الإصلاحية، نقلا عن، محمد سعيد الخاطري، دور الاخصائي الاجتماعي في الحد من ظاهرة التسرب المدرسي، الناشر، مجلة العلوم الإنسانية الطبيعية
11 مرجع سبق ذكره، نور الدين لشكر، ص: 167
12 يوسف ميخائيل أسعد، سيكولوجيا الخبرة، دار لغريب، 200، ص: 8
13 Jane palier, benoit Prévost, le développement social : nouveau discours et idéologie de la Banque Mondiale, o. o. pp.27-50 نقلا عن، ذ. نور الدين الشكر، ص : 157
14 مرجع سبق ذكره، نور الدين لشكر، ص: 168
15 مرجع نفسه، ص: 168
16 (PDF) Maritta koch weser ,scott guggenheim, social development in the world bank,springer nature,2021, p: 7
17 مرجع سبق ذكره، ذ نور الدين لشكر، ص: 170
18International finance corpoation (I F c ) , handbook for preing a resttelement action plan, Washington, DC: IFC world bank group, 2002 P: 12(PDF) https://n9.cl/czuq9
19 مرجع نفسه
20 مرجع نفسه, ص: 17
21 Michael M. cernea, Les scienes sociales confrontées au développement, نقلا عن نور الدين لشكر ، مرجع سبق ذكره، ص: 171
مرجع سبق ذكره، ص: 25 handbook for preing a resttelement action plan22
23 مرجع نفسه، ص: 17
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟