أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاتن حمودي - -نبوءة قادمة» لكريم معتوق: تشكّلات المعنى بين الحضور والغياب















المزيد.....

-نبوءة قادمة» لكريم معتوق: تشكّلات المعنى بين الحضور والغياب


فاتن حمودي

الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 09:08
المحور: الادب والفن
    


فاتن حمودي
تبدو مقولة رولان بارت "النص فضاء تتعدد فيه الدلالات، ولا ينتمي إلى معنى واحد، و نهائي "، مفتاحًا لفهم تجربة الشاعر كريم معتوق، والذي يكتب الشعر لإنتاج فضاء متعدد الدلالات تتداخل فيه الحياة والموت والوجود الثقافي والفردي، فالشعر عنده ليس مجرد تعبير عن الذات، بل أداة لتفكيك الزمن، الهوية، والموت، وهو ما ينسجم مع رؤية "ت إس إليوت"، بأن الشعر "هروب من العاطفة إلى اللغة"، في إشارة إلى الكشف، و الحدس، والرؤيا لما لم يقع بعد، من هنا فإن ديوان " نبوءة قادمة"، لا ينهض على فكرة التنبؤ بالمستقبل بقدر ما يتأسس على مساءلة عميقة لفكرة الزمن ذاتها، حيث لا يعود الغد وعدًا، بل احتمالًا مشوبًا بالقلق، ولا يعود الماضي ذاكرة، بل أثرًا يتسرّب في اللغة. في هذا الأفق، يتحوّل الشعر إلى مساحة وجودية تتقاطع فيها التجربة الفردية مع أسئلة كونية كبرى: ماذا يعني أن نكون؟ وكيف نواجه حتمية الفناء؟ وهل يمكن للغة أن تُؤجّل المصير أو تعيد صياغته؟

نبوءة قادمة:

في كتاب «نبوءة قادمة»الصادر عن" دار المبادرة للنشر و التوزيع-عمّان"، لا نجد أنفسنا أمام نص يُحكى بقدر ما نجد أنفسنا داخل تجربة تُعاش، إنها رحلة لا تُقاس بالمسافات، بل بالأسئلة؛ أسئلة تُشبه تلك التي حملها الإنسان منذ فجر الأساطير، حين نظر إلى الموت لأول مرة، وتساءل: هل هذه نهاية الحكاية أم بدايتها الخفية؟
وفي هذا الامتداد، يأتي نص كريم معتوق كصدى حديث لذلك القلق القديم، لكن بلغة شعرية معاصرة، تتكئ على التأمل وتُراوغ اليقين، فالعنوان لا يقول "نبوءة" فقط، بل يخلق ازدواجًا زمنيًا، النبوءة بطبيعتها تتعلق بالمستقبل، لكنها هنا في طريقها إلينا، أي أننا داخل زمن معلّق، نعيش لحظة ما قبل الانكشاف.
حيث يتجاور اليومي مع الميتافيزيقي، وتتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم الأسئلة الكبرى. فالموت، في هذا السياق، لا يظهر كقطيعة نهائية، بل كتحوّل في شكل الوجود، بينما تستعاد الطفولة بوصفها لحظة نقاء أولى، تسبق اللغة وتؤسس لها في آن

الموت كعلامة سيميائية مفتوحة:

يقوم ديوان «نبوءة قادمة» على رؤية حداثية تجعل النص فضاءً مفتوحًا لا ينتمي إلى معنى نهائي، بل يتسع لتأويلات متعددة، ومن هذا المنطلق، تتقاطع ثيمتا الحياة والموت في تجربة شعرية لا تفصل بينهما بقدر ما تعيد صياغتهما داخل أفق وجودي قلق، حيث يصبح الزمن ذاته موضع مساءلة، وتغدو اللغة وسيطًا لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية.

يقول الشاعر:
"أرى غدي يتكئ على عتمةٍ
ويتهجّى اسمي بصوتٍ غريب"
ينهض هذا المقطع على تشخيص "الغد"، إذ يتحول إلى كائن حيّ قادر على الفعل، لكنه كائن ملتبس ومربك، فالمستقبل لا يأتي بوصفه وعدًا، بل كحالة غموض "يتكئ على عتمة"، ما يعكس قلقًا وجوديًا عميقًا، كما أن "الصوت الغريب"، الذي يتهجّى الاسم يخلق اغترابًا بين الذات وهويتها، وكأن الإنسان لم يعد يتعرّف إلى نفسه إلا عبر وسيط غامض.
فمحاولة الإمساك بالمستقبل تؤدي إلى فقدان الإحساس بالمكان ذاته "أمدّ يدي إلى ما يحدث
فتسقط من أصابعي الجهات". ويبلغ هذا القلق ذروته في قوله:
"كلما اقتربتُ من المعنى
ابتعدتُ عني"
هنا تتحول المعرفة إلى اغتراب، فالسعي إلى المعنى لا يقود إلى امتلاك الحقيقة، بل إلى فقدان الذات. وهكذا، تُصوَّر الحياة بوصفها رحلة بحث لا تنتهي، تتعمق فيها الأسئلة بقدر ما تتلاشى الإجابات.

الزمن كقوة نحت نحو الفناء:
يتابع في نفس القصيدة التي تحمل أسم الديوان قائلا:
"سنذوي معًا بعد نحت السنين
بإزميلها في ضواحي الجسد"
تتجسد الحياة هنا في علاقتها بالزمن بوصفه قوة ناحِتة، تمارس فعلها ببطء وقسوة، فالفناء لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر نحت تدريجي يطال الجسد من أطرافه،غير أن اللافت هو البعد التشاركي في "سنذوي معًا"، حيث يتحول الموت إلى تجربة مرتبطة بالحب والعلاقة مع الشريك، بوصفه مقاومة للفناء.
"وأعرف أنّك صنو الحياةِ وإنّي
لك الظهرُ والصدرُ والمعتقد"
في هذا المقطع، يقدّم الشاعر الآخر بوصفه امتدادًا للحياة نفسها، بينما تتحدد الذات من خلال علاقتها به، هذا التماهي يخلق إحساسًا بالاكتمال، لكنه اكتمال مهدد بزمن الفناء، مما يولد توترًا بين الامتلاء العاطفي والهشاشة الوجودية.

"فإن متُّ فاستودعيني سلامًا
وإن سألوكِ فقولي بلينٍ
هو الآن في برزخٍ قد سجد"

المقطع يعكس وعيًا دينيًا وفلسفيًا بالموت، البرزخ كفضاء مؤجل للحياة، والسجود كأداء طقوسي. فالموت لا يُقدّم كغياب مطلق، بل كامتداد للوجود، وهذا يعكس رؤية "معتوق"، للموت لا بوصفه نهاية مأساوية، بل كتحوّل هادئ إلى حالة أخرى من الوجود، فالشاعر يخفف من وطأة الموت عبر لغة حانية، تحوّله إلى عبور لا إلى فناء
"وها أنتِ صرتِ الوحيدةَ بعدي
أنا بانتظارك سوف أعدّ لك الشاي حلوًا
بلا حاسدٍ حولنا أو رصد
وإن هاتفي رنّ رديّ عليهم
وقولي مضى لم يعد في البلد"
ينسج حكاية متخيلة، و يعيد تشكيل الموت بوصفه استمرارية لا انقطاعًا. إن إدخال مفردات يومية (الشاي، الهاتف) ضمن سياق ميتافيزيقي يخلق ما يمكن تسميته بـ "التداخل الدلالي"، حيث تتقاطع الحقول الواقعية والغيبية، وهنا يتحوّل الموت إلى علامة غير مغلقة، قابلة لإعادة التأويل، ويُشرك القارئ في إنتاج معناها.
و يظهر امتداد الحياة إلى ما بعد الموت، حيث تتواصل الذات مع الآخر(شريكة العمر) عبر طقوس و تفاصيل حياة يومية (الشاي، الرد على الهاتف). ففعل بسيط كإعداد الشاي يصبح رمزًا لاستمرار العلاقة، بما يخلق تداخلًا بين الواقعي والمتخيَّل. كما أن غياب "الحاسد"و"الرصد"، يوحي بأن العالم الآخر أكثر صفاءً من الحياة نفسها، ما يعكس قدرة الشاعر على تجاوز الثنائية التقليدية بين الحياة والموت، وتحويل النص إلى فضاء للحضور المؤجل، و كما يشير بول فاليري: "القصيدة لا تُنجز أبدًا، بل تُترك"، وهو ما نلحظه في هذه النبوءة الشعرية المفتوحة على التأويل.

"وإن هاتفي رنّ رديّ عليهم
وقولي مضى لم يعد في البلد"
و يختتم الشاعر بتلطيف فكرة الموت، إذ يصوّره كرحيل جغرافي لا كفناء مطلق، فالتعبير "لم يعد في البلد"، يحوّل الغياب إلى انتقال، مما ينسجم مع رؤية الديوان للموت كاستمرار مؤجل للحياة.
القصّ بوصفه أداة شعرية:
من السمات البارزة في تجربة كريم معتوق اعتماده على ما يمكن تسميته بـ"القصّ الشعري"، حيث تتداخل عناصر السرد (الشخصيات، الزمن، الحدث) مع اللغة الشعرية المكثفة.
"سلامٌ لرحلتنا بالرضا
وبالحب حينًا وحينًا عنادًا وحينًا نكد"
نحن أمام بنية حكائية مختزلة، تُلخّص مسار علاقة إنسانية عبر مفردات ثلاث: الحب، العناد، النكد.
إنها ليست حكاية تُروى، بل حكاية مُقطّرة، تُختزل فيها الأزمنة والتجارب في لحظات لغوية مكثفة.
يتعزّز هذا البعد السردي مع دخول عناصر عائلية:
"سأذكر ضحكتك حين ترين
ابننا خالدًا إذ يقول خلصنا خلصنا"، هنا عنصر إضافي في الحكاية، و الذي يظهر بهذه المداخلة السريعة، لإيقاف شجار طاريء" خلصنا خلص"، إلى جانب فاطمة، ابنة الشاعر.
حضور الأسماء (خالد، فاطمة) يمنح النص واقعية ملموسة، لكنه في الوقت نفسه يفتح على بعد إنساني أوسع، حيث تتحول العائلة إلى رمز للاستمرار في مواجهة الفناء.

اللغة والانزياح:

"يهبط الموت علينا بافتتاحيات كأقفال القدر"

يبدأ المقطع بتشخيص الموت كقوة فاعلة، تأتي بافتتاحيات كأقفال القدر، أي أن الموت مسيطر، لا يمكن تجاوزه، وهو صورة مركّبة تجمع بين القسرية والقدرية. هذا الانزياح، الذي يُحوّل الموت من فكرة مجردة إلى "قوة فعلية"، وفضاء متعدد الدلالات، لا ينتمي إلى معنى واحد نهائي، إلى إحساس الشاعر بالعزلة:
"لم يكن حولي أب يقوى فيقصيه... ولا أم لديها رشوة تجدي
ولا جد يواري بالحذر"
هنا يبرز النص فكرة غياب المرجعيات التقليدية للحماية: الأسرة، الخبرة، الطقوس، كل ذلك غير قادر على مواجهة الموت.
الرموز والتداخل الثقافي:
يتضح أن الشاعر يوظف رموزًا ثقافية ودينية وشعبية ليبرهن على فشل كل وسائل التعاطي التقليدية مع الموت، يقول:
"لا كرامات ولا أعشاب عطار
ولا روضة لاعبُ سيرك إن زأر
لا بخور الزار"
هذا الجمع بين عناصر متعددة (الكرامات، الأعشاب، السيرك، البخور) يعكس قدرة النص على التوسّع في فضاء التأويل، في إشارة إلى مرجعية الشاعر الثقافية، و التي تنتمي في إحدى إشارتها إلى البعد الشعبي، و طقوس الحياة.
ثم ينتقل ليقف وجها لوجه أمام الموت، فيؤنسنه، وكأنه يقف أماد ندٍ له
"مُتْ أيّها الموت
استرح ْمنا قليلا أو لكي تحفظ ماء الوجه اعتذر"
هذا التشخيص لا يمنح الموت حضورًا فقط، بل يجرّده من سلطته المطلقة عبر السخرية
"استرح منا قليلاً"، يوحي بمحاولة خلق مسافة أو تفاهم مع الموت، بينما الختام بـ"اعتذر"، يضيف لمسة سخرية رقيقة، تجعل النص يمزج بين الفقدان والوعي الوجودي والفكاهة السوداء. وكأنّه يروّض حالة الفقد، و هذا ينعكس على القاريء ليشارك في تأمّل الموت والحياة معًا.

: الموت كفائض عن الثقافة

"لا أرى لحنًا لموزارت قبل الموت يحويه بموسيقاه"
يتجاوز الموت هنا حدود التجربة الفردية ليصبح فائضًا عن كل نظام جمالي. فحتى الموسيقى، بوصفها أعلى تجليات الفن، تعجز عن احتوائه. هذا ما يجعل الموت، في النص، علامة متعالية على التمثيل.

من الموت إلى النسيان – تحوّل الدلالة:
في قصيدة "لا أحد"، يذهب الشاعر إلى تفكيك صورة الشاعر، حين يقول
"لم أكن ضيفًا عزيزًا عند سجن الروم
كي أكتب روميات حزني".
هنا يرفض النموذج التراثي، ويستبدله بوعي حديث يرى أن الخطر الحقيقي ليس الموت، بل النسيان ويبلغ النص ذروته في:
قال للموت بفخر واعتداد: لا أحد"
حيث لا ينتصر الإنسان على الموت، بل ينتصر النسيان على الاثنين معًا
وهنا تتكثف الفكرة الفلسفية، ليست المأساة أن نموت، بل أن نصير "لا أحد"
نفي البطولة الجاهزة:

"لم أكن ضيفا عزيزا عند سجن الرّوم/ كي أكتب روميات حزني /عشت في الأرض تناديني المرافيء/ فكان يونس في البحر و النسيان حوت"
هذا المقطع من قصيدة "لا أحد" يشتغل على فكرة واحدة مركزية، لكنه يمرّرها عبر طبقات كثيفة، تفكيك البطولة، وإعادة تعريف الوجود عبر النسيان لا المجد.
"لم أكن ضيفًا عزيزًا عند سجن الروم / كي أكتب روميات حزني"
إشارة ضمنية إلى أبي فراس الحمداني، لكن بصيغة نفي ، يتابع :" "عشت في الأرض"، تناديني المرافئ" وكأنّ الوجود تيه، لا كملحمة، المرافيء وصول، لكنّها هنا نداء مستمر، ثم يستدعي النبي يونس لكن مع انقلاب دلالي ،"فكان يونس في البحر والنسيان حوت"،
الخطر هننا ليس البحر، بل النسيان الذي يبتلع المعنى، والغد أعمى.
" فكأني خيمة والريح حولي"،في إشارة إلى هشاشة الذات، لاسيما و أن الخيمة سكن مؤقت، و الذات وجود قابل للاقتلاع، النص لا يقول "سنموت"، بل يقول، سننسى، الموت، نهاية بيولوجية، في حين النسيان، نهاية وجودية. هذا نصّ لا يرثي الإنسان، بل يرثي فكرته عن نفسه.





الطفولة خيط الشعر:
تُقدَّم الطفولة في قصيدة "كنا صغارًا" لا كاسترجاعٍ نوستالجي، بل كبنية عميقة مؤسِّسة للرؤية الشعرية، فالصورة الافتتاحية: "كنا صغارًا… وكان رمل الدرب يعرفنا حفاة" تكشف وعيًا ما قبل لغوي، حيث العلاقة بالعالم مباشرة وبريئة. غير أن هذا الانسجام يتعرض لانكسار دلالي مع "انحنت لغة الدراسة وكلامنا الشعبي"، فيتشكل توتر بنيوي بين العفوي والمؤسسي، يجعل من الطفولة مرجعًا نقديًا لقياس اختلال الحاضر.
من هنا، تبدو الطفولة كأثرٍ أوليّ لا يختفي، بل يتوارى ويعود في أشكال متحوّلة،
وهكذا، تتحوّل الطفولة إلى ما يشبه "الذاكرة المستقبلية"
الحب كأفقٍ وجوديّ بين الحضور والغياب:
يتجلّى الحب بوصفه لحظةً وجوديّة تُعيد تشكيل العالم، لا كعاطفة عابرة؛ فـ"لأني أحبّك جاء الضيوف"، تُحوّل اليوميّ إلى حدثٍ مُؤوَّل دلاليًا. غير أنّ هذا الحب لا ينفصل عن الحزن، بل يتداخل معه في جدلٍ جماليّ عميق؛ إذ يقول: "خذيني لأعذر حزني إذا جرّدتني ظلال النخيل"، حيث يغدو الحزن حالةً مُتجسّدة في الوعي، لا مجرّد ألم. ويمنح الحب الشاعر قدرة احتضان هذا الحزن وتذويبه جماليًا: "أحببت حزني الذي يتجلّى"، فيتحوّل الوجع إلى طاقة كشفٍ شعوري.
وتبلغ المفارقة ذروتها في «أحبك في الغيب أكثر»، حيث ينفلت الحب من الحضور الحسّي ليصير في الغيب، أكثر حضورا على إشعال المخيلة. كما يتوسّط ثنائيّة الحياة والموت "وأعرف أنّك صنو الحياة"، فيغدو وسيطًا معرفيًّا يوحّد الأضداد، ويُمكّن الذات من إدراك ذاتها عبر توتّر الحضور والغياب.

الشعر بوصفه ضرورة وجودية:

الشعر هنا ليس اختيارًا، بل ضرورة. إنه الوسيلة الوحيدة لتحويل التجربة إلى معنى. وفق إزرا باوند، الشعر "لغة مشحونة بالمعنى"، وهو ما يتحقق هنا عبر التكثيف والانزياح
الشاعر كريم معتوق، يدور في فلك الشّعر، يشاغب، يحاور، و يفتح على سؤال الآخر، الذي يعيدنا إلى الحكاية:"هل تكتبْ الشّعر؟"، والتي تبدأ " وقيل تكتبُ شعرا؟
قلت أكتبه-وكيف تكتب إن صار المدى وجلا إذ البدايات في ركب النهايات؟"
يشتغل هذا المقطع على بنية حوارية تفكيكية (وقيل… قلت) تُحوّل سؤال الكتابة من فعل تقني إلى مساءلة أنطولوجية لشرعية الشاعرفيما يتحوّل الحسّ (العطر) إلى محفّز لغوي يُنتج "فزع الحروف"، بما يكشف أن الشعر استجابة مضطربة للجمال.
وتبلغ الرؤية ذروتها في انزياح "الأرض مكتبتي"، حيث يغدو الوجود نصًا، والموت مادته الخام، هكذا يتحدد الشعر بوصفه توترًا بين التراكم الزمني (أحصده من السنين) والومضة الحدسية (لحظة وحيّ)، أي كفعل كتابة ينشأ من تصدّع الذات وسعيها إلى إدراك نفسها عبر اللغة.

الوطن كعناقٍ أخير :
في "وطن الأوطان"، يتحوّل الوطن من مكان إلى حالة وجودية، فبعد ترحال طويل بين الأمكنة والعواطف، يصل الشاعر إلى خلاصة مكثفة
"كأني قلت يا سلمى وُلِدتُ بسرّتي وطني"
السُّرّة هنا ليست مجرد رمز بيولوجي، بل علامة على الأصل الذي لا يُستبدل، وبينما يبدو النص وكأنه يوسّع الوطن ليشمل كل الأمكنة، فإنه ينتهي إلى تثبيت مركز لا يمكن تجاوزه
و يُفكِّك الشاعر نموذج العشق الأحادي المرتبط بـ قيس بن الملوح وليلى العامرية، معلنًا فشله: «لم تصدُقْ معي ليلى»، لينفتح على عشقٍ عابر ومؤقت: «أعشقها لأيامٍ فتفرحني». بهذا الانزياح، تغدو المرأة استعارةً للمكان، ويغدو الترحال بديلاً عن الانتماء، فتتسع دلالة الوطن حتى التلاشي: "على وطنٍ هو الأوطان أجمعها".


الشعر كأثرٍ في مواجهة العدم:
كريم معتوق، هو الشاعر الذي يحوّل المنصة إلى مسرح، بتلاوين صوته و أدائه، وهو المسافر الذي يسجل ويحكي مع نزار قباني، والسياب و المتنبي، مع شعراء الأندلس يكتب دمشق و قرطبة، و عمّان ، وبغداد، و الكثير من المدن، و الوجوه، يقول عن السياب:" شاعر علّمني الشعر و لم يحزن عليّ".
إن «نبوءة قادمة» ليست نبوءةً بما سيحدث، بل بما يحدث داخل اللغة حين تواجه حدودها، حين تحاول أن تقول ما لا يُقال، وأن تمنح شكلًا لما يتفلّت من كل تحديد. وهنا، تحديدًا، يولد الشعر، في تلك المسافة الدقيقة بين الفناء والأثر،حيث لا ينجو الإنسان من الموت، لكنه ينجح، مؤقتًا، في أن يترك اثرا لا ينسى.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاتن حمودي - -نبوءة قادمة» لكريم معتوق: تشكّلات المعنى بين الحضور والغياب