أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إيمان المازري - نبض المدينة وفن السرد: قراءة في رواية (48)















المزيد.....

نبض المدينة وفن السرد: قراءة في رواية (48)


إيمان المازري

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 08:50
المحور: الادب والفن
    


رواية 48 للكاتب محمد المصطفى موسى، الرواية تقع في 318 صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار زراف للنشر يناير 2026
في قلب أم درمان، بين ضجيج السوق وتلصص الرقيب، يجري النيل بكرًا، يتنفس دعاش وطن صاغ أيامه بمداد من صبر وحكمة. بين أودية تفيض صبرًا، ورغبةٍ في الخلاص والعيش على حدّ سواء، يبني الكاتب من سوق العيش فضاءً سرديًا يتوشح بدثار الدهشة؛ تلك التي تحجب الكثير وتُبين الأكثر. وفي هذا التوتر بين الحجب والإبانة، ينفتح النص على مجتمعٍ يتشكل من ثلاث طبقات، تتقاطع عندها منابر التغيير.
كما جاء في افتتاحية النص:
«التمرد هو أن يقول الإنسان… لا» – ألبير كامو
ويوازيها:
«السُّمعة أبقى من العمر» – الشيخ عبدالله ود جادالله.
«انسرَبَ ضوءُ النهارِ بخطواتٍ حثيثةٍ، وكأنَّه يستأذنُ السوقَ قبل أن يبعثَ أزقَّتهُ بالوهجِ ولفحاتِ الحرارة…»
«هناك خلفَ جوالاتِ البصلِ المكدَّسة… تنامى الصخبُ كريحٍ تناجي ذراتِ الترابِ قبلَ أن تنقضَّ على الرؤوسِ بهبَّةٍ عاصفة.» (ص 126)
يفتح الكاتب مصراعي النص إلى سوق العيش، ومنه تبدأ الحكاية. يستدرجنا بخفة الضوء إلى مكانٍ يضجّ بالحياة، ويختزن ذاكرة المدينة، ويحمل فوق كتفيه طبقاتها كلها. فالسوق هنا وطنٌ مصغّر.

وفي هذا الفضاء الواسع تتجاور الحكايات:
رافائيل القادم بماضيه المثقل، ديمتريوس، نيكولا، عوض الكريم بحماسه اليساري، ماتريد بحضورها الأسطوري، أولاد منصور كظلّ جماعي للسوق، جيمي، اليعازر، إيديل، إيرين، لينا، ماريانا والبحث عن الحب، الحاخام، حدربي، سيد الرجال، رفاعي، والمفتش همفري بعينه التي تدوّن أكثر مما تفعل… وغيرهم.
السوق، طبقات تتحاور!
يتشكل سوق العيش من طبقات متباينة، لكلٍّ لغتها ومصالحها ورؤيتها للعالم. في الواجهة تقف طبقة التجار ورأس المال: رافائيل، ديمتريوس، نيكولا، ومن خلفهم أولاد منصور بوصفهم نموذجًا للتجار المحليين. وفي الجهة المقابلة تمتد الطبقة الشعبية بطاقتها الخام: العتالة، وسيد الرجال نموذجًا، والعربجية؛ أولئك الذين يصنعون الحركة اليومية ويمنحون السوق نبضه الحقيقي.
وبين هاتين المساحتين، يتسلل وعيٌ سياسيٌّ يتشكل على استحياء، يجسده عوض الكريم بخطابه اليساري، في مقابل حضور السلطة ممثلةً في المفتش همفري.
هذا التعدد يتسرّب إلى طريقة الحكي نفسها. فالراوي العليم ينسج المشاهد بلغة تميل إلى الأسطرة، كما في تصوير ماتريد، أو في قاعة غردون التي بدت أوسع من روادها. ثم يتقدم الراوي المتكلم في منتصف الرواية كصوت يضيء زاوية معتمة، قبل أن ينسحب ويعود السرد إلى مجراه الأول.
أما اللغة، فتتحرك بين فصحى مشبعة بالصور ودارجة سودانية نابضة في الحوارات والأشعار، فتمنح النص عمقه المحلي دون أن تفقده أفقه الأوسع.
مقاربات:
1ـ الوعي الجمعي:
«لحظة وجيزة بدت وكأن المدينة كلها تملأ رئتيها من هواء جديد.»
(ص 282)
الفعل الجماعي في السوق يصبح الذروة التي تعكس تماسك المجتمع.
2ـ الحب بين الاندفاع والانسحاب:
«رفعت عينيها إليه، ولم تدرك كم كبر قلبها في لحظة.» (ص 197)
العلاقات العاطفية مساحات إنسانية مبتورة، مثل رافائيل وإيديل، وعوض الكريم وماريانا، تضيء الجانب الإنساني دون التحكم في مسار الرواية.
3ـ السوق كفضاء سردي:
«هناك خلف جوالات البصل المكدسة وزكائب الويكة والفرتيتة… تنامى الصخب كريحٍ تناجي ذرات التراب قبل أن تنقض على الرؤوس بهبّة عاصفة.» (ص 126)
السوق كيان حي، يستوعب الجميع.

4ـ السياسة بين اليسار والرمز الديني:
«المصنع سيكون وبالًا على السوق… مثال الإمبريالية.» (ص 184)
الرواية تتحرك في زمن مشحون، فالصراع السياسي والاجتماعي حاضر ضمن السوق، لكن النص يقدمه ضمن سياق الأحداث الجماعية دون استغراق في التحليل.
وفي المقابل، تحضر الرموز الدينية السياسية:
«أنت ولد مبروك… أنت ولد مبروك!» السيد عبدالرحمن المهدي (ص171)
«ابتعثنا رجال الطريقة لقراءة الفاتحة في الميدان، ودعونا للجميع بالسكينة والبركة.» السيد علي الميرغني (ص171)، أما المفتش همفري «نحن لا نمنح تاجًا دائمًا لأحد، نحن فقط نسمح بصلاحيات محدودة.. مؤقتًا…» (ص 286)
السياسة والدين تتجلّيان كحضور ناعم ضمن نسيج السوق لا أكثر.
5ـ البناء السردي وكثرة الشخوص.
«رافائيل، عوض الكريم، سيد الرجال، زينب العرجا… وغيرهم»
كثرة الشخصيات تمنح اتساعًا اجتماعيًا لكنها تشتت الحدث.
ماتريد حالة مختلفة. «تقاطيعها تراءت كنحت كوشي قديم انتقش على صخرة معبد البركل…» (ص 9)
تمثل ماتريد أو أم الفقراء إرادة المكان، إلا أن حضورها أشبه بإشارة، أكثر منه مساراً متطوراً.
6ـ دلالة العنوان “48”
يمثل الرقم إشارة زمنية ولحظة مفصلية للوعي الجديد في السوق: التجارة، العلاقات، إعادة توزيع القوة.
ختامًا:
لعل أكثر ما اختزن في ذاكرتي لغة النص المترفة، الوصف الدقيق، والحس الرقيق، مع انسيابية وشد في مشاهد سينمائية “ماتش الموردة واستاك” نموذجاً.
رواية (48) نجحت في جعل السوق بطلاً حيًّا، وفي التقاط لحظة تاريخية من زاوية اجتماعية، تتخللها طبقات الناس، حيواتهم، وخبايا المدينة. ربما كثرة الشخوص وتفاصيلهم أبطأت الإيقاع أحيانًا، لكن ذلك لم يمنع النص من أن يظل نابضًا، وكل شخصية تحمل حركتها الخاصة في هذا الفضاء المترف، حتى لو اختفى الحدث وسط ثنايا التفاصيل.
النهاية جاءت كما ينبغي: حسم مسار رافائيل وسفره، واستقرار عوض الكريم، تعطي إحساسًا بالاكتمال. أعجبني التحدي الذي يقدمه النص للقارئ؛ تراكم الأحداث، تداخل الشخصيات، ومرونة السوق ككائن حيّ، تجعل من الرواية لوحة متحركة لمدينة كاملة، قادرة على أن تعكس نفسها في أي زمن.
عميق امتناني لكل من يسعى لقراءة كتاب، ويُتيح النصوص الجديدة، ولكل رواد القراءة الذين يملؤون المساحات بالحوار والنقاش. شكر خاص للكاتبة سارة الجاك والقائمين على مركز الفأل، وللمنتدى الذي كان نافذة سمحت لي بالتأمل في رواية (48) من زوايا متعددة. وهي دعوة مني لاقتناص زفرة تعيد إلينا عبق الكلمة، والانضمام إلى نادي الفأل للقراءة الأسبوعي؛ حيث في كل أسبوع كتاب، وكاتب، ومساحة تتجدد فيها الدهشة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...
- موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا ...
- -ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر ...
- وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا
- وفاة الفنانة المصرية سهام جلال
- الرحم الاصطناعي وهندسة الجنين.. هل تبتلع الآلة -مركزية- الإن ...
- الفن والكلمات.. أمسية ثقافية في تعز تفتح أبواب الذاكرة والأل ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إيمان المازري - نبض المدينة وفن السرد: قراءة في رواية (48)