أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هند محسن - حين يُصبح النداء داخليًا: “الندّاهة” بين الفولكلور وانهيار الإدراك في مسرح إبداع 14 بجامعة أسيوط














المزيد.....

حين يُصبح النداء داخليًا: “الندّاهة” بين الفولكلور وانهيار الإدراك في مسرح إبداع 14 بجامعة أسيوط


هند محسن

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 20:55
المحور: الادب والفن
    


حين يُصبح النداء داخليًا: “الندّاهة” بين الفولكلور وانهيار الإدراك في مسرح إبداع 14
في المسرح، لا تكون الحكاية دائمًا ما يُروى، بل ما يُستشعر. ومن هذه المنطقة الحسّاسة بين الإدراك واللايقين، ينطلق عرض “الندّاهة” لطلاب كلية التمريض ضمن فعاليات مهرجان إبداع 14 بجامعة أسيوط، ليقدّم تجربة مسرحية تتجاوز حدود الحكاية الشعبية إلى أفق فلسفي ونفسي أعمق، حيث تتقاطع الأسطورة مع القلق الإنساني، ويتحوّل الرعب من كونه كيانًا خارجيًا إلى حالة داخلية تتشكّل في وعي الإنسان ذاته.
يستدعي العرض رمز “الندّاهة” بوصفه أحد أكثر الرموز رسوخًا في المخيال الشعبي المصري، غير أنه لا يكتفي بإعادة إنتاجه في صورته الفولكلورية التقليدية، بل يعيد تفكيكه وتقديمه ضمن رؤية معاصرة تستحضر أجواء “ما وراء الطبيعة” كما صاغها أحمد خالد توفيق، حيث تتأسس التجربة على سؤال إشكالي مفتوح: هل ما نراه خارقًا للطبيعة هو كذلك بالفعل، أم أنه انعكاس نفسي لواقع مضطرب؟ هذا الربط لا يتحقق على مستوى الحكاية المباشرة، بل يتجلّى في البنية الفلسفية التي تقوم على المنطقة الرمادية، تلك التي ترفض الحسم وتؤسس للشك بوصفه حالة وجودية.
منذ اللحظة الأولى، تفرض الإضاءة حضورها بوصفها عنصرًا فاعلًا في تشكيل المعنى، لا مجرد أداة تقنية. إذ تعتمد على الألوان الباردة، كالأزرق والبنفسجي، لخلق إحساس بالاغتراب والانفصال، وكأن الشخصيات محاصرة داخل وعيها الخاص، بينما يتسلّل اللون الأحمر في لحظات محددة ليعلن عن اقتراب الخطر أو لحظة الانهيار. وبهذا، يتحوّل الضوء إلى لغة موازية للسرد، قادرة على التعبير عن التحولات النفسية الدقيقة، وهو ما ينسجم مع ما أشار إليه أنطونان أرتو حين أكد أن “المسرح الحقيقي هو الذي يخاطب الحواس قبل العقول”.
تتجلّى الذروة الدرامية في العرض لا عبر الانفجار أو الصخب، بل من خلال لحظة استسلام هادئ، لحظة يتصدّع فيها الداخل الإنساني قبل أن ينهار الخارج. هنا، لا يعود الرعب مرتبطًا بالمواجهة، بل بالإنهاك النفسي الذي يجعل المقاومة بلا جدوى. ويُعدّ مشهد السرير من أكثر اللحظات تكثيفًا لهذه الفكرة، إذ لا نكون أمام مريض بالمعنى الواقعي، بل أمام جسد يُسحب تدريجيًا من عالم إلى آخر، في حالة من التسليم الكامل. هذا الهدوء المشحون يتجاوز في تأثيره أي صراخ، لأنه يعبّر عن قناعة ضمنية بانعدام الخلاص.
أما الشخصيات المحيطة، فتُبنى دراميًا على ازدواجية مقصودة؛ فهي لا تظهر بوصفها منقذة خالصة، ولا كقوة شرّ مطلقة، بل تتأرجح بين الحالتين، مما يخلق حالة من الالتباس لدى المتلقي. هذا الالتباس يعمّق من الإحساس بأن الجميع جزء من “النداء”، وأن الحدود بين الفاعل والضحية قد تلاشت. وفي هذا السياق، يمكن استحضار مقولة بيتر بروك: “المسرح الحقيقي هو ذلك الذي يضع المتفرج في حالة تساؤل مستمر”، وهو ما يحققه العرض بذكاء واضح.


ومع تصاعد الحركة الجماعية في المشهد الختامي، يتخلّى العرض عن فكرة البطل الفرد، ليقدّم بنية حركية دائرية تقوم على التكرار والإيقاع، وكأن الشخصيات قد دخلت في حالة “ترانس” جماعي. هنا، تنتقل “الندّاهة” من كونها كيانًا يؤثر في فرد، إلى ظاهرة تنتشر بين الجميع، لتصبح فكرة قابلة للعدوى. ويتحوّل الرعب من كونه تهديدًا خارجيًا إلى استعداد داخلي للاستجابة، وهو ما يمنح العرض بعدًا وجوديًا عميقًا.
تلعب الإضاءة في هذه اللحظات دورًا مربكًا، إذ تفقد قدرتها على التحديد، فلا تعود الأجساد واضحة، ولا الاتجاهات محددة، بينما يتداخل الدخان مع الضوء في تشكيل بصري يوحي بانهيار الواقع ذاته. هذه اللحظة تمثّل ذروة التفكك الإدراكي، حيث يفقد الإنسان قدرته على التفسير، وهو ما يجعل الرعب أكثر عمقًا، لأن الغموض هنا ليس نقصًا في المعنى، بل فائضًا فيه.
وعلى المستوى النقدي، يمكن القول إن العرض نجح بامتياز في بناء الحالة النفسية والبصرية، مع وعي واضح بتوظيف عناصر المسرح توظيفًا دلاليًا. غير أن تعميق العلاقات بين الشخصيات، خاصة في البدايات، كان من شأنه أن يمنح لحظة الانهيار قوة أكبر. كذلك، فإن توسيع الاشتغال الموسيقي—بمنحى أكثر تجريبية—كان يمكن أن يضيف طبقة إضافية من التوتر، خاصة في مشاهد الحركة الجماعية.
ومع ذلك، يظل العرض تجربة متماسكة ومكثّفة، لا تسعى إلى إخافة المتفرج بوسائل مباشرة، بل تزرع داخله شعورًا خفيًا بالاختلال، شعورًا يستمر حتى بعد انطفاء الأضواء. فهو لا يقدّم إجابات قاطعة، بل يترك المتلقي في منطقة الشك، حيث يصبح السؤال أكثر أهمية من الإجابة، والقلق أكثر صدقًا من الطمأنينة.
وفي الختام، يمكن القول إن عرض “الندّاهة” لا يعيد تقديم الأسطورة بقدر ما يعيد اكتشافها داخل الإنسان ذاته؛ إذ يكشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الصوت الذي ينادي، بل في اللحظة التي نصغي فيها إليه. فـ“الندّاهة” ليست كائنًا خارجنا، بل احتمالًا يسكننا… ينتظر فقط لحظة ضعف كي يُسمع.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...
- بينها فيلم مغربي.. مهرجان كان السينمائي يكشف عن الأعمال التي ...
- السجن 15 عاماً لـ-ملكة الكيتامين- في قضية وفاة الممثل ماثيو ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي تتوج بالجائزة العالمية للرواي ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هند محسن - حين يُصبح النداء داخليًا: “الندّاهة” بين الفولكلور وانهيار الإدراك في مسرح إبداع 14 بجامعة أسيوط