أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - بوشعيب شكير - نحو فهم بنيوي لظاهرة الفساد الإداري: مفارقة خطاب النزاهة وآليات إعادة إنتاج الريع داخل المؤسسات العمومية















المزيد.....

نحو فهم بنيوي لظاهرة الفساد الإداري: مفارقة خطاب النزاهة وآليات إعادة إنتاج الريع داخل المؤسسات العمومية


بوشعيب شكير

الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 03:44
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


ليس الفساد الإداري مجرد انحراف أخلاقي معزول يمكن تفسيره بسلوك بعض الأفراد أو بضعف الضمير المهني داخل الإدارة. فالتجربة التاريخية والسياسية تُظهر أن الفساد غالباً ما يتجاوز حدود الخطأ الفردي ليصبح جزءاً من بنية مؤسساتية تنتج آلياته وتعيد إنتاجها باستمرار. والمفارقة الأكثر إثارة للانتباه هي أن هذه الظاهرة تتعايش، في كثير من الأحيان، مع خطاب رسمي قوي حول النزاهة ومحاربة الفساد والحكامة الجيدة. هنا تحديداً يبرز الإشكال الحقيقي: كيف يمكن لخطاب النزاهة أن يتكاثر في المجال العمومي في الوقت الذي تستمر فيه ممارسات الريع داخل المؤسسات؟ وهل يتعلق الأمر بغياب الأخلاق الفردية، أم أن المشكلة أعمق من ذلك، وترتبط بالبنية الإدارية والسياسية التي تسمح بإعادة إنتاج الامتيازات والريع؟ إن هذه المفارقة تدفع إلى تجاوز المقاربات الأخلاقية التبسيطية للفساد، والاتجاه نحو تحليل بنيوي يفهم الفساد الإداري باعتباره نتيجة لعلاقات سلطة وشبكات امتياز تتشكل داخل المؤسسات العمومية وتعيد إنتاج نفسها عبر الزمن.
في النقاش العمومي غالباً ما يتم اختزال الفساد في صورة الموظف المرتشي أو المسؤول الذي يسيء استعمال سلطته. غير أن هذا التصور، رغم صحته الجزئية، يظل محدوداً لأنه يركز على الأفراد بدل التركيز على البنية التي تسمح بحدوث الفساد. فالمؤسسات الإدارية ليست مجرد فضاءات تقنية لتنفيذ السياسات العمومية، بل هي أيضاً فضاءات اجتماعية وسياسية تتقاطع فيها المصالح والسلطات والامتيازات. وحين تتشكل داخل هذه الفضاءات شبكات غير رسمية من المصالح المتبادلة، يصبح الفساد أقل ارتباطاً بالانحراف الفردي وأكثر ارتباطاً بآليات مؤسساتية غير معلنة.
إن فهم الفساد بهذا المعنى يقتضي الانتقال من التفسير الأخلاقي إلى التفسير البنيوي. فالمشكلة ليست فقط في وجود أفراد فاسدين، بل في وجود منظومات تسمح بإعادة إنتاج الفساد. ويمكن أن تتخذ هذه المنظومات أشكالاً متعددة، مثل احتكار بعض المواقع الإدارية، أو توزيع الامتيازات وفق منطق الولاء، أو تحويل الوظيفة العمومية إلى مجال للحصول على منافع غير مشروعة. وفي هذه الحالات يصبح الفساد جزءاً من اقتصاد سياسي غير معلن، حيث تتحول الإدارة من جهاز لخدمة المرفق العام إلى فضاء لإنتاج الريع. وقد سبق أن نبهت إلى هذا البعد التحليلي الكاتبة Marie-Laure Susini (ماري-لور سوزيني) في كتابها Éloge de la corruption : les incorruptibles et leurs corrompus (في مديح الفساد: المنزهون عن الفساد وفاسدوهم)، حين اعتبرت أن الخطورة لا تكمن فقط في الفساد ذاته، بل في الخطاب الذي يدّعي امتلاك الطهارة الأخلاقية المطلقة، لأن هذا الخطاب قد يخفي خلفه بنى سلطوية تعيد إنتاج نفس الممارسات التي يدّعي محاربتها.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الواقع يتعايش مع خطاب قوي حول النزاهة ومحاربة الفساد. فالدولة الحديثة، بحكم طبيعتها، تحتاج دائماً إلى إنتاج خطاب أخلاقي حول الشفافية والحكامة الجيدة. غير أن هذا الخطاب قد يتحول أحياناً إلى مجرد لغة سياسية لا تمس جوهر البنية المؤسسية. وهنا يظهر التناقض بين الخطاب والممارسة: فبينما يتم التأكيد على قيم النزاهة والشفافية في الخطابات الرسمية، تستمر بعض الممارسات الإدارية التي تعيد إنتاج الامتيازات والريع. وقد عبّر عن هذا التناقض بوضوح الكاتب George Orwell (جورج أورويل) حين أشار إلى أن اللغة السياسية قد تتحول في بعض الأحيان إلى وسيلة لإخفاء الواقع بدل كشفه، حيث يتم استعمال مفردات الفضيلة لتغطية ممارسات السلطة.
هذا التناقض ليس جديداً في الفكر السياسي. فقد أشار عدد من المفكرين إلى خطورة تحول الخطاب الأخلاقي إلى أداة لتبرير السلطة بدل أن يكون وسيلة لمراقبتها. فالسلطة التي تقدم نفسها باعتبارها حامية للفضيلة قد تتحول أحياناً إلى سلطة أخلاقية مغلقة لا تقبل النقد أو المساءلة. ويقدم تاريخ الثورة الفرنسية مثالاً واضحاً على ذلك من خلال تجربة Maximilien Robespierre (ماكسيميليان روبسبير) الذي رفع شعار الفضيلة السياسية باعتبارها أساس الحكم، غير أن هذا التصور قاد في النهاية إلى منطق سياسي صارم تم فيه تبرير العنف باسم تطهير المجتمع من الفساد.
من هنا تبرز أهمية ما يسميه الفكر السياسي بمفهوم contre-pouvoir (السلطة المضادة أو السلطة الموازنة). فالديمقراطية لا تقوم فقط على وجود مؤسسات رسمية، بل تحتاج أيضاً إلى قوى اجتماعية وسياسية قادرة على مراقبة السلطة وكشف اختلالاتها. وقد عبّر الفيلسوف Montesquieu (مونتسكيو) عن هذه الفكرة حين أكد أن السلطة لا يمكن أن تُضبط إلا بسلطة أخرى، وأن توازن السلطات يشكل الضمانة الأساسية لمنع تحول الحكم إلى مجال للهيمنة أو الامتياز.
نشمل هذه القوى النقابات المهنية، والأحزاب السياسية، والمنظمات الحقوقية، ووسائل الإعلام المستقلة، إضافة إلى المجتمع المدني. فهذه الفاعليات تشكل فضاءات للنقاش العمومي والمساءلة، وتساهم في الحد من تحول الإدارة إلى مجال مغلق لإعادة إنتاج الريع.
تلعب النقابات، على سبيل المثال، دوراً مهماً حين تحافظ على استقلاليتها النضالية وتتبنى خطاباً دفاعياً عن حقوق الشغيلة وعن نزاهة المرفق العام. فهي لا تمثل فقط مصالح فئة اجتماعية معينة، بل يمكن أن تتحول إلى قوة اقتراح ومساءلة تكشف الاختلالات داخل المؤسسات. كما أن الأحزاب السياسية، حين تمارس دورها الرقابي الحقيقي داخل المؤسسات المنتخبة، يمكن أن تساهم في تعميق النقاش حول تدبير الشأن العام. أما المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني، فهي تمثل بدورها فضاءات مستقلة تساهم في فضح الممارسات غير القانونية وإثارة النقاش حول قضايا الفساد.
غير أن دور هذه السلطات المضادة يبقى مشروطاً بمدى استقلاليتها وقدرتها على ممارسة النقد. فإذا تحولت هذه الهيئات إلى جزء من منظومة الامتيازات نفسها، فإنها تفقد قدرتها على لعب دورها الرقابي. ولهذا فإن بناء منظومة فعالة لمحاربة الفساد لا يقتصر على إصلاح الإدارة وحدها، بل يتطلب أيضاً تقوية الفضاءات الاجتماعية والسياسية التي تمارس الرقابة على السلطة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المعطيات والمؤشرات الدولية التي تقيس مستوى إدراك الفساد داخل الدول. فحسب تقرير Transparency International (منظمة الشفافية الدولية) حول Indice de Perception de la Corruption 2025 (مؤشر إدراك الفساد لسنة 2025)، حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100 محتلاً المرتبة 91 عالمياً تقريباً. ويقيس هذا المؤشر مستوى إدراك الفساد في القطاع العام اعتماداً على تقييمات خبراء ورجال أعمال ومؤسسات دولية، وغالباً ما تشير النتائج التي تقل عن 50 نقطة إلى أن الفساد ما يزال يمثل تحدياً بنيوياً داخل المؤسسات العمومية.
تعكس هذه النتيجة تحسناً طفيفاً مقارنة بالسنوات السابقة، غير أن المسار العام خلال العقد الأخير يظهر نوعاً من الجمود النسبي، إذ ظل معدل المغرب منذ سنة 2015 يتراوح بين 37 و41 نقطة تقريباً. ويُرجع عدد من الباحثين هذه الوضعية إلى تعقيد المساطر الإدارية وضعف تفعيل آليات المساءلة وبطء تطبيق القوانين المتعلقة بمحاربة الفساد.
كما تُعتبر بعض المجالات، مثل الصفقات العمومية وتدبير المرافق الإدارية ومساطر الترخيص والتنظيم الاقتصادي، من أكثر القطاعات التي يُنظر إليها باعتبارها عرضة لمخاطر المحاباة أو الريع أو غياب الشفافية في اتخاذ القرار. ومع ذلك، فقد شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة عدداً من المبادرات المؤسساتية في مجال النزاهة والشفافية، من بينها إحداث Instance Nationale de la Probité, de la Prévention et de la Lutte contre la Corruption (الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها) واعتماد استراتيجيات وطنية لمحاربة الفساد وتفعيل مقتضيات الحق في الحصول على المعلومات.
غير أن العديد من التقارير والتحليلات تؤكد أن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب النصوص القانونية، بل في مستوى تنفيذها وتفعيلها. فمحاربة الفساد تتطلب مؤسسات رقابية قوية وقضاءً مستقلاً وشفافية في تدبير الشأن العام، إضافة إلى دور فاعل للمجتمع المدني والإعلام في تتبع السياسات العمومية ومساءلة المسؤولين.
وفي النهاية، يمكن القول إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعلان الحرب على الفساد، بل في فهم الآليات البنيوية التي تسمح له بالاستمرار. فحين يصبح الفساد جزءاً من بنية الامتيازات داخل المؤسسات، فإن مواجهته تتطلب إصلاحاً عميقاً في طريقة تنظيم السلطة وتوزيعها.
غير أن الإقرار بهذه الحاجة إلى الإصلاح البنيوي لا يعني تجاهل التحولات المهمة التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فقد تمكنت البلاد من تحقيق تقدم ملموس في عدد من الأوراش الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية والتنمية الاقتصادية، غير أن هذا التقدم لم يُواكَب بنفس الوتيرة في مجال محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة. ويرجع ذلك إلى أن إصلاح الإدارة لا يرتبط فقط بالإمكانات المالية أو بالقرارات التقنية، بل يرتبط أساساً بتحول عميق في العقليات والثقافة المؤسسية. فإذا كان بناء ميناء أو مطار يحتاج أساساً إلى الموارد المالية والخبرة التقنية، فإن إصلاح الإدارة يحتاج قبل كل شيء إلى عقليات جديدة تؤمن بقيم النزاهة والمساءلة وخدمة المرفق العام.
ولهذا فإن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد لا يمكن أن يكونا مجرد إجراءات إدارية أو تشريعية معزولة، بل يجب أن يتحولا إلى مشروع مجتمعي واسع يقوم على إرادة سياسية حقيقية، ويشتغل في الوقت نفسه على مستويات متعددة تشمل التعليم والإعلام ومؤسسات التنشئة الاجتماعية. فبناء الطرق والموانئ يمكن أن يتم في سنوات قليلة، أما بناء ثقافة النزاهة داخل الإدارة والمجتمع فهو مسار طويل يتطلب نفساً إصلاحياً مستمراً وإرادة سياسية صادقة تجعل محاربة الريع والفساد أولوية حقيقية في مسار بناء الدولة الحديثة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- عواصف شديدة مصحوبة بأكثر من 12 إعصارًا تُخلّف 8 قتلى في ميشي ...
- شاهد.. إلقاء عبوة ناسفة قرب منزل زهران ممداني عمدة مدينة نيو ...
- اختيار مجتبى خامنئي مرشدا أعلى في إيران رسالة بـ-استمرار الن ...
- إيران تهدد بمصادرة أموال مواطنيها في الخارج -إن دعموا العدو- ...
- -هجمات إيرانية احتفالا بتعيين مجتبى خامنئي-.. ما حقيقة المشا ...
- جيروزاليم بوست: حزب الله يوجّه عناصره بمواجهة الجيش اللبناني ...
- حريق قرب محطة غلاسكو المركزية يتسبب في تعطل كبير لحركة السفر ...
- -لحظة صراحة نادرة-.. إيران ترد على غراهام: الحرب الأمريكية ع ...
- طوابير وقود طويلة في بنغلاديش وسط مخاوف من نقص الإمدادات
- وفاة جندي أمريكي في الكويت ترفع حصيلة قتلى الجيش إلى ثمانية ...


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - بوشعيب شكير - نحو فهم بنيوي لظاهرة الفساد الإداري: مفارقة خطاب النزاهة وآليات إعادة إنتاج الريع داخل المؤسسات العمومية