شاكرحمد
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 22:50
المحور:
الادب والفن
[ الأيدي]
قصيدة الشاعر محمود البريكان
(2)
شاكر حمد -*
من أهم مطولات الشاعر محمود البريكان هذه القصيدة ذات العنوان الذي يختصر سردية واقعية من عذابات شرق المتوسط: (هواجس عيسى بن أزرق في الطريق إلى الأشغال الشّاقة) ( تأريخ النشر - شتاء -1958-).
تتطلَّب بنية هذا العنوان وقفة قصيرة قبل الخوض في صلب موضوع المقال؛ حول (الأيدي) في شعر البريكان.
عنوانات البريكان لقصائده تحمل الإشارات الأساسية عن المعنى والسياق ووظيفة النص, فالنص الشعري رحلة في الزمان والمكان والمحوَر الإنساني.
للعنوان في الشعر الحديث صياغات وأغراض مُختلفة عن طبيعته وأغراضه ما قبل الحداثة في الشعر : (أصبح العنوان في الشعر الحديث مُضاهياً لنصِّه, يُشكِّل نصَّاً ثانياً, موازياً للقصيدة, كما يمكن إعتباره " ممثلاً لسلطة النص وواجهته الإعلامية, التي تُمارس على المُتلقي, الجزء الدّال من النص الذي يؤشر على معنىً ما, فضلاً عن كونهِ, وسيلةً للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في الكشف عن غموضه.) – سناء طالب: الشعرَّيَّة: مفاهيم ونماذج تطبيقية - ص46-
وكما في قصائده الطوال يتكوَّن الوجود الفيزيائي من محور يُمثِّله الإنسان في مواجهة المُحيط الدائري المُتشكِّل من علامات ومواد وحركات فيزيائية. وهنا نكتشف ان هذه العلامات إنما هي كنايات وإستعارات عن العالم الأرضي بحرفياته السياسية والقانونية والإقتصادية والفكريَّة. بين الأشياء مراوحة جدلية, بين المرئي المحسوس والمُدرك العقلي, علاقة تفاعلية في لُغة العلامات التعبيرية؛ تارةً بصيغة الرمز وتارةً بصيغة الوجود الحقيقي النابض بالمعاناة والآلام والإغتراب.
أحياناً نهتدي بالقيَّم اللفظية للكلمات ومعانيها الظاهرية والباطنية, فنتعرَّف على الشاعر من خلال مشاعر الشخصيات, ومقوماتها الفكرية وأعمارها والزمن الذي جرت فيه السيرة وحتى الأوقات المُحددة من النهار والليل, فضلاً عن المكان والفضاء, وكل عنصر في مبنى القصيدة ونسيجها الزخرفي.
في عالم الشاعر محمود البريكان تتشابك المنظومات المرئية والحركية والصوتية كما لوكانت مفردات السردية تتوالى في الظهور والإختفاء على شاشة عرض سينمائي.
هياكل ومساحات رمزية تُخاطب القارئ في بنية العنوان ونسيجه اللغوي:
- الرمز الأول يتمثَّل بالكائن المُرادف للشاعر؛ رمزاً للفكر وللزمن وللإرادة وللمقاومة والصبر ورؤية المستقبل. من خلال ومضات ذهنية, هواجس, والهاجس مصدرة القلق والخوف من مصير مجهول.
- الطريق المُبهم المُحاط بالعيون والرصد وحراسة السجّان, وغموض المصير في المحطّة الأخيرة.
- الأشغال الشاقَّة رمز العذابات اليومية وأثقالها.
الحياة كما ألفناها, منذ ولادتنا؛ سلسلة طويلة من الأعمال الشاقَّة أو من الرتابة القاتلة للزمن.
– الإنسان تحت الحراسة والمراقبة الشديدة.
– المكان المُعادي.
– الفضاء والمُحيط الجغرافي المجهول.
– الزمن كما يتجلّى في أطرافه الثلاثة أثناء الرحلة.
يرى عيسى بن أزرق يدية وقد أدمتهما القيود, وهو في عربة القطار, بحراسة شرطيين, يحسبان أنفاسه وحركات يديه. فإذا إلتفت إلى النافذة ليرى فسحة من الفضاء سارع الشرطي لغلقها. ينظر عيسى ليديه فيرى الماضي والحاضر والمستقبل؛ ثلاثة أطراف للألم. منظر اليد المُقيَّدة يُثير التساؤلات والإستنكار والإشمئزاز لمن يجهل الأسباب والدوافع التي حكمت على الإنسان بالتقييد والحبس.
بعض الركّاب تستفزّه صورة اليد بهذا الوضع, وآخرين يشعرون بالخوف ظنَّاً منهم أن هذا الشخص مُجرم, وإن هاتين اليدين إرتكبتا جريمة قتل من قبل.. المُهم عيسى يتألم من الحديد الذي رسم حزوزه الدموية على يدية, ويشعر ببرودة الحديد, ويشتد الألم حين يرى العيون ترصد القيود وتبتعد. يتساءل عن هذه النظرات فيقول:
( لو أن لي يدين تقطران بالدماء) لم أرتكب جريمة ( لو أن لي يدين تقطران بالسموم) لم أكتب التقارير وأتسبب في تدمير حياة إنسان في أي وقت, لم أكتب المقالات السامَّة. ( لو أن لي يدين عبدتين للغش وللنفاق) لم أكن إنتهازياً ولا مُنافقاً, حتى أستحق هذا القيد (فقد تُقرّان على قيدهما الصديء) لاذنب لي سوى حبّي للحياة والطبيعة والجمال والإنسانية ( وليس في صدري سوى حب وعنفوان). تنتقل المشاعر الأليمة والأحزان بصيغة الحوار بين عيسى (الشاعر) وبين يديه في صورتهما الراهنة ومن هذا المنظر المُقرَّب لليدين:
( يداي تجمدان في الكبل وتبكيان/
هل تألفان الكبل يوماً ما؟ أتنسيان/
عذوبة الكتاب وإنتفاضة القلم/
وهزَّة الحماس وإنبساطة السلام؟.).
يحمل عيسى هواجس المثقّف العراقي في تأريخ العراق المُعاصر, وفي موجات تطويق المُثقفين, وإمتلاء السجون بهم, لمجرَّد التفكير بالقراءة. كان الشاعر محمود البريكان يواكب مُعاناة المُثقفين في فترات المُطاردات البوليسة التي شملت اليسار. حتى أن مَن يقرأ قصائده الخمسينية والستينية, يظنّه سياسياً, يسارياً, وسجيناً في بعض تلك الفترات. لأن الوعي السياسي يطفح في كلماته و موضوعاته ورموزه وشخوص مروياته؛ الكلمة إنحياز وموقف.
ينتقل من التعبير بالصورة إلى لغة الحواس الخمسة؛ فاليد ترى وتشعر وتنسى وتتذكر وتُفكِّر وتُقارن بين لمسة الحديد وثقل الحديد:
( ما ملمس الحديد مثل منظر الحديد/
وحزِّه الأليم في اللَّحم والعروق/
ليس له من صفةٍ تُروى ولا شبيه/
وليس من شبيه/
لرعدة الصقيع حين يضرب الحديد/
يديكَ... ويضربُ رسغيكَ ليهدأ !).
برودة الحديد وصلت إلى صوت عيسى ونبرة كلماته. أحياناً نصطدم بهذه الوقفات الهادئة, وحتى الباردة. وهكذا تحل نبرة اليأس من المستقبل الذي ينتظر السجين, فيرى الصحراء, والحيوانات الضارية, ويرى نفسه يحمل الصخور بلا هدف؛ لعنة سيزيف الأبدية.
يستشرف أيام الألم القادمة. سترسم الصخور تضاريسها على يديه بالتشوّه والألم.. المستقبل واضح ولابد من تلقيه. بين لحظة غياب وأُخرى يُعاود النظر في يديه وعليهما الأصفاد والدماء. يتمنّى لو تحولتا إلى صخرتين جامدتين. هنا إستعارة يُفضِّل فيها السجين الموت العاجل على الموت البطيء, ظُلماً, في حياة الأشغال الشاقَّة. كان يُطيل التأمل في يديه ويتخيَّل تسرُّب الضمور والجفاف فيهما:
(إن كان لابدَّ من الضمورِ والألم/
إن كان لابدَّ من التشوُّه البطيء/
أُريد أن تُصلَبُ كفّاي وتكفرا/
أُريدُ أن أرى/
يديَّ قبضتين. صخرتين. صلدتين/
بلى! ولا أُريد أن أُظلمَ في الظلام.).
يستيقظ عيسى من حلم يقظة, رحلَ فيه إلى زمن الشباب البعيد؛ إسترجع فيه حب قديم؛ الحب الأول بكل تأكيد. إستيقظ من ذلك الحلم الخيالي, لتقفز أمامه أيامه القادمة, لحظة اليقظة بعثتها هزَّةً عنيفة في جسد القطار, وكانت لحظة توقُّف مُفاجِئة في محطة. يظهر أمامه مشهد جديد؛ صخب الباعة, نزول ركَّاب من القطار, صعود آخرين. أطلق على هؤلاء تسمية الأعراب, لأن نظراتهم إلى يديه أشعرته بكراهية نظراتهم, فبادلهم الإحتقار. شعر بقساوة تلك النظرات؛ بالطبع قرأوا المعنى في يدين محبوستين بالحديد. وهنا أدرك أن المحطّة تقع في مكان بدائي, موحش, فوحشة القوم هؤلاء من وحشة المكان:
( محطةٌ موحشةٌ, نوافذ القطار تُفتحُ./
والباعة يعرضون للعيون/
أطباقهم. وبعضُ أعراب مسافرين/
يندفعون الآن. إنهم يُحدِّقون/
في عيني اليسرى " وقد ضُربتُ في الصباح/
أمس " وينظرونَ في مقتٍ وفي قسوة/
إلى يدي "أي شيء يجذب العيون/
في حلق الحديد".).
علامة جديدة للعذاب مرسومة على عينه اليسرى.
كانت صورة اليدين مُتممة لصورة الوجه, والمشاعر الممتدة بين اليد محبوسة في الحديد, وبين الوجه والعلامة الشاخصة, على عينه اليسرى, من أثر فصل التعذيب الذي طُبِّق عليه في صبيحة اليوم السابق. لغة التخاطر في العلامات تلتقي في مضمون دلالي واحد؛ الإغتراب والنفي. فالمُحيط الخارجي, والشخوص المُجاورة تشترك في الوظيفة السايكولوجية المُعادية. الزمن الماضي البعيد يُضمر عذابات ومطاردات وتضييق على الفكر كما سنقرأ لاحقاً. الماضي القريب مرسوم على العين اليسرى. الحاضر تُفصح عنه آلام اليدين. المستقبل القريب مشؤوم من خلال نظرات الناس وشكوكهم. تتراءى لعيسى كتل الصخور التي سيحملها أو يقضي الأيام بتكسيرها, وللصخور علاقة مصيرية مع اليدين والدماء والذبول البطيء. المستقبل البعيد سيأتي من إستشراف الحياة بعد إنقضاء الحكم. يتحدث عيسى, عن عذوبة القراءة وتقليب صفحات الكتب, وإنفعالات الكتابة والإبداع في الماضي لتعود الذاكرة إلى اللحظة الحاضرة في عربة القطار:
( يداي تجمدان في الكبل وتبكيان/
هل تألفان الكبل يوماً ما؟ أتنسيان/
عذوبة الكتاب, وإنتفاضة القلم/
وهزَّة الحماس وإنبساطة السلام؟)
ستظهر أمام عيسى رؤى مستقبلية عن حبيبته التي لا نعرفها ولايعرفها حتى القضاة والسجّانون. في ذلك الوقت تكون الحبيبة قد يئست منه وأسلمت أمرها للقدر. تزوجت وأنجبت أطفال. سيلاقيها عيسى, وقد تغيرت الأحوال والأمنيات. وهل سيعود إلى الدنيا بعد السجن؟. القضاة والمحققون الجنائيون, الذين درسوا علم النفس, يستدلون على إعترافات المُتَّهمين من خلال تتبع حركات أيديهم (وأصابعهم, ونظراتهم وأوضاع الجسم والرأس, أثناء الإجابات على الأسئلة, فالهدوء والقلق والإضطراب والشك والمعاناة الداخلية تُعبِّر عنها الإشارات, وقد ذكرنا بعض الأمثلة في الجزء الأول من هذا المقال. ويستدل المُحققون على بعض خيوط الجريمة من خلال نظرات المُتَّهم, بعض هؤلاء يُخضعون المُتَّهم تحت الأضواء الساطعة لقراءة العيون والحركات والأيدي. لذلك ربطوا الفكر باليد وقد فسَّر أسلافهم مقولة ديكارت (أنا أُفكِّر إذن أنا موجود) فتوصّلوا إلى أن تقييد اليدين يوقف التفكير في نقطة الحياد والصمت غير الفاعل.
– يتبع -
* فنّان تشكيلي وكاتب
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟