عبد الحسين لهمود ياسر
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 21:48
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
رسالة في العَلمانية العراقية
ما هي العَلمانية العراقية؟:
مهما كانت معاني العَلمانية متنوعة ومتناقضة ومتعددة فان للعَلمانية العراقية خصوصية المعنى والاتجاه، العَلمانية العراقية عَلمانية مؤمنة حية متجددة تهدف إلى فصل الدين عن السلطة، وليس إقصاء الدين عن الحياة.
العَلمانية العراقية كيف؟
العَلمانية العراقية ليس امتداد لأي عَلمانية أخرى ولا ترتبط بأي رباط عضوي بما يحكم العالم من عَلمانيات نابعة من ثقافات الشعوب التي رضت أن تكون أنظمة الحكم فيها بهذا الشكل، العَلمانية العراقية تهدف إلى تهذيب ثقافة المجتمع العراقي وتدعو للقيام بثورة ثقافية على غرار الثورات الثقافية التي قامت بالعالم ولكن ليس امتداد لأي منها لان الثقافة العراقية ثقافة ذات عمق يمتد إلى آلاف السنين وهي في الأصل نبعا تنهل منه كل ثقافات العالم ، وعبر الثورة الثقافية التي تستمد نهوضها من مكونات الثقافة العراقية وبلا شك أن الدين من أهم مصادر الثقافة العراقية لان العراق ارض الأنبياء والأولياء والصالحين ،فلا يمكن بأي حال التنكر للدين وإقصائه عن الحياة، إن مكونات الثقافة المجتمعية هي في الأصل أساس للحكم الذي يتم اختياره عبر صناديق الاقتراع فالشعوب عندما تختار حكومة ما عبر الانتخابات الحرة تكون قد وقعت لهذه الحكومة صكا يعطيها الحق بان تتصرف بجزء من حق وحرية الشعوب الطبيعيتين آزاء توفير ما يمكن للحكومة المنتخبة أن توفره من إصلاح سياسي وخدمي. فيكونا بهذا قد أتما عقدا اجتماعيا حسب ما هو معروف بالعالم، لكن في حال عدم قدرة الحكومة على تقديم أي إصلاح تكون قد أضرت بالشعوب ونكلت بالاتفاق. وبهذا تكون الشعوب في حل من العقد آنف الذكر.
لماذا العَلمانية العراقية؟
العراق بلد غني بالتنوع السكاني من حيث الأديان والطوائف والأعراق، و بلا شك كل دين أو طائفة أو عرق له رؤية سياسية في كيفية إدارة البلد يعتقد هي الأسلم، ويقينا لا يمكن أن يكون باقي الشركاء متفقين في الرأي مع أي شريك يمكن أن ينفرد بقيادة البلد، لذا أصبح من الضروري أن نختار طريق يحفظ حقوق الجميع ويعامل الجميع على حد سواء ويضع البلاد على سكة الأمان ويقي البلاد من أي صراع بين مكوناته المتعددة، وبعدما تبين للجميع بان الصراع العقائدي بالعراك السياسي سببه رغبة البعض بالاستحواذ على السلطة وآخرون يشعرون بمرارة العزلة وغيرهم يتحينون الفرصة لإثارة فتنة بقصد أو بآخر.. كان ويبقى ضحيتها الوطن وسلامة مواطنيه، هكذا تصبح العَلمانية مطلب ضروري لحل مشاكل الصراع على السلطة، حيث لا يمكن أن يسود عرق أو دين أو طائفة على حساب الآخر، والقانون هو الذي يسود وهذا ما نصت علية مبادئ الدستور العراقي ((الدستور والقانون فوق الجميع)) والمواطن الصالح هو الذي يحكم، ويصبح البلد أقوى باشتراك الجميع بالدفاع عنه وحفظ سلامته ووحدته، وبدلا من أن تتصارع المكونات من اجل السلطة، تتنافس من اجل خدمة البلد.
وبعد التجارب المريرة التي مر بها العراق من جراء الاستخدام السيئ لوسائل الدين وما نتج عن ذلك من صراع طائفي وعقائدي ضرب البنية الاجتماعية واتلف نسيج الود ولحمة القرابة داخل مكونات المجتمع العراقي التي كانت مثال للألفة والانصهار المجتمعي لما بين هذه المكونات من تقارب كاد يقل نظيره، ومن اجل الحفاظ على وحدة المجتمع العراقي وروحية وهيبة الأديان السماوية والوضعية بات من العقل أن نفصل الدين عن الممارسات السياسية وعدم جعل الدين وسيلة لتحقيق مآرب سياسية لا تمت للدين بصلة وبالتالي تكون نتائج الفشل السياسي مؤشر غير محمود على الدين الذي هو بالأصل براء من العمل السياسي برمته، ثم إنقاذ الدين من أنياب وبراثن رجال الدين المتسيسين، ليبقى الدين مصدر الهام سامي لا يرقى له الشك..
وتهدف العَلمانية العراقية بنشاطها الوعيوي إلى إعادة تشكيل الذاكرة العراقية وإنعاشها لكي تتماشى مع مستجدات الكون وعدم التقهقر أمام التطور التقني المصحوب بثورة علمية وفلسفية هي في حقيقتها تكريس لما يدعو له الدين من عظمة الخالق وسعة علمه اللامتناه.
ولما كانت ذاكرة المجتمعات هي مصدر تطورها وقاعدة بيانات لتقدمها بات من الضروري أن تكون ذاكرة المجتمع العراقي مبنية على حقائق وعلوم نابعة من العقل ولا تتقاطع معه، ولتهذيب ذاكرتنا العراقية واستجلاء الأماكن المعتمة منها لا بد من القيام بثورة ثقافية الهدف منها هو ترميم التالف وإصلاح المعطل، وعبر تلك الثورة الثقافية تكون جميع مصادر وجهات الثقافة السائدة مسئولة عن إظهار الذاكرة العراقية بما يليق من صورة.
العَلمانية العراقية تدعو لإنشاء دولة قانون وحكم الدولة وفق الدستور المقرر والمعتمد من قبل ممثلي الشعب العراقي، والهدف من الحكم بالدستور ليس إلغاء أو طعنا بالشرائع السماوية التي هي سدى ولحمة الدستور بل لقطع الطريق أمام مستخدمي وسائل الدين استخداما سيئا لتحقيق أهداف سياسية كثيرا ما تكون مغايرة لمقاصدها.
إن العَلمانية العراقية بفصلها الدين عن السلطة تحمي الكثير من الأقليات التي تتدين باديان غير دين الأكثرية وتساوي بالحقوق والواجبات بين مكونات المجتمع دون المساس أو الانتقاص من أي عقيدة أو طائفة أو دين، فيكون لكل فرد حق موازي لأدائه لواجباته تجاه المجتمع وعبر الدستور، وبما أن المجتمع هو الذي يضع دستور البلاد عبر ممثليه بالبرلمان وهذا ما حاصل فعلا" يكون الالتزام بجميع مكونات الدستور واجب طوعا وجبرا، وبهذا المعنى تكون العَلمانية العراقية قد لامست روح الديمقراطية التي هي أساس بناء دولة العراق الحديثة.
وبعد طول صراع ومرارات مستمرة عاشها ويعيشها الشعب العراقي، يطرح سؤال ,ما هو الحل ؟
فالصراعات التي راح ضحيتها العراقيين الأبرياء بجميع مكوناتهم كان سببها الحراب الطائفي بالدرجة الأولى وان كان الحراب العرقي وراء بعضا منه، والاستئثار السيئ لبعض القوى التي سيطرت على مراكز السلطة في البلد ومحاولة الاسترجاع الأسوأ لهذه المراكز من قبل البعض الآخر خلفت ورائها دمارا شاملا في البلد ومنذ سقوط الدكتاتورية في العراق.
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتوقف هذا الصراع الدموي النابع أصلا من تراكم الضغينة في نفوس المتصارعين والذين ليس لديهم الرغبة في نشر ثقافة التسامح والقبول بالغير ولأسباب طائفية أيضا، ومادامت ركائز السلطة والمال بيد المتنفذين منهم والذين يتلقون دعما من دول الجوار التي لا هم لها سوى إشعال الفتنة في العراق لإيقاف حركة أي تطور أو عمران أو استقرار سياسي واقتصادي لكي لا يتعافى العراق ويشكل منافس بثرواته البشرية والطبيعية المعروفة ومركزه الإقليمي مما قد يضر بمصالح دول تعودت أن ترى العراق عاجزا ومحاصر، ومهما تعددت مسميات القوى التي تسيطر على مقدرات البلد إنها السبب الرئيس للانتكاسات المتكررة لما تحاول الحكومة أن تقوم به من اجل استقرار البلد . وباختلاف تصنيفها الطائفي (سني وشيعي)...والتي ترى نفسها القيوم الأمين على مصالح العراقيين وتبرر عراكها على السلطة بتبريرات بعضها كهنوتي وبعضها شوفيني متجاهلة الدستور العراقي الذي لطالما انتهكت بنوده لأتفه الأسباب، وبهذه القراءة البسيطة لخارطة رجال الدولة نلاحظ أن أصحاب القرار في البلد هم المتزمتون من رجال الدين الذين يدعون بأنهم اكتسبوا نضوج سياسي والذين يدفعون الأحداث بما يخدم مصالحهم ومطامع أحزابهم التي تتبنى أجندات سياسية لدول إقليمية تريد أن تدير صراعاتها الطائفية على ارض العراق وجعله حلبة صراع لا ينتهي ليس للعراقيين ناقة فيه ولا جمل، وقد انعكس الصراع الأثني على المكونات الأخرى للشعب العراقي وبات الآخرين الذين ليس لديهم القدرة حتى على حماية أنفسهم ضمن مشاريع الانتقام الطائفي المرير، نصل في النهاية الى راي ...بإن إدارة الدين بعقول رجال الدولة الذين اكتسبوا نضوجا دينيا أسلم بكثير من إدارة الدولة بعقول رجال الدين الذين يدعون إنهم اكتسبوا نضوجا سياسيا وهذا منافي للحقيقة حيث إن الدين من أهم المكونات الثقافية لرجال الدولة أما الدولة في عقول رجال الدين فهي لا تمت للواقع بصلة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟