أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إيروس إيتيرنوس - انتحار العقل: قصة اليسار الذي مهد الطريق للمشنقة بيده في إيران















المزيد.....

انتحار العقل: قصة اليسار الذي مهد الطريق للمشنقة بيده في إيران


إيروس إيتيرنوس

الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 08:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يمثل تاريخ التحالف بين اليسار الإيراني والحركة الخمينية في نهاية السبعينيات واحداً من أكثر الدروس قسوة في تاريخ السياسة العالمية، وهو درس يبدو أن اليساريين المعاصرين يأبون استيعابه. إنها قصة تبدأ بالهتاف المشترك وتنتهي بصوت فتح "طبلية" المشنقة تحت أقدام الرفاق الذين اعتقدوا واهمين أن "الإرهابي المتدين" يمكن أن يكون شريكاً في بناء وطن. هذا المقال ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو تشريح لعقلية يسارية وصولية ومنافقة، تعميها كراهية الغرب عن رؤية السكين التي تُشحذ لذبحها.
في عام 1978، كان اليسار الإيراني، بمختلف أطيافه من "حزب توده" الشيوعي (الموالي لموسكو) إلى منظمة "مجاهدي خلق" (التي مزجت الماركسية بالإسلام) ومنظمة "فدائيي خلق" (الماوية والراديكالية)، يمتلك ترسانة من المنظرين والمثقفين. لكن هؤلاء جميعاً وقعوا في "خطيئة كبرى" وهي تبني منطق "العدو المشترك". بالنسبة لهم، كان الشاه يمثل "الإمبريالية"، وكان الخميني يرفع شعارات معادية لأمريكا، فقرر اليسار بكل غباء أن يضع مقدراته تحت تصرف رجل لا يؤمن أصلاً بحقهم في الوجود. هنا يبرز التساؤل: هل كان هؤلاء حمقى؟ أم أن نفاقهم السياسي جعلهم يعتقدون أنهم قادرون على "ركوب موجة" التدين ثم القضاء عليها؟ الواقع أثبت أن الإرهابي المتدين الذي يؤمن بجزاء في حياة أخرى خرافية يمتلك صلابة في القمع لا يمتلكها "المناضل" الذي يكتفي بالتنظير في المقاهي.
عندما عاد الخميني في فبراير 1979، كان اليساريون هم من استقبله بالهتافات في مطار طهران. لقد قدموا له الغطاء الشعبي والفكري، وصوروا "ولاية الفقيه" للعالم على أنها "ثورة شعبية تقدمية". "نور الدين كيانوري"، السكرتير العام لحزب توده، ذهب إلى أبعد مدى في النفاق عندما أعلن أن "سياسات الإمام الخميني تتفق مع تطلعات الطبقة العاملة". لم يكن هذا جهلاً، بل كان وصولية رخيصة تهدف لحجز مقعد في السلطة الجديدة، متجاهلين أن الأدبيات الدينية التي انطلقت منها الثورة تعتبر "الماديين" و"الملحدين" نجساً يجب تطهيره.
بدأ الانقلاب الحقيقي فور استقرار السلطة. ففي مارس 1979، أي بعد شهر واحد من الثورة، بدأت حملات القمع ضد الحريات الشخصية وفرض الحجاب. والمثير للسخرية والمرارة أن بعض الفصائل اليسارية بررت ذلك بحجة أن "المعركة الأساسية هي ضد الإمبريالية"، وأن هذه "هوامش لا تهم". هذا النفاق الأخلاقي جعلهم يصمتون عن إعدام جنرالات الشاه دون محاكمات عادلة، ولم يدركوا أن الدور سيأتي عليهم. في عام 1980، بدأت "الثورة الثقافية" في الجامعات الإيرانية، وهي نسخة كربونية من تجربة ماو تسي تونغ، لكن بصبغة دينية. تم طرد آلاف الطلاب والأساتذة اليساريين، وتعرضت مقراتهم للهجوم من قبل "الحرس الثوري" الذي كان اليسار نفسه قد بارك تأسيسه كـ "قوة شعبية".
الأمثلة على الغدر والغباء اليساري لا تنتهي. منظمة "مجاهدي خلق"، التي كانت القوة الضاربة في الشوارع، وجدت نفسها في عام 1981 في مواجهة دموية مع النظام الذي ساعدت في بنائه. تم إعدام الآلاف من أعضائها في شوارع طهران، وفر قادتها مثل مسعود رجوي إلى الخارج. أما "حزب توده" الذي ظل يلعق أحذية السلطة حتى عام 1983 ظناً منه أن ولائه لموسكو سيحميه، فقد نال جزاءه بطريقة مهينة. تم اعتقال قيادات الحزب بالكامل، وظهر "نور الدين كيانوري" و"إحسان طبري" (المنظر الماركسي الأكبر) على شاشات التلفزيون في اعترافات قسرية مذلة، يعلنون فيها "توبتهم" عن الماركسية واعتناقهم للإسلام السياسي، معترفين بأنهم كانوا "جواسيس للسوفييت".
لماذا يتحالف اليساري مع الإرهابي المتدين؟ الإجابة تكمن في "التعويض النفسي" و"النفعية المتبادلة". الإرهابي المتدين يمتلك قوة اندفاعية نابعة من إيمانه بخرافات الشهادة والجنة، وهو ما يفتقده اليساري "الصالوني". لذا، يستخدم اليسار هؤلاء الإرهابيين كـ "قوة تدميرية" للمجتمعات القائمة، معتقداً أنه سيحكم فوق الركام. لكن التاريخ يثبت أن "الراديكالية الدينية" لا تقبل الشراكة. بالنسبة للخميني، كان اليساريون "كفاراً" استخدمهم كجسر للعبور، وفور وصوله للضفة الأخرى، حطم الجسر وألقى بمن عليه في النهر.
إن ذروة الجريمة وقعت في عام 1988، فيما يعرف بـ "مجزرة السجون". بفتوى من الخميني، تم إعدام ما بين 5000 إلى 30000 سجينة وسجين سياسي، أغلبهم من اليساريين ومجاهدي خلق، في غضون أسابيع قليلة. كانت "لجان الموت" تسأل السجين سؤالاً واحداً: "هل تؤمن بالجمهورية الإسلامية؟ هل أنت مستعد للتبرؤ من أفكارك الماركسية؟". ومن كان يرفض، كان يُرسل فوراً إلى المشنقة. هؤلاء الذين أُعدموا هم أنفسهم الذين كانوا قبل سنوات يوزعون منشورات تمجد "ثورة الإمام". أليس هذا هو التعريف الحرفي للحماقة؟
اليساريون المعاصرون في الغرب والشرق لا يتعلمون. هم يكررون نفس النفاق اليوم عبر تبرير أفعال ميليشيات إرهابية دينية في المنطقة العربية، بحجة أنها "تقاوم الإمبريالية". إنهم يقدمون الدعم لمن سيقطع رؤوسهم أولاً لو تمكن من السلطة. هذا السلوك يثبت أن اليسار ليس حركة "مبادئ"، بل هو "حالة حقد" ضد النموذج الغربي الناجح. هذا الحقد يجعله مستعداً للتحالف مع قوى ظلامية تؤمن بعودة العصور الوسطى، فقط لأن هذه القوى تشتم أمريكا.
المفارقة المضحكة المبكية هي أن الإرهابي المتدين "متسق مع نفسه"؛ فهو يعلن صراحة أنه يريد تطبيق الشريعة وقتل المرتدين. أما اليساري فهو "المنافق الأكبر"؛ لأنه يدعي العلمانية والديمقراطية ثم يساند من ينسف هذه القيم من جذورها. إن تبرير اليسار للإرهاب الديني هو فعل "تخريبي" للحياة، لأن اليساري يدرك (في قرارة نفسه) أن هذه الأفكار الدينية خرافات، ومع ذلك يستخدمها لتدمير الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
إن التاريخ يصرخ في وجه كل يساري: "من يتحالف مع التمساح لا يلومنه حين يأكله". إن الديكتاتورية الفاشية الإيرانية لم تكن لتنتصر لولا "المغفلين النافعين" من اليساريين. واليوم، نرى نفس "المغفلين" في جامعات باريس ونيويورك وعواصم العرب يبررون لجرائم طهران ووكلاءها، وكأنهم يجهزون المشانق لأنفسهم مرة أخرى. إنها حلقة مفرغة من الوصولية والغباء، حيث يتم التضحية بالإنسان الواقعي وبقيم الحرية الحقيقية على مذبح صنم "مناهضة الإمبريالية".
في الختام، يظل اليسار شريكاً أصيلاً في كل قطرة دم سقطت في إيران منذ 1979 وحتى اليوم، لأنه هو من أعطى الشرعية للهمجية، وهو من خان شعبه من أجل أوهام أيديولوجية. إن التحالف بين "المطرقة والسندان" وبين "المصحف والمنجل" لم ينتج سوى مقابر جماعية، ولن يتعلم اليساريون أبداً، لأنهم لا يهتمون بالإنسان بقدر اهتمامهم بانتصار شعاراتهم، حتى لو كان هذا الانتصار يعني فناءهم هم أنفسهم.


للإطلاع على بقية مقالاتي ونصوصي السابقة: https://pdfs-free.blogspot.com
.



#إيروس_إيتيرنوس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتحار العقل: قصة اليسار الذي مهد الطريق للمشنقة بيده في إير ...


المزيد.....




- واشنطن وطهران: الرقص على حافة الهاوية.. هل تستسلم الجمهورية ...
- الأردن يطلب تغيير اسم حزب جبهة العمل المرتبط بالإخوان
- تردد قناة طيور الجنة وطيور بيبي 2026: استمتع بمحتوى أطفال آم ...
- إيران: ملتزمون بفتوى خامنئي بعدم امتلاك سلاح نووي
- بنك فلسطين يوقّع اتفاقية شراكة مع مستشفى جمعية المقاصد الخير ...
- -مدينة الألف مئذنة-.. صور ترصد الجمال الخفي للعمارة الإسلامي ...
- من موناكو إلى الجزائر فجزر الكناري.. بابا الفاتيكان يطلق جول ...
- السفيرة سلفيا أبو لبن تلتقي بعضو مجلس رئاسة البوسنة والهرسك ...
- تتضمن الجزائر للمرة الأولى.. الفاتيكان يعلن عن جولة خارجية ل ...
- رغم مخالفات قانونية ودستورية شابت القضية.. -الاستئناف- تؤيد ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إيروس إيتيرنوس - انتحار العقل: قصة اليسار الذي مهد الطريق للمشنقة بيده في إيران