أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يسريه سلامة - فخ الطاعة














المزيد.....

فخ الطاعة


يسريه سلامة

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 22:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


فخ الطاعة: كيف يدمر "عقل المماليك" مؤسساتنا الحديثة؟
بقلم: يسريه سلامة - 3إبريل 2026
لا يبدأ الفساد الإداري دائماً باختلاس الأموال، بل يبدأ غالباً باختلاس "الإرادة". ففي الكثير من بيئات العمل المعاصرة، نجد أنفسنا نقع في فخ قديم قدم التاريخ، فخ "الطاعة المطلقة" التي تتجاوز حدود المهنية لتصل إلى نوع من التبعية الشخصية التي تذكرنا بحقب المماليك الغابرة، حيث كان الولاء للسيد هو المعيار الوحيد للترقي والبقاء، حيث ينسج "الولاء الأعمى" خيوطه على حساب "الكفاءة المضيئة".
واستحضار نموذج "المماليك" هنا ليس مجرد استعارة تاريخية، بل هو تشريح لفلسفة إدارية عقيمة تقوم على تحويل الفرد إلى أداة، والموظف إلى تابع، والعمل إلى ساحة لتقديم فروض الطاعة لا لتقديم نتائج الإنجاز.
وتتجلى فلسفة الاستعباد الطوعي في العصور الخالية، حيث كان "المملوك" يُشرى ليكون سيفاً لولي نعمته، واليوم نرى بعض المؤسسات تبتدع "عبودية بيضاء" مُغّلفة ببدلات أنيقة، فلم تعد العبودية تُفرض بالسلاسل، بل تُصنع بالترهيب الناعم والخروج من عباءة "المملوك"، فلا يُقاس الموظف بما يحمله في عقله من حلول وابتكارات، بل بما يُبديه من "استجابة مُطلقة" لرغبات الإدارة وتوجهاتها الشخصية.
هذه الثقافة تُحول المؤسسة – بهدوء مريب – من منظومة تهدف الإنتاج وتسعى إلى التطور، إلى منظومة حماية يغلب عليها الخوف وتهدف إلى إرضاء "السيد" لضمان البقاء في "الحاشية". لتنبت وتنمو تلك الثمرة المسمومة وهي "الفساد الإداري".

حين تترسخ هذه الثقافة، يُطل الفساد الإداري برأسه كتحصيل حاصل، ويتجلى في مظاهر مُدمّرة كموت النــقد البناء في حضــرة "السلطان الإداري"، وحين يُعتبر الرأي المختلف نوعاً من أنواع "التمرد"، تُقتل الروح الإبداعية وتدور المؤسسة في حلقة مُفرغة من الأخطاء المتكررة، والنتيجة الحتمية هي تصعيد "الأتباع" لا "المُبدعين" واختيار القيادات بُناءً على مدى قُدرتها على الإنحناء والموافقة، وليس القدرة على الإدارة والإصلاح، مما يؤدي إلى ترهل الهياكل التنظيمية وفقدان البوصلة. كذلك إزاحة وتهميش كل من يرون أن تميزه يُمثل تهديد حقيقي لوجودهم ويُربك معادلة الولاء والطاعة، فينتج عن ذلك اختفاء الحقيقة فلا تصل المعلومة كما هي، بل كما يُراد لها أن تُرى، ويعمل الجميع بحذر يتحدثون بوجوه، ويفكرون بوجوه أخرى لتصبح المؤسسة شبكة من الخوف المتبادل.
فتنعدم الثقة بين الزملاء وتسود روح "الوشاية" والتقارير الكيدية، وتصبح هي العُملة المعتمدة للترقي، تماماً كما كان يفعل "الحُجّاب" في قصور المماليك. ولا تُكافأ الجرأة، بل تُكافأ الطاعة، ولا يُحتفى بمن يُصحّح الخطأ، بل بمن يُحسن تبريره، وهنا تقع الكارثة الصامتة:
تتحول العقول المفكرة إلى أصداء، وتتحول الوظيــفة من مساحة للإبداع إلى اختــــبار يومي للانصــــــــياع. فلا أحد يُريد أن يكــون “الصوت النشاز”، لأن ثمن الاختلاف قد يكون العزل أو التهميش أو الإقصاء البطيء.
فكيف يتثنى لنا تحطيم قيود ثقافة" المماليك" لتصبح ثقافة "المواطنة المؤسسية"؟
هذا يتطلب ثورة فكرية تُعيد الاعتبار لـلعقد الوظيفي بوصفه عقداً مهنياً بين طرفين، لا صك ملكية. حيث أن المؤسسة الناجحة هي التي تُدرك أن الموظف "الحُر" هو الذي يمتلك شجاعة قول "لا" حين يرى خطأً، وهو أثمن بكثير من ألف "تابع مُروّض" يُبارك العثرات ويُصفّق للفشل.فالإدارة التي تقوم على الشعور بالخوف تبني قلاعاً من ورق بها شخصيات ممسوخة، أما الإدارة التي تقوم على الكرامة والحرية، فهي التي تُشيّد صروحاً لا تُزعزعها الأزمات.بها شخصيات قيادية.
الفساد الإداري لا ينفجر فجأة، بل ينمو في بيئة خانعة تبدو مستقرة لكنها في الحقيقة مؤجلة الانهيار.
كلمة أخيرة....
إننا اليوم بحاجة ماسة لغــــسل أروقتنا من غُبار التبعية المهُينة.فهي ليست مجرد مشكلة إدارية عابرة، بل عقلية كاملة يمكن تسميتها – مجازًا – بــــ"عقل المماليك"، فالفــــــــساد في جوهره هو اختلاس لكرامة الإنــــــــــسان وتحويله إلى ترس صــــامت في آلة لا ترحم. ولن يتحقق الإصـــــــــلاح الإداري المنـــــــــشود إلا إذا آمنا يقيناً بأن العمل "رســــالة" وليــس "رقّاً"، وأن المدير "قائد" مُلهم وليس "سلطاناً" مُستبداً وأننا نحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة داخل المؤسسات، فالموظف ليس تابعًا بل شريك مسؤول، والاختلاف ليس تهديدًا بل أداة تصحيح، وأن السلطة ليست امتيازًا، بل مسؤولية خاضعة للمساءلة.
"فالمؤسسات القوية لا تخشى الأصوات المختلفة، بل تخشاها حين تختفي".






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- فرنسا.. أكثر من مليون ونصف مليون متظاهر يشارك في احتجاجات عم ...
- كييف توجه اتهاما لفتاة شاركت في احتجاجات سجن الحرس الوطني
- مباحثات سرية بين إدارة ترامب وإيران بشأن ترحيل إيرانيين خلال ...
- استقالة رئيس باراغواي سانتياغو بينيا على خلفية فضيحة مصرفية ...
- قاصر يكشف تفاصيل تعذيبه بسجن قرب كييف
- إيران.. خسارة ترامب واحتمالات المواجهة
- أمن الأردن: مقتل أحد عناصرنا بعمل إرهابي
- مناورات بحرية مصرية تركية بالمتوسط
- اضطرابات بحركة الطيران بعدة دول أوروبية
- الجيش المصري يعلن مقتل ضابطين ويكشف نتائج حملته على -الدهابة ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يسريه سلامة - فخ الطاعة