أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إيروس إيتيرنوس - عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي















المزيد.....

عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي


إيروس إيتيرنوس

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 09:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تبدأ رحلة السقوط في فخ الأيديولوجيا حين يتحول المثقف من باحث عن الحقيقة إلى مهندس لصناعة الأوهام التي تداعب خيال الجماهير الجريحة والمأزومة حضارياً. في هذا السياق، يبرز اسم عبد الوهاب المسيري كأحد أكبر سدنة هذه الأوهام في العصر الحديث، حيث استطاع عبر موسوعته الضخمة ومنهجه "التفكيكي" المزعوم أن يبني صرحاً من الأكاذيب الفلسفية التي تهدف في جوهرها إلى تخدير العقل العربي والمسلم ومنعه من مواجهة الواقع المرير. إن المنهج الذي اتبعه المسيري ليس منهجاً علمياً يسعى لفهم الظاهرة الصهيونية أو الغربية في سياقها التاريخي والموضوعي، بل هو عملية انتقاء جراحية تهدف إلى تطويع الحقائق لتناسب قوالب ذهنية مسبقة الصنع، حيث يتم استبدال البحث المعرفي الرصين بما أطلق عليه "النماذج التفسيرية"، وهي في حقيقتها ليست سوى قيود فكرية تمنع الرؤية الشاملة وتكتفي بما يخدم السردية الإسلامية والعروبية المتآكلة.
لقد برع المسيري في استخدام لغة فلسفية معقدة ومصطلحات فضفاضة مثل "الحلولية" و"النزعة المادية" و"تجاوز الحداثة"، ليعطي لخطابه مسحة من القداسة الأكاديمية التي ترهب القارئ البسيط وتجعله يسلم بصحة النتائج دون فحص المقدمات. إن الخدعة الكبرى في منهج المسيري تكمن في قدرته على عزل الظواهر عن سياقها الإنساني الحي وتحويلها إلى أرقام أو "وظائف" في آلة كونية متخيلة. ففي رؤيته لإسرائيل، لم يرتكب المسيري خطأً في التقدير فحسب، بل مارس نوعاً من "السيكوباتية السياسية" التي تنزع الصفة الإنسانية والذاتية عن الخصم، محولاً مجتمعاً كاملاً إلى مجرد "كيان وظيفي" لا إرادة له ولا تاريخ مستقل. هذا التحليل الوظيفي هو حجر الزاوية في مشروعه التضليلي، حيث يزعم أن إسرائيل ليست دولة قومية لشعب يمتلك رؤية وتطلعات وقوة ذاتية، بل هي مجرد "أداة" استعمارية صنعها الغرب للتخلص من "الفائض البشري اليهودي" ولحماية مصالحه في المنطقة.
إن ترويج فكرة "الدولة الوظيفية" هو نوع من الاستعلاء الأخلاقي المزيف الذي يسعى لتطمين الجماهير العربية بأن عدوها ليس قوياً بذاته، بل هو "مستأجر" سينتهي دوره بمجرد انتهاء حاجة الممول الغربي له. هذه الرؤية تتجاهل عمداً وبشكل يثير الريبة التطور المجتمعي المذهل داخل إسرائيل، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والقدرة على بناء مؤسسات ديمقراطية متينة (لمجتمعها) تفوقت بها على محيطها العربي بمراحل ضوئية. المسيري في "سيكوباتيته السياسية" يرفض الاعتراف بهذه الحقائق لأنها تعني ضرورة نقد الذات العربية والإسلامية الفاشلة، وبدلاً من ذلك يبيع للقارئ مخدر "الزوال الحتمي" بناءً على متتاليات هندسية ونماذج تفسيرية لا وجود لها إلا في عقله المهووس بتأطير العالم داخل صراع "المادة والروح". إن هذا التغافل عن القوة الذاتية للآخر هو ما يجعل القارئ العربي ينتظر سقوط الثمرة دون أن يتحرك، معتقداً أن "النموذج" سيأكل نفسه من الداخل، بينما الواقع يثبت يومياً أن هذا النموذج يتمدد ويتطور بينما ينغمس أتباع المسيري في قراءات تأويلية لا تسمن ولا تغني من جوع.
علاوة على ذلك، يظهر "الانحياز التأكيدي" في منهج المسيري بأبشع صوره حين يتعامل مع المصادر التاريخية واليهودية. فهو لا يقرأ التاريخ ليفهمه، بل "ينتفه" لينتزع منه ما يثبت نظريته مسبقة الصنع. هو يعتمد بشكل مفرط على آراء الهامش اليهودي المعادي للصهيونية أو المؤرخين الجدد الذين يخدمون سرديته، ويقدمهم للقارئ العربي على أنهم "صوت الحق" والوعي الحقيقي، متجاهلاً الأغلبية الساحقة والوعي القومي العام الذي يحرك دولة إسرائيل. هذا الأسلوب الانتقائي هو تزييف للوعي الجمعي، حيث يوهم المسيري قراءه بأن هناك انقساماً جذرياً سيؤدي للانهيار، بينما هو يغمض عينيه عن الانقسامات الأعمق والدموية في مجتمعاتنا الإسلامية التي يبشر بنموذجها. إن "صنم التفكيك" الذي نصبه المسيري لم يكن يهدف لتفكيك الصهيونية بقدر ما كان يهدف لتفكيك قدرة العقل العربي على الرؤية الموضوعية، واستبدالها بنظارات أيديولوجية ترى في كل نجاح للآخر "مؤامرة" وفي كل فشل لنا "ابتلاء" أو "مرحلة عابرة".
إن الخطورة في خطاب المسيري تكمن في كونه قدم "الجهل المقدس" في ثوب "المعرفة المركبة". فهو يقنع القارئ بأن الفهم البسيط للواقع هو "سطحية مادية"، بينما الفهم الحقيقي هو الغوص في "ما وراء المادة" والبحث عن "النموذج الكامن". هذا النوع من الفكر هو الذي يشرعن الفشل؛ فإذا كانت إسرائيل تكنولوجيا قوية، يقول لك المسيري إن هذا "تقدم مادي خالٍ من القيمة"، وإذا كانت منتصرة عسكرياً، يقول لك إنها "قاعدة وظيفية"، وهكذا يستمر في بناء جدران من الكلمات تحمي الأنا العربية من صدمة الحقيقة. إن المسيري في جوهره لم يكن مهتماً بالعدالة أو بحقوق الإنسان، بل كان مهتماً بانتصار "المركزية الإسلامية" بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الكذب على الذات وتزييف طبيعة الصراع. لقد حول الصراع من مواجهة بين مشروعات قومية وقوى واقعية على الأرض إلى "حرب أيقونات" ونماذج تجريدية، وهو ما يجعل مشروعه يصب في مصلحة الأنظمة القمعية التي تجد في "نظريات المؤامرة" و"الأدوار الوظيفية" مبرراً لبقائها وفشلها في تحقيق أي إنجاز حقيقي لمواطنيها.
في نهاية المطاف، يجب القول إن عبد الوهاب المسيري قد خان الأمانة العلمية حين قرر أن يكون "مبشراً" بدلاً من أن يكون "باحثاً". إن صنم التفكيك الذي عبده أجيال من المثقفين العرب يجب أن يُحطم، لأن استمراره يعني بقاء العقل العربي سجيناً للأكاذيب التي تمنع الإصلاح. إن مواجهة الصهيونية أو أي تحدٍ حضاري لا تبدأ بإنكار قوة الخصم أو تحويله لـ "وظيفة" عابرة، بل تبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، وبقدرة الإنسان على الفعل والابتكار بعيداً عن الغيبيات السياسية والنماذج التفسيرية الخادعة. إن التحرر من سيكوباتية المسيري هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوعي بالذات وبالآخر، بعيداً عن مساحيق التجميل التي حاولت إخفاء بشاعة الفشل العربي خلف ستار كثيف من المصطلحات الفلسفية الجوفاء التي لم تفلح إلا في تعميق الهزيمة وجعلها هزيمة فكرية ونفسية شاملة.

للإطلاع على بقية مقالاتي ونصوصي غير المنشورة: https://pdfs-free.blogspot.com



#إيروس_إيتيرنوس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زواج المتناقضات المسموم: كيف صار اليسار و-مجتمع الميم- دروعا ...
- تأريخ التوحش الأيديولوجي: السيوف المسلولة باسم الرفاق ونفاق ...
- انتحار العقل: قصة اليسار الذي مهد الطريق للمشنقة بيده في إير ...


المزيد.....




- وزير الإعلام الباكستاني: مقتل 133 عنصرا من حركة طالبان الأفغ ...
- وزارة الإعلام الباكستانية: أقدمت حركة طالبان الأفغانية على ...
- قوات الاحتلال تعتقل الصحفي المقدسي أحمد جلاجل من داخل المسجد ...
- من الاستحياء إلى الإلحاح.. كيف رأى أئمة الإسلام أهمية الدعاء ...
- هندسة التهويد في المسجد الإبراهيمي: ثلاثة عقود من الحصار وتص ...
- هل اقترب إغلاق المسجد الأقصى؟
- بابا الفاتيكان يحذر الكهنة: لا وعظ بالذكاء الاصطناعي
- قائد القوات البرية في الجيش الإيراني: قواتنا ستدافع عن النظا ...
- واشنطن وطهران: الرقص على حافة الهاوية.. هل تستسلم الجمهورية ...
- الأردن يطلب تغيير اسم حزب جبهة العمل المرتبط بالإخوان


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إيروس إيتيرنوس - عبد الوهاب المسيري، السيكوبات السياسي: صنم التفكيك وأسطورة التحليل الوظيفي