شاكر محمود محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 09:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يؤسس التعريفُ الإبستمولوجي للوهم السياسي كـ ظاهرة في إنتاج المعرفة لتحوّلٍ جذري في تشخيص الفشل السياسي. فهو لا يُحصره في حقل الممارسة ( قرارات خاطئة أو إخفاقات تنفيذية ) بل ينقله إلى حقل المعرفة ذاتها (منظومة معرفية خائبة). هذا الانتقال من «الخطأ التنفيذي» إلى «الخلل المعرفي» هو جوهر التحول الذي يفرضه المنظور الإبستمولوجي، دون أن يُلغي أهمية العوامل المادية والهيكلية.
ينتج عن هذا التحول نقلٌ استراتيجي في بؤرة السؤال: من السؤال الماهوي المغلق (ما هي الحقيقة السياسية؟) الذي يُكرِّس الجدال بين يقينيات متصارعة، إلى السؤال المنهجي المفتوح (كيف تُنتَج الحقيقة السياسية؟). هنا يتحول التركيز من محتوى المعرفة إلى عملية بنائها، ومن البحث عن الحقيقة كمعطًى نهائي إلى تحليل آلية إنتاجها كفعلٍ تاريخي واجتماعي.
وبالتالي، يصبح تشخيص الفشل السياسي عملاً تفكيكياً للبنى المعرفية الكامنة التي تُنتج الخيارات وتُضفي عليها الشرعية. فالمشكلة ليست في القرارات الخاطئة بحد ذاتها فحسب، بل في النظام المعرفي الذي يجعلها تبدو معقولة أو حتى حتمية. بناءً عليه، فإن أي حل جذري يتطلب مراجعة نقدية للأدوات والمسلمات التي تتحكم في إنتاج معرفتنا بالواقع السياسي، والعمل على تطوير منهجية أكثر شفافية وتعددية في قراءة هذا الواقع.
أما فيما يخص الوهم السياسي العراقي وطريقة فهم المجتمع العراقي للفشل السياسي، فسنقوم بتناولها من خلال ما يلي:
لقد عاش العراق، ولأكثر من نصف قرن، في حالة من الاستعصاء السياسي. فطوال هذه الفترة، غالباً ما تم التعامل مع أزماته كأحداث منفصلة: حرب هنا، فساد هناك، نزاعات عشائرية، إرهاب هنا، سلاح خارج إطار الدولة، صراعات طائفية، نزاعات داخلية. لكن ما بين أيدينا هو عدة أعراض لنرى المشكلة الحقيقية: ليست في الأحداث نفسها فقط، بل في التفاعل بين بنى القوة المادية والتاريخية من جهة، والنظام المعرفي المشوه الذي يعيد إنتاج هذه الأزمات ويمنع حلها من جهة أخرى.
في ضوء ما تقدّم، سنقوم بالتحليل:
1- إعادة صياغة المشكلة: لا نقف عند سؤال "ماذا حدث؟" بل ننتقل إلى "كيف نفهم ما حدث، وما هو الإطار الفكري الذي ينتج هذا الفهم؟". هذه نقلة نوعية. فأغلب الخطاب السائد عندما يُسأل عن أسباب فشل العراق، يُجيب: "العراق فشل بسبب الطائفية أو بسبب الفساد". وهذه إجابة جزئية تُركز على الأعراض. التحليل الأعمق يقتضي القول: "العراق يعاني لأن نظامه السياسي القائم على المحاصصة ينتج معرفةً سياسية مشوّهة تبرر الطائفية وتطبع الفساد، وتتفاعل هذه المعرفة مع مصالح مادية ضيقة لتشكل حلقة مفرغة".
يتطلب منا التحليل الآن الانتقال إلى التفصيل: الطائفية ليست سبباً أولياً منعزلاً، بل هي أيديولوجيا هيمنة ونتاج لاختيارات سياسية تأسيسية (كالمحاصصة) تحوّلت إلى نظام معرفي يقسم كل شيء إلى "شيعي/سني/كردي" قبل أن يُفكر فيه. وهذا النظام تم تدعيمه بشكل مؤسسي من خلال تقسيم المناصب ووضع المعايير الطائفية والهوياتية بدلاً من الكفاءة والخبرة. كما عملت الأحزاب المهيمنة على حكم القبضة على العملية السياسية، خاصة بعد ثورة تشرين ودخول مستقلين إلى البرلمان، حيث تم تغيير نظام الدوائر الانتخابية لصالح الهيمنة الحزبية، وإعادة إنتاج الخطاب الطائفي في الانتخابات لزيادة نسبة المشاركة في الانتخابات (تحريض طائفي) مما يؤدي الى ضمان شرعية النظام واستمرار توزيع الغنائم بين الأحزاب الكبرى الفائزة على حسب حجومها. وهنا نستنتج أن الوهم السياسي يُصنع من فوق ويُباع للمجتمع، الذي يجد نفسه أحياناً مستقطَباً أو مضطراً للتعامل معه في غياب البديل الواضح والفضاء الديمقراطي الحقيقي. أما الفساد فهو المنطق العملي لهذا النظام، الذي يجعل الغنيمة الهدفَ المركزي للسياسة.
ننتقل الآن إلى دور الإعلام العراقي كأداة فاعلة في هذه المعادلة: نرى أن الإعلام العراقي يمارس السلطة الرمزية من خلال آليات إنتاج الوهم التالية:
1- إعادة التسمية والتلطيف:
يصف "الفشل" على أنه "تحديات".
ويصوّر "الفساد" على أنه "هفوات" أو "أخطاء غير مقصودة".
ويُبرر "انهيار الخدمات" على أنها نتيجة "ظروف صعبة".
2- صناعة الرموز الوهمية وإعادة التدوير:
يرفع السياسي الفاشل إلى مرتبة "البطل" لمجرد دفاعه الانتقائي عن هوية طائفية أو إثنية.
و يسمّي "نهب المال العام" بـ "توزيع استحقاقات".
و يحوّل "عجز الدولة" إلى "مؤامرة خارجية" دائمة، لإعفاء الداخل من المسؤولية.
3- تأبيد الطائفية وتكريس الانقسام:
يضع كل حدث في قالب طائفي أولي.
يصور أي نقد – مهما كان بناءً – على أنه خيانة أو "طعنة في الظهر".
ينسب النجاحات الفردية النادرة إلى الهوية الجماعية لا إلى الكفاءة الشخصية.
4- الخطاب الأخلاقي الزائف والتضليل: وهو من أخطر الآليات، حيث يُستبدل نقاش السياسات والمؤسسات بنقاش النوايا والأخلاقيات الشخصية. فبدلاً من الإجابة على سؤال: "كيف نبني نظاماً للشفافية؟" يُحوّل الجواب إلى سجال عن: "من الأكثر نزاهة؟". النتيجة: تُهدر الطاقات في محاكمة النوايا الوهمية بدل بناء المؤسسات، وتتحول السياسة إلى مسرح أخلاقي شكلي يُستخدم فيه الخطاب الأخلاقي لتبرير الفشل وتصفية الخصوم.
5- الدور الاجتماعي في تلقي الوهم وإعادة إنتاجه: (مع التأكيد أن المجتمع ليس شريكاً متساوياً في السلطة)
ينبع من هنا السؤال: كيف يتفاعل المجتمع العراقي مع آلة الوهم هذه؟
و يحدث ذلك من خلال:
1- الاستثمار العاطفي في الهوية والانتماء الضيق: قد يدافع الفرد عن سياسي فاسد لأنه "من طائفته" أو عشيرته أو مدينته، في عملية دفاع عن الهوية تُقدّم على محاسبة الأداء. كما ينتشر تبرير الفشل بحجة أن المسؤول "أقل شراً من الآخر" في معادلة يخسر فيها الجميع.
2- ثقافة "الخلاص الفردي" وانتظار المعجزة: يتجلى هذا في انتظار "القائد المنقذ" الفرد، بدل الإيمان بالعمل المؤسسي الجماعي والتراكمي. وهو ما يرتبط بتصديق الوعود المستحيلة والخطابات الشعبوية التي تبيع حلولاً سحرية لمشاكل بنيوية.
3- الذاكرة الانتقائية المُسيَّسة: التي تنتقي من التاريخ ما يخدم الرواية الهوياتية السائدة، وتتناسى ما يعارضها، محوّلةً التراث التاريخي إلى مخزون أحقاد بدلاً من كونها رصيد خبرة جماعية.
النقطة الأهم: كيف يغير هذا الفهم إدراكنا لجذور الفشل السياسي؟
التحول الأول: من تشخيص فشل "الأحداث" المنعزلة إلى تحليل فشل "العقلية والهيكلية المُنتِجة للأزمة".
التحول الثاني: الفشل ليس حادثاً عابراً بل هو الناتج الطبيعي للنظام القائم. "حتى حين تتغير النخب أو الأحزاب، تبقى أنماط التفكير والمصالح المُؤسَّسة ذاتها قادرة على استيعاب التغييرات الشكلية وإفراغها من مضمونها". هذا يعني:
تغيير الأشخاص لا يكفي.
تغيير الأحزاب ضمن نفس القواعد لا يكفي.
حتى تغيير الدستور أو النظام السياسي بشكل شكلي قد لا يكفي، إذا استمرت علاقات القوة والثقافة السياسية والاقتصاد الريعي التي تغذي هذا النظام.
لأن المشكلة في الدائرة المفرغة التي تجمع بين المصالح المادية الضيقة والنظام المعرفي التبريري.
التحول الثالث: المسؤولية مُرتَّبة وليست مُتساوية. مسؤولية الطبقة الحاكمة مُطلقة وأساسية، لأنها:
1- صممت النظام المؤسسي والمعرفي وأبقت عليه.
2- حوّلت أجهزة الدولة والإعلام إلى أدوات لإنتاج الوهم وحماية الامتياز.
3- استثمرت الخطاب الأخلاقي والديني والهوياتي للتضليل وإعاقة تكون وعي نقدي بديل.
كسر هذه الحلقة يتطلب عملية مركبة وطويلة:
المرحلة الأولى: التفكيك النقدي والوعي بالذات الجمعية: فضح آليات الوهم وتشريحها، وفهم التاريخ بمنظور نقدي يحرره من الأسطرة (الاسطورة) والانتقائية.
المرحلة الثانية: بناء بدائل معرفية ومؤسسية موازية: وهذا يشمل:
1- إصلاح اللغة والمفاهيم: استعادة المعاني الحقيقية لمفاهيم المواطنة والإصلاح والمساءلة، وربط الخطاب بالبرامج والأداء لا بالشعارات والنوايا. تحويل النقاش من "من؟" إلى "كيف؟".
2- خلق مؤسسات معرفية مستقلة: دعم إعلام حرّ وجاد، وتشجيع مراكز أبحاث موضوعية، وإصلاح النظام التعليمي لتعزيز التفكير النقدي والمنطق العلمي والمواطنة المتساوية. هذه المؤسسات لن تنشط في فراغ، بل تحتاج لحماية قانونية وفضاء عام يتسع للحوار.
3- تغيير الحوافز: يجب أن تصبح الموضوعية والكفاءة والمصلحة العامة معاييرَ للنجاح الاجتماعي والاحترام، بينما يجب محاسبة خطاب الكراهية والتضليل المؤسسي.
المرحلة الثالثة: الانتقال من الرفض إلى اقتراح البديل: "القدرة على رفض الواقع الفاسد لا تعني تلقائياً القدرة على بناء بديل قابل للتطبيق". لذلك يجب تحويل الطاقة الاحتجاجية إلى طاقة تأسيسية:
من شعار "إسقاط النظام" إلى سؤال "ما هي مكونات النظام البديل، وكيف نبنيه؟".
من شعار "محاربة الفساد" إلى تصميم "آليات مؤسسية تمنع الفساد منذ البداية (الشفافية، الرقابة، المحاسبة)".
من مطلب "نريد خدمات" إلى اقتراح "نماذج لإدارة القطاعات الخدمية بكفاءة وعدالة".
الخلاصة: العراق بين نمطين من الهيمنة الفاشلة
نمط الهيمنة القديم (ما قبل 2003): كان قائماً على دولة الحزب الواحد الشمولية، التي أنتجت معرفةً أحادية وقمعت الاختلاف، وخلطت بين الحزب والدولة والأمة.
نمط الهيمنة الحالي (ما بعد 2003): يقوم على دولة المحاصصة الهشة، التي أنتجت معرفةً طائفيةً ومحصصة، وخلطت بين الهوية والكفاءة، وحوّلت الدولة إلى ساحة لتوزيع الغنائم وصراع النخب.
الضرورة التاريخية: الانتقال إلى دولة المؤسسات والمواطنة، دولة تنتج معرفةً موضوعية وقراراتها قائمة على:
1- المصلحة العامة الوطنية كمقياس أعلى، لا المصلحة الطائفية أو الحزبية الضيقة.
2- الكفاءة والنزاهة معاييراً للاختيار والترقية، لا الانتماء والولاء الشخصي.
3- المساءلة والشفافية كآليات عمل روتينية، لا الاستثناء.
4- التعلم من التجربة والتقييم المستمر، لا تكرار الأخطاء وتبرير الفشل.
ختاماً: معركة العراق تتطلب انتقالاً نوعياً في الثقافة السياسية من:
· الخطاب العاطفي والشعبوي إلى التحليل العقلاني والعلمي.
· الولاءات الأولية (طائفة، عشيرة) إلى الانتماء الوطني والمؤسسي.
· انتظار المنقذ الفرد إلى الإيمان بالعمل الجماعي المؤسسي التراكمي.
· ثقافة المؤامرة وإلقاء اللوم على الخارج إلى ثقافة المسؤولية والمحاسبة الداخلية.
الوهم السياسي العراقي لن ينكسر بخطاب جديد يردد الشعارات القديمة بثوب جديد، بل بعقلية جديدة ومنظومة قيم جديدة تنتج خطاباً مختلفاً، وتطالب بمؤسسات مختلفة، وتصوغ سياسة مختلفة. وهذا المشروع يبدأ عندما نفهم أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول "من يحكم غداً"، بل حول "كيف نفكر في الدولة والمجتمع والمواطنة، وما هي القواعد التي نريد أن تحكمنا". إنها معركة على الرواية والمشروعية، وهي جزء لا يتجزأ من المعركة على السلطة والموارد.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟