أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ايلي خوري - دردشة من القلب حول -ظلال لاسعة-.. بين سحر التنظير وواقع الورق















المزيد.....

دردشة من القلب حول -ظلال لاسعة-.. بين سحر التنظير وواقع الورق


ايلي خوري

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 02:48
المحور: الادب والفن
    


من: قارئ لبناني يجلس على طاولة مقهى في باريس إلى: الكاتبة العزيزة فيحاء السامرائي الموضوع: دردشة من القلب حول "ظلال لاسعة".. بين سحر التنظير وواقع الورق

Bonjour مدام فيحاء، ويعطيكي ألف عافية يا رب.

أكتب لكِ هذه الرسالة من أحد مقاهي باريس الباردة، ومعي فنجان قهوتي الذي يرافقني دائماً. بصفتي مغترباً لبنانياً يعيش في فرنسا منذ سنوات، ويحمل لغته العربية كوطنٍ بديل في حقيبته، تابعتُ بشغف كبير تسجيلاً لأمسيتكِ الثقافية الأخيرة في لندن (المنتدى الثقافي العربي).

عنجد يا مدام، لقد سحرتني تنظيراتكِ! حديثكِ عن "الديستوبيا"، و"التكثيف الشعري"، و"الدخول تحت جلد الشخصية"، وادعاؤكِ اللطيف بأنكِ تجنبتِ اللهجات الدارجة لصالح "لغة فصحى" نقية.. كل هذا أثار فضولي بشدة. ولكن أكثر ما لفتني هو قولكِ بالحرف الواحد: "أنا أهتم جداً بالجملة الاستهلالية لأنها هي التي ستجذب القارئ وتشوّقه".

هذا الكلام الرائع فتح شهيتي لقراءة مجموعتكِ الجديدة "ظلال لاسعة". بحثت في الانترنت و وجدت النسخة الالكترونية. فتحتُ الصفحة الأولى من قصة "الجانب الآخر من الصمت"، وكلي استعداد للتحليق في عوالمكِ الموعودة التي تشبه غربتنا.

ولكن... Quel Choc! كل صدق ومحبة أقول لكِ، ومن باب غيرتي على قلمكِ ولغتنا الحلوة: لقد سقطتُ من علياء تنظيركِ الأكاديمي الجميل إلى قاع نصٍّ شعرتُ أنه يحتاج إلى الكثير من العناية، لدرجة أنني استغربتُ كيف مرّت هذه الأمور على دار النشر!

أستطيع أن أتخيلكِ الآن تبتسمين وتقولين لي بداخلك: "يا عزيزي الباريسي، أنت لا تفهم الحداثة، ما فعلتُه في النص هو (انزياح لغوي) وكسر للقواعد لصالح الشعرية السردية!". اسمحيلّي يا مدام فيحاء، وبكل رقة، أن ندردش حول الفرق الشاسع بين الانزياح اللغوي (L écart linguistique) وبين العثرات اللغوية. الانزياح هو أن يمتلك الكاتب ناصية اللغة، ويعرف أسرارها بامتياز، ثم يكسرها "عمداً" لخلق صورة بلاغية مدهشة. أما ما وجدته في نصك، فلم يكن تمرداً حداثياً، بل هفوات أتمنى أن تتداركيها في الطبعات القادمة.

دعينا نراجع النص معاً بكل ود:

أولاً: صدمة البداية، ووهم "الفصحى النقية"

لقد بدأتِ قصتكِ بـ: "أواكب على الجلوس في مقهى صغير..." (ص 8). يا عزيزتي، نحن في العربية نقول "أواظب على" (أي أداوم)، أما "أواكب" فتعني أساير وأجاري (واكب التطور)، ولا تتعدى بحرف الجر "على"! هل هذا هو الاهتمام بالعتبة الأولى للنص الذي ذكرتِه في الأمسية؟
وفي السطر الثالث تقولين: "صوت عال للنهار حولي". التركيب بحد ذاته يبدو وكأنه (Traduction littérale) أو ترجمة حرفية من لغة أجنبية يفتقر لـ "التكثيف الشعري".
وبما أنكِ صرّحتِ بحرصك على "الفصحى النقية"، استوقفتني جملتك في (ص 10): "حين دلفت المقهى...". باللغة العربية الفصحى الأصيلة يا مدام، الفعل "دَلَفَ" فعل لازم، يتعدى بحرف الجر لنقول: "دلفتُ إلى المقهى". إسقاط حرف الجر هنا هو خطأ شائع ناتج عن قياسه الخاطئ على الفعل "دخل" (دخلت المقهى)، ومثل هذه التفاصيل لا تفوت على من يعشق نقاء اللغة!
واستفزتني بخفة استخداماتك لكلمات عامية دارجة، مثل: "نمرة عمرك... نمرة حذائك" (ص 8) (كان الأجدر استخدام "رقم" أو "مقاس"). ومثل اشتقاقك الغريب: "ويتقرفص زمني" (ص 9)! أين الفصحى التي وعدتِنا بها؟
وما رأيك بتكرار كلمة "ناس" أربع مرات في صفحة واحدة؟! (ناس متسوقين، ناس مهمومون، ناس كثر، ناس يقودون كلاباً)... C est très pauvre! أين المرادفات العربية الرائعة (المارّة، الأشخاص، روّاد الشارع)؟

ثانياً: غياب المنطق البصري والتشريحي!

قرأتُ جملتكِ: "أمهات يسحبن عربات أطفال" (ص 8). توقفتُ هنا وابتسمت! كيف للأم أن "تسحب" العربة؟ العربات يا عزيزتي "تُدفع" من الخلف. جعل الأمهات "يسحبن" العربات غياب تام للمنطق البصري في تخيل المشهد.
أما الخطأ التشريحي فكان في (ص 11) حين وصفتِ صديق البطل قائلة: "يقلّص محجري عينيه"! "المَحْجِر" هو التجويف العظمي في الجمجمة، والعظم مستحيل أن يتقلّص! كان الأصح أن تقولي: (يقلّص جفنيه). التفاصيل الدقيقة هي ما يصنع الأدب (La précision est primordiale).

ثالثاً: الحوار.. وعقدة المحاضرة الأكاديمية عندما جلستِ السيدة العجوز إلى طاولة البطل، كنتُ أنتظر حواراً دافئاً يكسر جليد الغربة. لكنني تفاجأت بأن العجوز تتحدث وكأنها أستاذة في "السوربون" تلقي محاضرة في علم الاجتماع! أيعقل لامرأة عجوز في مقهى أن تقول: "أحاديث عامة تلخّص أزمة العصر الراهن بجنوح الناس نحو الفردية... وأبدت امتعاضاً من هيمنة التكنولوجيا عل كل مناحي حياتنا حتى جعلتنا ننسى الألفة والتآزر الاجتماعي" (ص 10)؟ هذا ليس صوت العجوز، هذا صوتكِ أنتِ ككاتبة مقالات طغى على الشخصية فأفقدها عفويتها.

رابعاً: أين المحرر من كوارث الـ (Copier-Coller)؟ هنا ألوم دار النشر (L éditeur) وليس أنتِ! هل يعقل ألا ينتبه أحد إلى أنكِ قمتِ بنسخ ولصق نفس الفقرة مرتين؟

في (ص 8) تعرّفين صديق البطل: "لي صديق وحيد اسمه محسن تفوح منه رائحة مرهم فكس، يأتي إلى المقهى مرة واحدة في الأسبوع..."
ثم في (ص 11) تعودين وكأنك تقدمينه لأول مرة: "محسن صديقي الوحيد، الذي يأتي إلى المقهى مرة واحدة في الأسبوع وتفوح منه رائحة مرهم الفكس...".

خامساً: قتل الحبكة.. وفخ "الانتظار البيكيتي" (En attendant Godot) الحبكة الجميلة في النص هي "وهم" البطل بتلك المرأة. لكنكِ قتلتِ هذا الغموض حين جعلتِ البطل يقول لصديقه مباشرة: "لا تقل لي إنها كائن أثيري ليس له وجود" (ص 11). في الأدب نحن نُلمّح ولا نُصرّح! وما جعل القصة تبدو كأنها مذكرات وليست قصة قصيرة، هو أنها بدأت بفكرة: (يستلهم حياة متحركة من وجودهم الحي لتشحن حياته الجامدة) وانتهت في (ص 12) بنفس الفكرة حرفياً: (نستلهم حياة متحركة من وجودهم الحي، علّها تشحن حياتينا الجامدتين).

أستطيع أن أسمعكِ الآن، مدام فيحاء، تدافعين عن هذا الدوران السردي بابتسامة واثقة قائلة: "يا عزيزي، أنت لا تفهم (الانتظار البيكيتي)! هذه قصة عبثية تشبه (انتظار غودو)، حيث البداية هي النهاية ولا شيء يحدث!". يا للروعة! بصفتي أعيش في باريس، عاصمة الفن التي عُرضت فيها مسرحية صموئيل بيكيت لأول مرة، اسمحيلّي أن أقول لكِ إن العبث عند بيكيت (L Absurde) هو حالة فلسفية عميقة صِيغت بلغة عبقرية ومدروسة، وليس مبرراً للترهل! بيكيت جعل أبطاله يدورون في حلقة مفرغة نعم، لكنه لم يقع في خطأ (النسخ واللصق)، ولم يجعل شخصياته تتحدث بمصطلحات أكاديمية جافة، ومن المستحيل أن يقتل الغموض بأن يجعل شخصياته تشرح للمشاهد بأسلوب تقريري فج أنها تعيش وهماً! الفكرة الفلسفية الكبرى تحتاج إلى أدوات لغوية كبرى وأنيقة لتحملها.

عزيزتي الكاتبة، صدقيني لا أكتب لكِ هذا الكلام إلا لغيرتي على الأدب، ومحبتي للصورة المشرقة التي ظهرتِ بها في الأمسية. العيش في المهجر لا يبرر لنا أبداً التهاون في لغتنا الأم.

أتمنى أن تتقبلي نقدي بصدر رحب وابتسامة، وأن يكون جرس إنذار لدار النشر لتهتم بنصوصكِ أكثر؛ فالميكروفونات تحتمل التنظيرات، لكن الورق يحتاج إلى عناية فائقة.

Avec tout mon respect et mon amitié، قارئكِ المحب من باريس.



#ايلي_خوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قمة السلام… برعاية صناعة السلاح
- رواية -سوناتا الغراب- لفيحاء السامرائي: دراسة نقدية في البنا ...


المزيد.....




- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ايلي خوري - دردشة من القلب حول -ظلال لاسعة-.. بين سحر التنظير وواقع الورق