أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وداد خلفان السيابية - مارس.. موت و ميلاد














المزيد.....

مارس.. موت و ميلاد


وداد خلفان السيابية

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 20:41
المحور: الادب والفن
    


في أحد صباحات مارس المُزهِرة، تحلّقت روائح الخبز المدهون بالجبنة المالحة، تلك التي كنت أمقتها، لما تتركه من علامات بيضاء على أطراف شفتيّ الصغيرتين، وتعجز يداي عن محوها.
ابنة الحادية عشرة، ذات الطبع النرجسي المتفاخر، الموروث عن جدّتي التي عُرفت بالفطنة و الخصافه، قصيرة القامة، دائرية الوجه، شديدة البياض؛ لا أشبهها إلا في العينين البندقيتين، والأنف الناتئة التي تشبه زهرة الهندباء في رقتها وحجمها، و في شيء خفي من صفات المرأة المتمرّدة التي لا يثنيها عن رغباتها مخلوق، رغم غوغائية المجتمع الذي عاشت فيه.
كانت مدخّنة تبغ، مختلطة بالرجال، الآمرة الناهية، ذات حضورٍ رعِنٍ لا يشبه ما عُرفت به قريناتها في زمنٍ حُجِرت فيه النساء،
وكأنّها حمامةٌ أفلتت من القفص، ولم تعترف بسماءٍ سوى تلك التي اختارتها..

توسّدتُ كومة ثياب فرغت أمي من غسلها وتجفيفها، ثم ذهبتُ بعيدًا في عالم اللاشيء، ذلك الذي لا يُنجب إلا اللاشيء، انسل ذاك الجسد الطريء إلى نومٍ عميق إثر يومٍ طويل في المدرسة، امتزجت فيه الدروس باللعب تارة، والصراخ بالضحكات البريئة تارة أخرى، وكأنها أيام لا تُحسب ضمن عواصف العمر الشقي..
كان يوم أحد، الساعة السادسة والنصف مساءً، حين أيقظني عويل النساء ونحيب رجالٍ موجوعين، بدا لي أنهم يبكون للمرة الأولى. شهقة تتبعها شهقة، وأنا ما زلت مدهومة العقل، نزِقة الفؤاد، لم أفهم سوى أن شيئًا ما قد انكسر، شيئا غير عادي...
.لقد رحلت.
من؟ متى؟ كيف؟
ألم يعدوني أن يأخذوني لزيارتها في المستشفى؟
متى ستعود؟
بردت أطرافي، وذوى جذعي النحيل، فنهقت، كمن اقتحم الألم صدره للمرة الأولى. لقد كان هذا الحمل ثقيلاً، يا أمّي، ثقيلاً على جسد لم يخلق بعد ليحتمل لوعة الموت. كيف سمحتي لشيء كهذا أن يسحقني دون حمايتك، وأنتي التي كنتي حصني وحصاني، تذودين عني حتى من الحمى العابرة حين كانت تزورني.
انكببت على أرض الغرفة، كأنني أحاول شقّ ثقب في الأرض لأُداري رجفة قلبٍ لم يعرف من الدنيا سوى رائحة الجدة، المعتقة بحب ثمل. كنت أظنها مسلّمة ثابتة في قانون الكون، وأمرا إلهيا اصطفاني به الوجود، وحين غابت، ساء ظني بالحياة، وشعرت أن القدر غرغرني أول خياناته، وأن السماء أنزلت عليّ صعقتها الأولى...
آه لو كانت هناك طاولة تفاوض تجمعني بالموت، لأقسمت أنني كنت سأساومه بكل ما أملك. كنت سأمنحه أحب ألعابي، وأضع بين يديه أفضل قميصٍ اشترته لي الجدة من أحد أسواق العيد الشعبية، وأخلع له نعلي الجديدتين اللتين لم تعرفا الطريق بعد. وإن أبى، لكَسرت حصّالتي الصغيرة، وقدّمتُ له كل ما ادّخرته من عملات معدنية وأقلام رصاص ملونة فزت بها في مسابقة مدرسية، ظننتُ يومها أنّ الحياة تكافئ الأطفال الطيبين وتحفظهم من الفقد...
لكن الموت لا يعرف المساومة، ولا ينصت لرجاء طفله. تجرعت طعمه وأنا في عمر لم تنضج فيه المشاعر بعد لتفهم الفقد، ولم يقوى فيه الوعي ليحتمل انكسار الأمان. لم يكن ذلك حزنً، بل اقتحامًا نفسيا عنيفًا للوعي الطفولي، كسر فيه الجسر الذي كان يفترض أن أتسلّقه لأعبر الحياة صلبة، فتعلّمت الألم قبل اللغة، وعرفت الموت قبل أن أعرف الحياة..






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إن كان لي صوت


المزيد.....




- توبوريا يكشف كواليس الشراكة مع رونالدو في فنون القتال المختل ...
- تضارب الروايات بشأن مضيق هرمز: واشنطن تعلن العبور لتطهير الأ ...
- بلوزيوم الأثرية.. اكتشاف بقايا معبد يعود لأكثر من ألفي عام ف ...
- بوكسينغ وموسيقى.. علاج غير مألوف لمرضى باركنسون
- عائلته ضمن الحضور.. فيلم عن حياة مايكل جاكسون يجذب الآلاف إل ...
- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وداد خلفان السيابية - مارس.. موت و ميلاد