جماعة ورشة الإيكولوجيا الاجتماعية والكومونالية
(Atelier DÉcologie Sociale Et Communalisme)
الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 19:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
14 أكتوبر 2025
الناشطون والناشطات البيئيون والرقمي، الاستخدامات، النقد، الإشكاليات، وآفاق كومونالية
مقدمة
يحتل الرقمي اليوم مكانة مركزية في حياتنا، في علاقاتنا الاجتماعية، وفي ممارساتنا النضالية.
هو في آن واحد أداة للتنظيم والنشر، فضاء للخطاب المضاد والتعبئة، لكنه أيضا مصدر للاغتراب والتبعية والمراقبة.
إن حضوره الطاغي لا يمكن التفكير فيه بمعزل عن شروطه المادية.
كما يشير فابيان لوبران في كتابه "الهمجية الرقمية، تاريخ آخر للعالم المتصل" 2024، فإن هذا العالم الذي يُقدَّم بوصفه "غير مادي" يقوم في الواقع على بنية مادية عنيفة، استخراج معدني مدمر، حروب من أجل السيطرة على الموارد، استغلال للعمل، وتدمير بيئي.
لذلك، فإن أي نقاش حول الرقمي يجب أن يبدأ بسؤال أساسي، هل نتحدث عن أداة محايدة، أم عن منظومة تكنولوجية شاملة، لا يمكن فصلها عن الرأسمالية الصناعية والاستعمارية والعسكرية التي أنتجتها؟
بالنسبة للإيكولوجيا الاجتماعية الكومونالية، هذا السؤال ليس نظريا فقط، بل هو سؤال سياسي عملي يتعلق بكيفية استعادة السيطرة الجماعية على التقنية، باعتبار ذلك شرطا لأي استقلال سياسي وبيئي.
من هذا المنطلق النقدي، والمنفتح على إعادة بناء المشترك، تقترح ورشة الإيكولوجيا الاجتماعية والكومونالية تناول مسألة الرقمي عبر أربعة محاور، الاستخدامات، النقد، الإشكاليات، والمقترحات.
أولا، الاستخدامات، بين الإكراه والتكتيك والتجريب
بالنسبة لغالبية الناشطين والناشطات البيئيين، أصبح الرقمي بنية تحتية لا غنى عنها، وسيلة للتواصل والتنظيم والنشر.
يسمح بالوصول إلى جمهور واسع، تنسيق نضالات متفرقة، وتجريب أشكال تضامن عابرة للمناطق.
لكن هذه الاستخدامات غالبا ما تكون مفروضة، نتيجة تفكك النسيج الاجتماعي وتراجع العلاقات المباشرة في عالم تحكمه السرعة والمسافة والتجزئة.
حتى داخل العمل النضالي، الرقمي ليس محايدا.
المنصات التجارية تعيد تشكيل التفاعل وفق منطقها الربحي، جمع البيانات، تسليع الانتباه، وتوحيد الخطاب.
كما أن منطق السرعة والتواصل المجرد يضعف التنظيم المباشر والعلاقة الحية مع المجال، وهي أسس مركزية في الإيكولوجيا الاجتماعية والكومونالية.
لذلك، تسعى العديد من المجموعات البيئية إلى تطوير استخدام نقدي، عبر الاعتماد على البرمجيات الحرة، الخوادم الذاتية، الأدوات اللامركزية، والربط بين التنسيق الرقمي والاجتماعات المباشرة.
هكذا يتأرجح الاستخدام بين الضرورة والوعي، بين الحاجة الملحة والفخ البنيوي.
ثانيا، النقد، الرقمي كمنظومة هيمنة
الرقمي ليس مجرد أدوات، بل بنية هيمنة متجذرة في الرأسمالية المعولمة.
يقوم على بنية مادية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مراكز بيانات، أقمار صناعية، كابلات بحرية، وعلى استخراج الموارد واستغلال العمل في بلدان الجنوب، وعلى تبعية متزايدة لمجتمعات بأكملها لشبكات مركزية.
كما بين جاك إيلول، برنار شاربونو، إيفان إيليتش، أندريه غورز، كورنيليوس كاستورياديس، سيلفيا فيديريشي، وغيرهم، التكنولوجيا ليست محايدة، بل تعبير عن خيار سياسي واجتماعي.
في ظل الرأسمالية، تعيد إنتاج الهيمنة، فصل بين المنتجين والمستخدمين، نزع المعرفة، فقدان الاستقلال، وإخضاع الحياة لمنطق النمو.
الرقمي يعمق هذه العملية.
يستبدل العلاقة الحية بالاتصال، ويؤدي إلى قطيعة مع الزمن، الحس، والمشترك.
كما أشار ماركس وديفيد لو بروتون، هذا الامتداد يعكس منطق عقلنة الاقتصاد وتطرفه، حيث تتحول التقنية إلى أداة تسريع واستغلال وسيطرة.
الرقمي والذكاء الاصطناعي يمثلان امتدادا لتطور تكنولوجي يسعى إلى تكييف الإنسان مع تسارع القيمة الرأسمالية، عبر تفكيك طبيعته الاجتماعية وتحويله إلى كائن منتج وفعال وخاضع.
الخطاب السياسي السائد حول مقاومة التوتاليتارية يخفي في الواقع حكمانية نيوليبرالية تعيد تشكيل الإنسان وفق منطق رأس المال، بشكل أكثر خطورة لأنه غير مرئي.
ثالثا، الإشكاليات، الفعل داخل النظام وضده
السؤال ليس هل نستخدم الرقمي أم لا، بل كيف نتحرك داخله وضده.
نعيش تناقضا بنيويا، نستخدم أدوات النظام من أجل مقاومته.
هذا ليس تناقضا أخلاقيا بل مأزق سياسي حقيقي.
هذه هي حالة النضال في المجتمع التكنورأسمالي، التعلم على النضال ضمن التبعية، والعمل في الوقت نفسه على تجاوزها.
هنا يجب التمييز بين الاستخدام المفروض بحكم الضرورة، والاستخدام النقدي الذي يسعى إلى تحوير التقنية وتوظيفها جماعيا.
هناك تجارب متعددة، البرمجيات الحرة، الشبكات المجتمعية، الأدوات المفتوحة، ومبادرات مثل فراماسوفت ولا كوادراتور دو نيت.
لكن هذه المبادرات تظل هشة دون قاعدة سياسية، دون مؤسسات شعبية قادرة على تحديد حدود جماعية وبناء بدائل.
لذلك، لا يمكن فصل نقد الرقمي عن بناء سلطة سياسية محلية، المجالس، الكومونات، والتنسيقيات الشعبية.
رابعا، المقترح، الكومونوتكنية كأفق سياسي وأخلاقي
تعريف الكومونوتكنية
من communis، مشترك، و technè، التقنية
هي مجموع الممارسات التقنية التي يتم تطويرها والتحكم بها جماعيا ضمن مجتمعات ديمقراطية وبيئية
الكومونوتكنية ليست رفضا للتقنية ولا تمجيدا لها، بل إخضاعها للسيطرة الديمقراطية المباشرة، ضمن مبادئ التقشف، التشاركية، والتوازن مع الطبيعة.
وهي امتداد لأفكار لويس مومفورد، إيفان إيليتش، وموراي بوكشين حول التقنية الديمقراطية.
التقنية التعاونية كشرط للتحرر
الأداة التعاونية هي التي تعزز الاستقلال والتعاون، لا التبعية.
تسمح للأفراد والجماعات بالتحكم في حياتهم دون وساطة الخبراء أو النخب.
كما أشار غورز، الإدارة الذاتية تتطلب أدوات قابلة للإدارة الذاتية.
نحو تقنية كومونالية
تعترف الكومونوتكنية بأن استخدام الرقمي قد يكون ضروريا مؤقتا، لكن بشرط إعادة توطينه، جعله جماعيا، ونزع الطابع الهرمي عنه.
الهدف ليس إصلاح الرقمي الحالي، بل إخضاعه سياسيا وإعادة بنائه تحت سيطرة المجتمعات.
كما يشير ستيكا، لا نعرف بعد ما هي التقنيات التي ستستخدمها المجتمعات الكومونالية، لكن الهدف هو تطوير تقنيات تخفف العمل دون خلق تبعية أو استغلال، وتحافظ على العمل الجماعي باعتباره أساس العلاقة الإنسانية.
هذا الاعتراف بعدم اليقين ليس ضعفا، بل شرطا للوعي، لأن التحول ليس خطة جاهزة بل عملية جماعية.
الكومونوتكنية هي إذن تقنية مشتركة واعية، تقوم على الحرية، الإدارة الذاتية، والتعاون.
خاتمة
يواجه الناشطون والناشطات البيئيون تناقضا لا يمكن تجاهله، العمل داخل عالم تقني يسعون لتجاوزه.
هذا التناقض يجب أن يتحول إلى ممارسة واعية، تجمع بين النقد الجذري، التجريب، وإعادة بناء المشترك.
الكومونوتكنية لا تقدم حلولا جاهزة، بل ترسم أفقا، طريقة جديدة للعيش، تعيد ربط التقنية بالإنسان، بالمجتمع، وبالطبيعة، في إطار من الحرية والمسؤولية والتضامن.
الرابط
https://ecologiesocialeetcommunalisme.org/2025/10/14/le-numerique-a-laune-de-la-communotechnie/
#جماعة_ورشة_الإيكولوجيا_الاجتماعية_والكومونالية (هاشتاغ)
Atelier_DÉcologie_Sociale_Et_Communalisme#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟