|
|
نيوليبرالية حمدوك - البدوي و تقويض التحول الديمقراطي -السودان ٢٠١٩٢٠٢١
طارق بشري
الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 10:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نيوليبرالية حمدوك - البدوي و تقويض التحول الديمقراطي (ما أن يقام مجتمع ديمقراطي حتي يدمر السوق الحر ميلتون فريدمان-(Mont Pelerin Society١٩٩٠))
طارق بشري(شبين) في هذا المقال نود أن نتناول بالتحليل الملموس موضوع العلاقة الجدلية بين النيوليبرالية و إشكالية التحول أو الانتقال الديمقراطي في السودان عشية ثورة ١٩ ديسمبر. و بتحديد آخر نود القول و عيننا في الواقع الملموس لتجربة الفترة الانتقالية -شراكة قوي الحرية والتغيير(قحت) و اللجنة الامنية لنظام المؤتمر الوطني و التي بموجبها تم قيام حكومة الفترة الانتقالية بقيادة حمدوك وفق الوثيقة الدستورية و التي أسست الي الشراكة بين الشق العسكري بقيادة الجنرال البرهان و الشق المدني بقيادة (قحت).و فيما بعد تم تشكيل الحكومة الانتقالية و التي اختارت ان تتبني الطاقم بقيادة حمدوك و ابراهيم البدوي لذات سياسات النيوليبرالية ايام نظام الموتمر الوطني-تلك السياسات التي تمت هندستها بقيادة حمدي عبد الرحيم و من بعده…في هذا المقال نبدو معنيين بهذا الموديل النيوليبرالي و نقد أسسه النظرية الفكرية و بشكل أدق نقد المدرسة الاقتصادية النيوكلاسيكية(و في قادم المقالات نفرد لها حيز اوسع من النقد) باعتبارها الاساس النظري للسياسات النيوليبرالية المطبقة منذ أكثر من ٤ عقود في السودان و بما فيها فترة الانتقال الديمقراطي.. معنيين بشكل أكثر بسوال (كيف) أن السياسات النيوليبرالية -التقشف و تعويم الجنية او سعر الصرف و الخصخصة الخ نظريا و بالتجربة تقود بالضرورة إلى تقويض الانتقال الديمقراطي بغض النظر عن (حسن النوايا) إ (ن كان هناك حسن نوايا). (٢) علي المستوي النظري و عبر التجارب العديدة و بما فيها تجربة النيوليبرالية في السودان فإن النيوليبرالية بالضرورة تعمل على تقويض التحول الديمقراطية و تعمق من ازمة الديمقراطيات (الليبرالية) الراسخة.و عمليا أو قل على المستوى السياسي لا يتوقع أن تحقق أي سلطة تزعم الانتماء لثورة ١٩ ديسمبر الهدف الاستراتيجي للثورة بالتحول الديمقراطية وترسيخ الديمقراطية فيما بعد كنظام سياسي اجتماعي اقتصادي في حال تبنيها للسياسات النيوليبرالية و بخاصة شقها الاقتصادي و هذا يعني ان البرنامج الاقتصادي لقوي ١٩ ديسمبر بالضرورة (عليه) أن يتجاوز نقديا أي برنامج اقتصادي نيوليبرالي.هذا يعني ان البرنامج الاقتصادي الذي تبناه و مارسته حكومة حمدوك و طاقمه الاقتصادي - وزير المالية ابراهيم البدوي - كان بالضرورة يعمل علي عدم تحقيق الهدف الاستراتيجي للثورة نحو التحول الديمقراطي.و في باقي هذا المقال نحاول نظريا و باستدعاء بعض التجارب أن نلامس كيف أن النيوليبرالية عملت و تعمل - أنتجت وتنتج - على تقويض التحول الديمقراطي. (٣) التاريخ الطويل الممتد لأكثر من ٤ عقود اواكثر من تبني السياسات النيوليبرالية في السودان و تحت أعين ومراقبة ودعم المؤسسات الاقتصادية الدولية (ومنها صندوق النقد والبنك الدولي الخ) لتلك السياسات يدلل ان الاقتصاد السوداني كان و مازال ينتقل من في فلك أزمات الانتاج الزراعي و الصناعي و ازمات التضخم و ازمات تاكل او انخفاض قيمة الجنية مقابل الدولار الامريكي و ازمات الديون المتراكمة و ازمات المزيد من انكشاف الاقتصاد السوداني تجاه الاقتصادات الإقليمية و العالمية و أزمات الاستثمار و أزمات البطالة المتصاعدة و غيرها من الازمات و التي انعكست في تدني الظروف المعيشية ل الاغلبية الساحقة من السودانيين و في تدني الخدمات الصحية و التعليمية و بل في تدني درجات الأمان و السلامة. (٤) في أكثر من حقل نظري - علي سبيل المثال لا الحصر تنظيرات علم السياسة وعلم الانتقال الديمقراطي والاقتصاد السياسي و الماركسية- يتم تناول العلاقة التاريخية المعقدة نظريا و إيديولوجيا و اجتماعيا طبقيا بين سياسات النيوليبرالية و بخاصة التقشف المالي ومسارات حاضر و مستقبل الانتقال الديمقراطي. ففي العموم، تؤدي المديونية المرتفعة وبرامج التقشف التي تفرضها أو توصي بها المؤسسات المالية الدولية(الصندوق و البنك الدوليين و اللتين كما يشير الاقتصادي السابق بالبنك الدولي جوزيف ستغليز صمن اخرين بكونها موسستين غير ديمقراطيتين تصدر توصياتها و قراراتها في الغرف المغلقة و بعيدا عن شعوب العالم الثالث و التي تتاثر بما توصي به من سياسات و لعل تاريخ اتخاذ القرارات الاقتصادية و التي ظل يتاثر بها الاغلبية في السودان كانت تتشابه بما يتصف به البنك و الصندوق الدوليين بكونها كانت تتم في الغرف المغلقة الحزب الحاكم المؤتمر الوطني بعيدا عن الشعب و هكذا كانت قرارات حكومة حمدوك و هكذا كانو) يتماثلون مع البنك الدولي و الصندوق حتي في اسلوب و محتوي القرارات الاقتصادية ( و من الحب ما قتل ان صح القول هنا) الدولت إلى تقويض الديمقراطية الناشئة، بل وإلى نسف التحول الديمقراطي برمته.و كما اشرنا في ثنايا هذا المقال فمن الضرورة النظرية و الثورية قراءة وإعادة قراءة تلك العلاقة المعقدة نظريا و سياسيا في سياق الصراع الاجتماعي الطبقي الذي أدى إلى نسف و تقويض الانتقال الديمقراطي و بخاصة نبدو نحن معنيين بالسياسات الاقتصادية التي مورست و سوقت(من تسويق) بقيادة حكومة حمدوك. (٥) وهنا سوف نتناول بشي من الخطوط العريضة في هذا المقال بعض من تلك الآليات والسياسات التي ادت أو ساهمت في تقويض الحلم الديسمبري بنجاح الانتقال الديمقراطي و الذي اتفق وفق ميثاق قوي الحرية والتغيير يناير ٢٠١٩ على أن يكون ٣ سنوات .و عموما مما قد نتناوله بعضا من نقد الأساس النظري الفكري لمدرسة الاقتصاد النيوكلاسيكي و بما هي الأساس النظري لحصيلة التفاوض الذي تم بين الحكومة الانتقالية بقيادة حمدوك و المؤسسات الدولية(الصندوق الدولي) و السياسات النيوليبرالية و منها التقشف المالي و رفع الدعم و التعامل مع اشكالية ديون السودان وإبعاد الدولة بعيدا من التدخل الاقتصادي في مجالات الإنتاج و الصادرات و الواردات و استعادة ما نهب بفعل الخصخصة من شركات ومؤسسات القطاع العام المنتجة و الخدمية الخ.ونتناول ايضا بعض من آليات تأثير الديون وجدولتها و دفع متاخراتها و الاستمرار تقليل الانفاق الحكومي علي الخدمات الصحية و التعليمية و رفع الدعم المستمر للوقود و تحرير مزيد من قيمة الجنيه السوداني في مقابل الدولار الامريكي.. و ايضا في كيف ان تلك السياسات ساهمت بدورها في تآكل الشرعية السياسية لحكومة الفترة الانتقالية…الكتلة الاجتماعية الثورية الواسعة من الفقراء وصغار ومتوسطي المزارعين و الرعاة و العاطلين او المعطلين عن العمل و الجموع الغالبة من الطبقة الوسطى كانت تتوقع بعد اسقاط راس النظام(الجنرال البشير) أن يتم العمل على تفكيك النظام اجتماعيا و طبقيا و اقتصاديا و عدليا و تبني سياسات ترفع المعاناة الطويلة و ذات الآثار الاجتماعية السلبية العميقة التي فرضت عليها قسريا(الانقاذ فرضت قسريا السياسات النيوليبرالية منذ (١٩٩١١٩٩٢) .. كانت تتوقع عبر ثورتها الديسمبرية من حكومة الفترة الانتقالية أن تربح عقول و قلوب هذه الكتلة الاجتماعية الثائرة ضد نظام المؤتمر الوطني بقيادة البشير و ذلك باعادة المنافع الاقتصادية لصالح الاغلبية لترسيخ شرعيتها. الا انه سياسات التقشف التي مورست في الفترة الانتقالية عمقت من الاستياءً الشعبي تجاه الحكومة الانتقالية و التي كانت من هشاشتها الشراكة مع المكون العسكري(اللجنة الامنية للبشير) .و يؤدي الغضب الشعبي من تدهور مستويات المعيشة إلى موجات احتجاجية عنيفة قد تعيد القوى القديمة (كالجيش أو النخب المستفيدة من النظام السابق) إلى الواجهة بحجة «استعادة الاستقرار». يُظهر التاريخ أن برامج التكيف الهيكلي غالبًا ما تسببت ضمن عوامل و اسياب اخري في قيام الانتفاضات و الثورات الشعبية بسبب من الاثار الاجتماعية و السياسية لسياسات التقشف. (٦) ***التاريخ السياسي للنيوليبرالية و برامج اعادة الهيكلة ل الاقتصاد السوداني يشير الي ان التطبيق العملي لها كان ابتداء في ظل الحكم العسكري (نميري) في نهايات السبعينيات ١٩٧٨و يشير ايضا الي ان السنوات الطويلة لتطبيق النيوليبرالية كانت تحت الانظمة العسكرية الاستبدادية (نميري + البشير) و انها تم تطبيقها في النظام الديمقراطي مرة واحدة(حكومة الصادق المهدي ١٩٨٦١٩٨٩) و مرة واحدة في فترة الانتقال الديمقراطي (حكومة قحت بقيادة حمدوك ٢٠١٩٢٠٢١ .فالسمة الاساسية للسياسات النيوليبرالية اذن هي ثنائية النظام القسري العسكري و التطبيق العملي لها.والسمة الثالثة لتاريخ النيوليبرالية السياسي انها كانت ضمن عوامل و اسباب اخري سببا او عامل في اشعال فتيل التغيير السياسي للنظام المطبق لها. *** في مقال معنون بتاريخ ٣٠ أبريل ٢٠٢٥ :Sudan and the Politics of Debt في موقع https://africanarguments.org يشير هاري كروس إلى أنه كجزء من برنامج التكيف الهيكلي للسودان، تم تخفيض قيمة العملة الوطنية(لأول مرة منذ ٨٠ عاما سبقت) بنسبة 13 بالمائة مقابل الدولار الأمريكي…تحت حكم النميري، أدت عمليات تخفيض قيمة العملة المتعددة إلى خفض القيمة الرسمية للعملة من 2.87 دولار في عام 1978 إلى 0.40 دولار فقط بحلول عام 1985. و يسوق مثال بقوله فالسوداني الثري الذي كان يملك 100,000 جنيه سوداني(مائة الف جنيه) في البنك انذاك، كان يمتلك ما يعادل 2,870,000 دولار( اي قرابة ال ٣ مليون دولار) في عام 1978، لكن هذه الثروة انخفضت إلى 40,000 دولار فقط بعد سبع سنوات. او بمعني اخر- ففي نهاية السبعينيات (1979): بداية تخفيض الجنيه، الدولار = 0.34 جنيه.في 1983 (تطبيق قوانين سبتمبر): الدولار = 0.50 جنيه.في 1985 (قبيل الانتفاضة): الدولار = 4.90 جنيه. و هكذا تم تخفيض الجنية كجزء من سياسات التقشف و اعادة الهيكلة ابان النظام الديمقراطي القصير العمر ١٩٨٦١٩٨٩ و الي المحطة الاخيرة اثر تخفيض اثر تخفيض(١٩٨٩ كان الدولار يساوي ما يعادل ١٢ جنية وفي ديسمبر ٢٠١٨: الدولار = 52 جنيه(ما تنسي الاصفار).فثورة مارس ابريل و ثورة ١٩ ديسمبر من عوامل قيامها السياسات التقشفية المفروضة علي الاغلبية الفقيرة و المفقرة. و السياسات النيوليبرالية في فترة حمدوك ليست استثناء في تاريخ غضب و عدم قبول الاغلبية الفقيرة و المفقرة لها. و اذا ما كانت المزاوجة الثنائية بين النظام السياسي الحاكم قسريا و تطبيق النيوليبرالية كسياسة اقتصادية(في المساومة الاجتماعية الطبقية بين قوي راس المال و قوي العمل تعمل النيوليبرالية للصالح الاجتماعي المطلق ما امكن ذلك قسريا لصالح مصالح راس المال) يمكن تقديرها ما قدره ٣٧ عاما من تطبيق النيوليبرالية (٧ سنوات من نظام نميري ١٩٧٨١٩٨٥ و ٣٠ عاما (الانقاذ) من ١٩٨٩٢٠١٩ و ٣ سنوات من تطبيق النيوليبرالية في ظل النظام الديمقراطي(حكومة الصادق المهدي ١٩٨٦١٩٨٩) اي ان نسبة المزاوجة بين النظام السياسي الاستبدادي و النيوليبرالية تصل ما قدره ٩٢٪ (٣ عاما من ٣٧ عاما)من تاريخ النظام السيلسي الحاكم اي انه من المحتمل ب ٩٢٪ ان تطبق السياسات النيوليبرالية في ظل نظام سياسي استبدادي.هذا ما يبدو مفهوما وفق هذا التاريخ الترابطي بين النظام السياسي القسري(نميري+البشير) و تمرير النظام السياسي القسري لمصالحه الاجتماعية الطبقية عبر تبني السياسات النيوليبرالية و لكن من غير المفهوم(لحد ما) هو ان تتبني قوي سياسية تنتمي لثورة شعبية مقاومة ل الاثار السالبة للسياسات النيوليبرالية علي طعامها و شرابها و ملبسها و صحتها و تعليمها و سيادة بلدها و علي حريتها و بل سلامها و امانها ذات السياسات النيوليبرالية في فترة تحول او انتقال ديمقراطي و هذا يعني ان حال حكومة قحت- حمدوك و هي تعي هذا التاريخ الترابطي بين النظام القسري السياسي و النيوليبرالية يقول انها تتعامي ايدولوجيا و نظريا لعلاقة القمع و العنف السياسي و فرض النيوليبرالية و هنا يتبدي ما هو مدي اعتقادها في الديمقراطية ذاتها و كمان الثورة او انها تتتصور الثورة بكونها بس نزع الدسم القسري من النيوليبرالية و لكن هل نزع الدسم القسري منها ل يقود الي النظام القسري بالضرورة اذا تم تبني ذات السياسات النيوليبرالية.و كان حكومة الفترة الانتقالية تقول ان تعارض او تناقض النص الثوري مع النيوليبرالية فليسقط النص الثوري(برامح ثورة ١٩ ديسمبر الاقتصادية بالتحديد هنا كجزء من النص الثوري) و يبقي النص المقدس(روشتة النيوليبرالية عند حمدوك) (٧) ***تفرض سياسات التقشف خيارات سياسية واقتصادية من خارج الإرادة الشعبية، مما يفقد البرلمانات المنتخبة او الصورية سيطرتها على السياسة المالية ويحولها إلى مجرد أداة لتنفيذ سياسات مفروضة. هذا يقوض فكرة المحاسبة والمساءلة الديمقراطية.وغالبا ما تحمي سياسات التقشف مصالح الدائنين والمؤسسات المالية على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة.مما يُعمق الاستقطاب الاجتماعي على المستوى الطبقي و السردية السياسية(زيادة الفوارق الاجتماعية بخاصة على مستوى الدخل الخ) والى الحد الذي قد تستغله القوى السياسية وخاصة المعادية للديمقراطية في الانقضاض على النظام الديمقراطي او الانتقال الديمقراطي.تضييق الخيارات السياسية: تخلق السياسات الاقتصادية النيوليبرالية واقعًا سياسيا و ايدولوجيا يبدو معه أن لا بديل او مما سمعناه في الفترة الانتقالية البديل شنو او دا البديل الوحيد الواقعي، مما يقمع النقاش الديمقراطي حول بدائل سياسية واقتصادية مختلفة.و إن لم يكن من سبيل من قمع النقاش النظري فإنه قد يسمح بقيام المؤتمرات الاقتصادية الجامعة لكل المدارس الاقتصادية ذات البدائل -مثالا قيام المؤتمر الاقتصادي إبان الفترة الانتقالية سبتمبر ٢٠٢٠ لكي تتدارس البديل الاقتصادي المتفق عليه و لكن في الواقع يتم تجاوز هذا البديل الاقتصادي المتدارس(اعتباره مجرد تمرين نظري لديمقراطية التداول) حوله بتمرير البديل (المقدس):الروشتة النيوليبرالية. (٨) الوثيقة الدستورية و لعبة التراكم الرأسمالي النيوليبرالي و في فترات الانتقال الديمقراطي وبخاصة التي تقودها معادلة التسوية السياسية بين النظام السياسي القديم و بعض القوى السياسية المعارضة التي تتبنى شكل من الشراكة مع(النظام القديم) تحت تبريرات ايديولوجية محددة غالبا ما يتم صياغة الدستور الانتقالي بحيث يضمن استمرار ذات عملية التراكم الرأسمالي التي يتبناها استراتيجيا للنظام القديم و هذا مقتل جوهري للديمقراطية المنشودة بواسطة قوى التغيير الشعبي. يمكن تحديد تناقضات الديمقراطية النيوليبرالية - وفق آيرز و سعد فيلو ٢٠١٤ على ثلاثة مستويات. أولاً، تعزز النيوليبرالية التراكم من خلال إعادة تشكيل سيادة الطبقة الرأسمالية وتكثيف استغلال الأغلبية، مع تفكيك المعارضة، جزئياً، من خلال نزع بعد المشاركة الشعبية.ثانياً، أدي التدهور الاجتماعي والاقتصادي الذي تسببت فيه النيوليبرالية إلى تفاقم التوترات بين الرأسمالية العالمية والدول الوطنية، بما في ذلك استحالة إيجاد تكوينات مستقرة للسيادة الوطنية (الشعبية) والتكامل الدولي، وتقلب نطاق التدخل الأجنبي في حالة الانحراف عن الحوكمة النيوليبرالية، وتكثيف البرامج السياسية الدينية والقومية والمعادية للأجانب. ثالثاً، ولدت النيوليبرالية استبداداً جديداً (دستورياً إلى حد كبير)، سواء من خلال تطورها السياسي في ”المناطق المركزية“ أو كبديل للديمقراطية النيوليبرالية في ”المناطق الطرفية“. (٩) قوبلت الوثيقة الدستورية ٢٠١٩ و التي أسست للشراكة بين قوى الحرية و التغيير و المجلس العسكري(اللجنة الأمنية للبشير) بكثير من النقد (عبر الكتابة و الصوت و الفيديو) و الذي يلخص في مجمله بكون أن الوثيقة تمثل ثورة مضادة لقوي ١٩ ديسمبر و بمعنى أنها لم يكن من المتوقع حينها أن تنجز مهام وأهداف الثورة في الحرية والسلام والعدالة.ما نود قوله هنا أنه مثلما تعمل الطبقة الرأسمالية الحاكمة جوهريا على فصل السياسي عن الاقتصادي بغرض الإخفاء الأيديولوجي لمن يتحصل على الفائض الاقتصادي ومن يدير لعبة ادارة موارد الدولة الاقتصادية. هكذا مرر الشريك العسكري و الذي يمثل مصالح الراسمالية الطفيلية لنظام المؤتمر الوطني ذات الخداع الأيديولوجي بالفصل بين السياسي والاقتصادي في الوثيقة الدستورية و بل تم الخداع الأيديولوجي بشكل فصل آخر هو الفصل القانوني عن السياسي عن الاقتصادي و بل استمر ذات الخداع الايديولوجي حتى في الاتفاق الإطاري (لعبة الورش القانونية و اللجنة التسيرية المؤقتة للمحامين) و الذي كان من المزمع إعادة الشراكة بعد انقلاب الشق العسكري في ٢٥ ٥ أكتوبر ٢٠٢١و اجهاض التحول الديمقراطي كليا. وفق الوثيقة الدستورية ضمن المكون العسكري بما هو يمثل مصالح النظام القديم دستوريا الحفاظ على ادارة الموارد الاقتصادية و إدارة الاقتصاد الكلي من جهة الإنتاج و التوزيع والإدارة النقدية و المالية لموشرات و متغيرات الاقتصاد الكلية في إدارة سعر الصرف على سبيل المثال لا الحصر.في خلاصة القول يبدو أن الممثل العسكري النيوليبرالية (المجلس العسكري) بدءا من الوثيقة الدستورية فرض الموديل السياسي والاقتصادي لكامل الفترة الانتقالية بحيث يستمر ذات التراكم الرأسمالي للرأسمالية الطفيلية و هذا ما كان يستبطن العودة للمسار الاستبدادي لممارسة التراكم الرأسمالي و الذي مارسه المؤتمر الوطني عبر موديل القسر و القهر(الانقلاب) و بالفعل في اللحظة المناسبة انقض العسكر و عادوا لنموذج التراكم الرأسمالي - الراسمالية الطفيلية - عبر انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١.عادوا بالباب العديل في فتح مسار جديد من النيوليبرالية. (١٠) و نعود بالقول ان النصوص المضمنة في الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية كان من جوهر اقتصادها السياسي الاستمرار في السياسات النيوليبرالية و تعطيل او ابعاد المشاركة الجماهيرية في صنع القرار السياسي و الاقتصادي و هذا ما يتضح من نصوص الوثيقة الدستورية ٢٠١٩ و التي نصت علي وجود (5) في مجلس السيادة، واستحواذهم على الـ 21 شهراً الأولى للفترة الانتقالية، وتعيين وزيري الدفاع والداخلية منهم، وتبعية القوات المسلحة للقائد العام والخاضعة للمجلس السيادي، وعدم هيكلة جهاز الأمن والمخابرات ، وعدم الإشارة لحل بقية المليشيات…..هذا إضافة للمصالح الطبقية للرأسمالية الطفيلية وسط القيادات العليا للجيش، والعائد من الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، ومن عائد الذهب، وحرب اليمن. ميزانية القوات المسلحة التي تشكل 76% من ميزانية الدولة،….إرجاء تكوين المجلس التشريعي لفترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر وانتقال التشريع في هذه الفترة ليكون مشاركة بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء على أن يجيز مجلس السيادة التشريعات التي يصدرها مجلس الوزراء، مما يتعارض مع مبدأ المشاركة يعيق إصدار القوانين…. راجع بيان الحزب الشيوعي الصادر في ١٥ يوليو و ٣ أغسطس 2019. (١١) بعض من نقد نظري لنظرية الاقتصاد النيوكلاسيكي
١ كما اشرنا في هذا المقال بكون الاساس النظري المعرفي للسياسات النيوليبرالية (و كمان برامج اعادة الهيكلة برعاية البنك و الصندوق الدوليين) و كمان الاساس النظري المعرفي لقناعات نيوليبرالية حمدوك-البدوي و من قبلهم من وزراء (الانقاذ) المعنيين بادارة الاقتصاد هو النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية.و في سبيل القول النقدي لهذه النظرية الاقتصادية و هو نفد عمره عمر النظرية الاقتصادية الليبرالية ايام ادم سميث.نقد متراكم و من الثراء بمكان علي المستوي الاكاديمي و السيلسي الا اننا هنا وددنا الاشارة الي بعض من هذا النقد- و نميل هنا فيما مال اليه مايكل بارنتي-ماركسي أمريكي- في ممارسته النظرية و السياسية و تبنيه الماركسية لا بوصفها نظرية تفسيرية محايدة، بل كأداة صراع معرفي في قلب المعركة الطبقية، رافضًا الفصل بين الفكر والسياسة، ومصرا على أن الأفكار إما أن تكون في خدمة السلطة أو في مواجهتها ( فيسبوك بوست بعنوان : *مايكل بارينتي، الماركسي الشجاع د.طنوس شلهوب). لهذا السبب تحديدا، اي الممارسة النظرية بما هي ممارسة سياسية غير محايدة في الصراع الاجتماعي السياسي في السودان يبقي من الضرورة نقد الاساس النظري للنظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية بكونها المايكنة الفكرية لنيوليبرالية (الانقاذ و حمدوك الخ)و بما انها كانت في خدمة السلطة السياسية و في قلب الاستقطاب الاجتماعي الطبقي في العقود الاربعة الماضية و ان كانت صورت -وفق ضرورات الاشتغال الايدولوجي- بكونها تقدم الوصفات الاقتصادية العلمية و (المحايدة) .و ان نقد هذه النظرية الاقتصادية ربما يجوز لنا القول بكونه ضرورة نظرية نضالية في سبيل تحقق ثورة ديسمبر في بعدها الاقتصادي الاجتماعي . في مقال قادم - بعد هذه السلسلة من المقال المقسم الي اجزاء- نفرد مساحة اوسع لهذا النقد الموجه لها و لكن هنا يمكن ان نشير سريعا الي النقاط التالية: ١ أن الفردية المنهجية التي تستخدمها عادة ما تؤدي إلى سوء فهم جسيم أو عدم فهم للطرق التي تحدث بها الأنشطة الاقتصادية وكيفية عمل الفاعلين الاقتصاديين. إن شرح المكونات الفردية لكيان مركب لا يفسر دائمًا خصائص الكيان المركب نفسه. على الرغم من تسمية المدرسة الكلاسيكية بنفسها بالنيوكلاسيكية، إلا أنها استخدمت منهجية قائمة على الطبقات لفهم الاقتصاد. يقسم ديفيد ريكاردو في مقدمة كتابه ”مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب“ المجتمع إلى ثلاث طبقات: الأرستقراطية المالكة للأراضي، ورجال الأعمال الرأسماليين، والعمال. ولكن علي العكس من هذا الرأي المعترف بوجود الطبقات الاجتماعية من قبل مدرسة الاقتصاديين الكلاسيكيين نجد نكران او نفي الاقتصاديين النيوكلاسيكيين بوجود الطبقات الاجتماعية و اعتمادهم جوهريا في النماذج الاقتصادية علي وجود الفرد منزوعا من سياقه الاجتماعي التاريخي و هذا في حد ذاته باب واسع في نقد افتراضات النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية. ٢و من الاشكاليات النظرية الاخري التي تواجه نظرية او مدرسة الاقتصاد النيوكلاسيكي هي افتراضها للعقلانية. اليوم، تثبت الاقتصاديات السلوكية بوضوح أن البشر يتمتعون بما أسماه هربرت سيمون العقلانية المحدودة. نحن، ككائنات محدودة من حيث التطور، نميل إلى اختيار الخيارات الجيدة بما يكفي بدلاً من الأفضل لأنها تسمح لنا بالتعامل مع المشاكل بشكل أسرع. لم يُخلق الدماغ البشري بهدف تحقيق أقصى قدر من المنفعة ومعالجة جميع المعلومات المتاحة لتحقيق هذه الغاية. في نماذج السوق، تفترض الاقتصاديات الكلاسيكية الجديدة أن البشر يتصرفون بعقلانية بحيث تعمل الأسواق بكفاءة، ولكن هذا بعيد كل البعد عن الواقع التجريبي.
٣الاقتصاد كأيديولوجيا: هذا النقد (مثلاً من هابرماس) يقول أن تظاهر الاقتصاد بكونه علمًا محايدًا اجتماعيا يشبه الفيزياء هو في ذاته موقف أيديولوجي. فهو يخفي القيم والقوى الاجتماعية خلف معادلات اقتصادية رياضية محايدة، ويجعل النظام الرأسمالي يبدو طبيعيًا وحتميًا (كقانون الجاذبية)... عدم قابلية الظواهر الاقتصادية للعزل كما في علم الفيزياء و معاملها التي يمكن ان تعزل تجربة ما في مختبر.و علي العكس ففي الاقتصاد، يستحيل فصل متغير (علي سبيل المثال متغير التضخم او سعر الصرف) عن الآخر بشكل كامل (تأثير السياسة، الثقافة، التاريخ، النفس)... الاقتصاد ليس فيزياء اجتماعية: موضوع الفيزياء هو مادة جامدة تحكمها قوانين حتمية. موضوع الاقتصاد هو الانسان-المواطن و بما لديه من إرادة قد تختلف لهذا الحد او ذاك، نوايا، توقعات، وعواطف، ويتعلم ويتغير بفعل النظرية نفسها (تأثير انعكاسي - Reflexivity، كما يقول جورج سوروس)... اضافة لباب اخر من النقد حيث ينتقد الاقتصاد النيوكلاسيكي لتجاهله طبيعة السلطة السياسية وعدم المساواة: النماذج الرياضية المجردة تتجاهل علاقات القوة و السلطة السياسية (علي سبيل المثال كيف يمكن لها ان تفسر ما يقوله : بيرني ساندرز السيناتور الامريكي الديمقراطي و الذي يقول: إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، أنفق 290 مليون دولار لدعم ترامب في الانتخابات. وبعدها أصبحت ثروته 548 مليار دولار، بينما لم تدفع شركتاْه (إكس وتسلا) أي ضرائب اتحادية على الدخل العام الماضي رغم تحقيقهما أرباحا قدرها 13.7 مليار دولار. و قد نعود لنقد اخر موجه ضد الاقتصاد النيوكلاسيكي و الذي يصدر نموذجه الاقتصادي بان تخفيض الضرائب علي الاغنياء كما في مثال ايلون ماسك يزيد من زيادة معدلت فرص التوظيفtax cuts create jobs)، والطبقة، والجندر، والعرق، التي تشكل النتائج الاقتصادية.... الأزمة العالمية التي شهدها الاقتصاد العالمي الراسمالمي في بدايات ٢٠٠� ربما كانت الضربة القاضية لهذا النظرية و التي تزعم المصداقية (العلمية). فالنماذج الرياضية المعقدة (مثل تلك المستخدمة في تقييم المشتقات المالية) افترضت توزيعات احتمالية طبيعية وأسواقًا عقلانية، يشار لها انها فشلت تمامًا في رؤية الأزمة القادمة و التنبؤ بها، ان لم تكن قد ساهمت نماذجها المجردة في خلقها. ٤و تميل نظريات الالعاب و الاقتصاد التجريبي الى أهمية مفهوم المؤسسات بدلا من الفرد (الفردانية) و التي تتخذه موديلات او نماذج الاقتصاد النيوكلاسيكي حجر الأساس في بناء افتراضاتها النظرية…,ووفقا ل فيبل -في نقده لمنهج الاقتصاد النيوكلاسيكي- نجد أن النموذج الاقتصادي يحدد سياساتنا العامة(اي سياسة الدولة و قرارتها الاقتصادية المحددو من مثل تعويم الجنيه او سعر الصرف المحدد الخ). و عليه إان كان نموذج الفردانية خاطئاً( وفق التنظير الاقتصادي النيوكلاسيكي، فستفشل السياسة الاقتصادية المحددة.و في النموذج الاقتصادي النيوكلاسيكي يتخذ الفرد - معزولا عن سياقه التاريخي و علاقاته الاجتماعية والاقتصادية - أساس التنظير الاقتصادي … و تعود فكرة اتخاذ الفرد أساسا للتنظير الاقتصادي النيوكلاسيكي من جون لوك و الذي افترض من الضرورة أن يكون هناك دائمًا شيء ما في الفرد يبقى دائمًا غير قابل للتغيير و لهذا يجب عنده أن يتم فصل الفرد من وعيه حول العالم الذي حوله( أي فصل الفرد من وعيه الاجتماعي التاريخي المحدد). هناك فصل ثنائي بين الفرد والعالم.و هذا الطرح يواجه معضلة كيفية ارتباط العوالم الذاتية الداخلية للأفراد بالعالم الموضوعي الخارجي.و قد حاول (بلا جدوى) آدم سميث حل المعضلة بافتراض أن اليد الخفية ( invisible hand) تعمل سحرها في توازن الأسواق و دون ان يحدد هذه الآليات السحرية التي تفعل فعلها في الأسواق و من بعد آدم سميث أتي مفهوم المنفعة الحدية - المنفعة كهدف أساسي للفرد في النموذج الاقتصادي النيوكلاسيكي الذي يشتغل على تحويل «السعادة» أو «الرفاه» إلى مفهوم كمي (منفعة) قابل ل الإكثار منها. هذا يخلق رؤية محدودة للرفاه الإنساني (تجاهل العدالة، الكرامة الانسانية، الاستقلال الذاتي، قيم المجتمع و السيادة الوطنية سواء السياسية او الاقتصادية)-. و الطلب و الذي عبره حاول لنذاك الاقتصاد النيوكلاسيكي حل المعضلة و لكن أيضا كانت محاولة نظرية بلا جدوى وهناك نقد نظري مبذول لمفهوم المنفعة الحدبة و محاولته حل هذه الإشكالية.و قد حاول وبلا جدوى للمرة الثالثة منظري الاقتصاد النيوكلاسيكي المعاصرين حل المعضلة - فصل الفرد عن سياقه التاريخي والاجتماعي اي العالم الموضوعي للفرد) بحذف او الغاء العالم الذاتي للفرد- تجاوز كليا البعد الذاتي النفسي للفرد و عبر افتراض أن للفرد افضليات معطي مسبقا- كليا من النموذج الاقتصادي النيوكلاسيكية. ٥يرفض علم النفس الحديث فكرة أن العقل هو «معالج مستقلindependent processor» أو كيان منفصل يعمل بمعزل عن السياق الاجتماعي التاريخي.لا يعمل العقل كمعالج مجرد في جمجمة منعزلة. التفكير والعمليات العقلية للفرد تتأثر بشكل عميق بحالة الجسم (الإرهاق، الجوع الخ)، وأحاسيسه.و هذا الفتح العلمي الجديد في علم النفس المعاصر يعزز من النقد المتراكم لنظرية الاقتصاد النيوكلاسيكي و التي تتكئ على نموذج الفرد الفاعل العقلاني (Homo Economicus) في تصدير هذه النظرية النيوكلاسيكية و هذا النموذج يتبدي بكونه غير واقعي و ليه لان الفرد ليس آلة حسابية تحتوي على جميع المعلومات، ولديها تفضيلات ثابتة ومتسقة، وتسعى فقط لتعظيم المنفعة الشخصية. هذا النموذج يتجاهل التعقيد البشري الحقيقي وحسب علم النفس المعاصر تتمظهر لنا ان تفضيلاتنا ( لهذه السلعة أو تلك الخدمة ) وقيمنا ليست «موجودة مسبقاً» في عقولنا.بل هي تتشكل وتتغير حسب الإطار الاجتماعي التاريخي ، و حسب المزاج الشخصي في تلك الساعة من الزمن، .(مثلاً: اختيارنا لشراء سيارة ضمن مجموعة من السيارات المعروضة للبيع يتأثر بكيفية عرضها في معرض السيارات و بلونها و بلد المصنع، وليس فقط بقيمتها المجردة. ٦و الي اي مدي تبدو النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية علمية او أيديولوجية هذا كتب عنه الكثير و ما زال في باب النقد الموجه لهذه النظرية. و دعونا نرجع لمفهوم الفرد كعضم المنهجية النيوكلاسيكية أي التركيز على الفرد كوحدة التحليل الأساسية، وإهمال الدور المستقل للمؤسسات والطبقات الاجتماعية والبنيات الاجتماعية كقوى فاعلة بذاتها. مما يجعل هذا المنهج النيوكلاسيكي ليس محايداً ايدولوجيا، بل هو اختيار نظري له تبعات سياسية (يركز على حرية الفرد مقابل تدخل المجتمع/الدولة).الافتراض بأن الأسواق غير المقيدة تميل تلقائياً نحو التوازن والكفاءة. هذا يعد من ناحية أخرى تحيزاً ايدولوجيا مسبقاً ضد التدخل الحكومي… و في باب العلاقة بين الأيديولوجي و العلمي في النظرية النيوكلاسيكية يمكننا أن نشير مثلا إلى نظرية الاختيار العام (Public Choice): تطبيق أدوات الاقتصاد النيوكلاسيكي على القطاع العام، تفترض أن السياسيين والبيروقراطيين أنانيون يسعون لتعظيم منفعتهم. هذا يخلق تشويهاً منهجياً ضد فكرة «الصالح العام» ويبرر تقليص دور الدولة. ٧ووفقا لميلتون فريدمان أحد منظري الاقتصاد النيوكلاسيك فإن المهمة الأولى للنظرية و علم الاقتصاد هي التنبؤ بما قد يحدث لأحد المتغيرات الاقتصادية الكلية (مثلا سعر الصرف …النمو الاقتصادي الخ) و لكن الاشكالية التي تواجه المدرسة الاقتصادية النيوكلاسيكية هي أن افتراضاتها النظرية تتجاهل الواقع الاجتماعي والتاريخي للطبيعة البشرية و لهذا من المحتمل جدا أن تفشل التوقعات المعينة بهذا المتغير الاقتصادي الكلي او ذاك و مما يجعل السياسات الاقتصادية المبنية على تلك التنبؤات والتوقعات و في حال تطبيقها حكوميا مسببا لاضرار اجتماعية واقتصادية… وعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أنه ما قبل وقوع الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 لم تتمكن النماذج النيوكلاسيكية السائدة من توقع الأزمة، بل إن بعضها ساهم في خلق بيئة تنظيمية سمحت بتكون المخاطر (مثل افتراض كفاءة الأسواق)... و من الأزمات التاريخية السابقة و التي فشلت في التنبؤ بها: الكساد الكبير (1929) أزمة النفط (1973)...فشل النموذج النيوكلاسيكي في التنبؤ بالأزمات ليس فشلاً تقنياً فحسب، بل هو ناتج عن قصور فلسفي ومنهجي في افتراضاته الأساسية حول العقلانية، التوازن، وكفاءة الأسواق. ٨و هنا وودنا ان نعود بشي من التفصيل لما سبق ان اشرنا له اعلاه عن ان تخفيض الضرائب علي الاغنياء(الراسماليين) تودي الي زيادة معدلات التوظيف كما تزعم النماذج الاقتصادية النيوكلاسيكية...يقدم راموس - الاقتصادي الماركسي الامريكي في كتابه (Applications of Ideology in Economic Policy- Jack Rasmus ) تحليلاً تاريخياً يظهر كيف تغيرت القراءات الأيديولوجية للعلاقة بين الضرائب وخلق فرص العمل:ففي القرن 17 (وليام بيتي): دعا إلى تخفيض ضرائب ملاك الأراضي لحماية مصالحهم الطبقية. بينما في عام 1750 (هيوم و ادم سميث): رأيا أن زيادة الضرائب على الرأسماليين تحفز الابتكار والاستثمار وتخلق فرص عمل. و علي العكس كان مالتوس يري أن تخفيض ضرائب الأثرياء يزيد الادخار ويسبب الركود وفقدان الوظائف. كينز: ربط البطالة بعدم المساواة في الدخل، ورأى أن خلق الوظائف يعتمد على الإنفاق الحكومي والاستهلاك.النيوكلاسيكيون (القرن 20): عكسوا منطق سميث، زاعمين أن تخفيض الضرائب يخفض التكاليف ويزيد الاستثمار والوظائف (وهو الموقف السائد اليوم) و هو زعم لا تسنده البيانات الاقتصادية. يقول راموس، علي الرغم من ضخامة التخفيضات الضريبية(ايام جورج بوش الابن) و التي كان اجمالها في تلك السنوات من 2001 الي 2003 ما قدره 3.4 تريليون دولار ومع ملاحظة ان 80% منها ذهب إلى أغنى 20% من الاسر الامريكية، و نصفها اي 40% من 80%، ذهب إلى أغنى 1% من الاثرياء و الشركات الراسمالية الكبري، و لكن بيانات العمالة من 2001 الي 2009 تشير الي ان معدلات خلق فرص العمل كانت اقل بكثير. من الواضح أن الفرضية او الزعم بأن التخفيضات الضريبية تخلق فرص عمل لم يكن مدللا عليه بالبيانات التاريخية و التي اشارة لها السنوات الثماني المعنية... هكذا تتراي لنا وفق تحليل- تحليل الفكر الاقتصادي – جاك راموس للعلاقة بين السياسة الضريبية و اضافة فرص جديدة للعمل و بين السياسة الضريبية و الطبقة الاجتماعية باعتبارها جزء من السياسة الاقتصادية. و التي تعددت قراءتها الايدولوجية وفق التاريخ الاجتماعي المحدد.تارة السياسة الاقتصادية تنادي بخفض الضرائب علي الراسماليين بامل زيادة فرص العمل و بالتالي النمو الاقتصادي و تارة السياسة الاقتصادية تنادي- بالعكس – لتبني سياسة توصي بزيادة الضرائب علي الراسماليين و بذات الامل الذي يحبذ زيادة فرص العمل و تارة اخري السياسة الاقتصادية لا تري ثمة علاقة مباشرة بين الضرائب و زيادة او انخفاض فرص العمل. و هكذا نجد ان السياسة الاقتصادية تحدد وفق تاريخ محدد و وفق تقنيات لغوية متعددة تمارس لتشكيل الفكرة او السياسة الاقتصادية المحددة ايدلوجيا.فالسياسة الاقتصادية المحددة و لتكن المعينة بتحديد سعر الصرف – في اقتصاد الفترة الانتقالية فيما مضي و فيما يات – لا يتم اجرائها في معامل (استاك) او قل ( كلية العلوم) بافتراض انها تخضع الي تجربة علمية صارمة (كما في العلوم الطبيعية)منعزلة عن التاريخ و البنية الاجتماعية و الايدولوجيا انما هي سياسة اقتصادية في نهاية التحليل تخضع للقراءة الايدولوجية من قوي اجتماعية متعددة. ٩ و فيما هو يتعلق بالنقد الواسع لنموذج التنمية وفق النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية هذا النموذج القائم علي اعادة الهيكلة و تحرير الاسواق (الانتاج و التوزيع و الاستهلاك الخ) و خصخصة القطاع العام و انسحاب الدولة لتودي دور توفير الأمن وحماية الملكية، وليس التدخل في الاقتصاد و التنمية.تشير الدراسات الي فيض من النقد لهذا النموذج و منه ١ بكون ان هذا النموذج التنموي النيوكلاسيكي يتسم بانه مقاس واحد يناسب الجميع (One-size-fits-all) و حيث تم تطبيق نفس الحزمة من السياسات على دول مختلفة تمامًا في تاريخها وبنياتها الاجتماعية الطبقية ومؤسساتها (من الأرجنتين إلى السودان إلى إندونيسيا)و بشكل يتجاهل خصوصية السياق التاريخي لتلك البلاد٢الاعتماد على تصدير المواد الخام الأولية (نفط، معادن، منتجات زراعية) مما عمق التبعية للسوق العالمي وعرض الاقتصاد لتقلبات الأسعار، وأعاق التصنيع وخلق القيمة المضافة٣تجاهل هذا النموذج النيوكلاسيكي الدور التاريخي للدولة في توجيه الاستثمار وبناء البنية التحتية ودعم قطاعات استراتيجية، كما حدث في النمور الآسيوية (كوريا الجنوبية، تايوان الخ).اضافة بكون ان هذا النموذج عمق من الفوارق الاجتماعية بين الفقراء و الاغنياء و تجاهله العدالة التوزيعية للثروة و كعكعة النمو الاقتصادي٤ إضعاف المؤسسات الديمقراطية: تم نقل قرارات مصيرية من المجال السياسي العام (حيث يمكن النقاش والمحاسبة) إلى نخبة من التقنوقراط والخبراء في وزارة المالية والبنك المركزي.و يبدو ان هذا النموذج التنموي النيوكلاسيكي في اشكالية تاريخية لتجاوزه ل علي المستوي الدولي بل علي مستوي خيارات الدول المحددة و هذا الانهيار يتوازي مع انهيار النظام العالمي النيوليبرالي و قد بات بعض اقسام البحوث و صنع السياسات الاقتصادية داخل مؤسسة البنك تتجه في نقد نموذجها النيوكلاسيكي القاءم علي برامج اعادة الهيكلة و تحرير الاسواق و ذلك بتبني نموذج اخر قايم التنمية و دور متعاظم للحكومة. ١٠ خلاصة القول هنا انه من الضرورة النظرية النضالية -في مسار ثورة ١٩ ديسمبر و برنامجها لحشد الموارد و الاعتماد علي الذات و استعادة دور الدولة في توجيه التنمية و استعادة السيادة الاقتصادية بدلا من التبعية المطلقة للخارج- توسيع النقاش و الكتابة الاكاديمية و السياسية في نقد الاساس النظري لمدرسة الاقتصاد النيوطلاسيكي و نموذجا لها نيوليبرالية حمدوك-البدوي ابان الفترة الانتقالية و التي تجاهلت السياقات الاجتماعية الطبقية لسياق الاقتصاد السوداني و تجاهلها لكون النموذج النيوكلاسيكي يفترض المنافسة بينما الاقتصاد السوداني يتسم باحكتار القلة(اثرياء الراساملية الطفيلية+احتكارات الموسسات العسكرية من كبار ضباط الجيش و الدعم السريع لمفاصل اساسية من الاقتصاد) و تجاهلها الي الاشكاليات النظرية و التي عددنا بعض منها اعلاه و منها ماهي حدود العلموي و الايدولوجي في الاقتصاد و منها ان السياسات الاقتصادية و التي تبني علي سبيل المثال علي تجاهل اخفاء بعض المتغيرات الاقتصادية(فيما يعرف في الاقتصاد التجربيي و الذي بات يوجه المزيد من النقد للنظرية الاقتصادية النيوكلاسيكيةomitted variable problem غالبا ما تودي في حال تطبيقها الي اثار اجتماعية و اقتصادية سالبة و قد نعود لهذا الخيط من الاشكالية فيما بعد في هذا المقال. 11-اقتصاد احتكار لا المنافسة الحرة وفق حاج آدم سميث أو ميلتون *** في سؤال هل الاقتصاد السوداني يتسم بما تفترضه المدرسة الاقتصادية النيوكلاسيكية و بما هي الأساس النظري كما اشرنا لروشتة البنك الدولي وصندوق النقد و بما هي القناعات النظرية لحكومة حمدوك إبان الفترة الانتقالية نود نمر بشكل عابر على افتراضها الجوهري الخاص بوجود المنافسة الحرة و المعلومات المكتملة المتاحة للمنتجين والمستهلكين.ان النقد الموجه الاقتصاد النيوكلاسيكي ، وخاصة افتراضه الأساسي الخاص بالمنافسة الكاملة، هو أمر أساسي لفهم سبب اعتبار العديد من الاقتصاديين أن شكله النظري الخالص هو نموذج غير واقعي لتحليل أسواق العالم الحقيقي و بما فيها واقع الاقتصاد السوداني. *** فواقع الاقتصاد أبان أعوام الانقاذ والفترة الانتقالية لا يتصالح مع هذه الافتراضات النظرية لنموذج الاقتصاد النيوكلاسيكي و روشتة السياسات المطبقة في توجيه اقتصادنا الوطني.في الاقتصاد السوداني يتميز بالاحتكار شبه المطلق بيد شريحة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة و التي تحتكر أهم القطاعات الاقتصادية في مجالات الإنتاج الزراعي و الحيواني و التعديني و التوزيع و الصادرات و الواردات و في القطاع المالي..و على سبيل المثال نجد ان جنرالات الجيش الذين يمتلكون بنك ام درمان و الذي يمتلك فيه الجيش ما قدره ٩٨٪ من أسهم البنك الامدرماني و الذي تساوي رؤوس أمواله كافة رؤوس اموال البنوك السودانية مجتمعة و إضافة لامتلاك الجيش لمسلخ الكدرو باعتبار اكبر المسالخ في السودان و افريقيا.و تكتمل صورة احتكار القلة باضافة اقتصاد الجنرال حميدتي(اقتصاد الدعم السريع) والذي يشارك جنرالات الجيش المتأسلمين المنافسة فس ذات القطاعات الاقتصادية. *** *** جوهر النقد هو أن الاقتصاد النيوكلاسيكي، من خلال تشييد صرحه النظري على افتراض المنافسة الكاملة، يقدم غالبًا إجابة أنيقة للسؤال الخاطئ - وهو كيف سيعمل سوق مثالي غير واقعي - بينما يتجاهل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسلطة، والمعلومات، والمؤسسات.و فمن المثالية بمكان كان الطرح النيوليبرالي المتبنى من قبل حكومة حمدوك بتجاهله واقع الاقتصاد الانتقالي بما هو يمثب لا المنافسة الكاملة إنما احتكار القلة
(١٢) التقشف و الديون و صناعة الحقائق المزيفة *** في كتابه الشهير عن التاريخ الاقتصادي لسياسة وفكرة التقشف يقول مارك بليث- ترجع فكرة التقشف عند آدم سميث في تحجيم دور الدولة في الاقتصاد إلى حد ادني (تخفيض إنفاقها العام)وافساح المجال ل الأسواق و يدها الخفية في توجيه الاقتصاد الكلي و يتتبع مارك تاريخها الاولي الي قمة انتشارها منذ منتصف السبعينات مع صعود النيوليبرالية…و هذا يعني و نحن في سياق ثورة ١٩ ديسمبر ان الأفكار المتضمنة في البرامج والسياسات الاقتصادية بما فيها فكرة و سياسة التقشف لها تاريخها الاجتماعي و انها ليست أفكار مقدسة لا يوصي بالاقتراب منها بالنقد و إن الزعم بكونها انتجتها المعامل(الاقتصادية النيوكلاسيكية) التي تزعم تماثل نتائجها المعامل الطبية و الكيماوية في اثباباتها العلمية يبدو محض خطاب اقتصادي ايدولوجي يزعم العلموية في قوله…ويمضي بالقول في سفر كتابه النقدي للتقشف ان ما يسمى بالديون السيادية وخاصة تلك التي عانت منها إيطاليا و البرتغال و اسبانيا و إيرلندا فيما مضي لم تكن سببها الافراط في الإنفاق الحكومي وإنما هي أزمة ديون سيادية بدأت بالمصارف و ستنتهي بالمصارف و ان تصوير المسألة بكون أزمة الديون السيادية ترجع لإفراط الإنفاق الحكومي انما هي محض تزييف للحقائق… (١٣) *** في حكومة الفترة الانتقالية بقيادة حمدوك(الشراكة السياسية بين جنرالات اللجنة الامنية و قحت) استمر التفاوض مع صندوق النقد الدولي و الذي اوصي كما في تاريخه السابق مع نظام المؤتمر الوطني بسياسة التقشف.و في سبيل الوعد بإعفاء الديون الخارجية المتراكمة والتي وصلت إلى حوالي ٥٤٦٠ مليار دولار ذهبت الحكومة الانتقالية في تطبيق المزيد من سياسات التقشف بحجة التقليل من الإنفاق العام الحكومي و لكن هل كانت حكومة الانقاذ و التي ورثتها الحكومة الانتقالية ٢٠١٩ تفرط في الانفاق العام حتى تساق هذه الحجة لتقليل الانفاق الحكومي في الفترة الانتقالية. بمعنى آخر لم يكن الإفراط في الإنفاق الحكومي سببا في تراكم الديون الخارجية للسودان و التي من اسباب تراكمها الحروب الاهلية الطويلة (حرب الجنوب منذ ١٩٨٣ -٢٠٠٥ و حرب دارفور منذ ٢٠٠٣ واضافة للصرف على الجيش والأمن (متراوحة سنويا ما بين ال٧٠٨٠ من الموازنة طوال أعوام الانقاذ و سبب ثالث آخر هو ما يمكن تسميته بسوء ادارة الموارد و القروض المتحصلة…في جزء آخر من المقال نعود لمزيد من التفصيل حول الانفاق العام طوال اعوام (الانقاذ)...و لكن لنقل سريعا انه تحت إشراف و مراقبة صندوق النقد كان الإنفاق الحكومي (الانقاذ) في أدنى حالاته على الصحة و التعليم و كان الاقتصاد محررا من الدعومات الحكومية سواء على الخبز والوقود والدواء.هنا يمارس صندوق النقد والحكومة الانتقالية التمويه الايدولوجي(ليس الحجج الاقتصادية المحددة الملموسة) لتمرير الذهاب في اشواط اخرى امتدت لعقود من الزمان في مزيد تحرير الاسواق و افساح المجال ل الأقلية الثرية(شريحة الرأسمالية الطفيلية) لتدير الاقتصاد لصالحها. (١٤) *** يقول مارك بليث في كتابه(التقشف- تاريخ فكرة خطرة -٢٠١٦ - ص ٣٣) :يميل الاقتصاديون الي مقارنة وسائل التوزيع بدخول بيل غيتس حانة فهو لا يكاد يدخل حتى يصبح من في الحانة جميعا اصحاب ملايين ان حسبنا المتوسطو هو ما يبدو صحيح إحصائيا وغير ذي معنى تجريبيا. ففي الواقع، ما من مليونير في الحانة بل ملياردير واحد ومجموعة أشخاص آخرين يساوي مال كل منهم بضع عشرات آلاف من الدولارات أو أقل. تعانى سياسات التقشف الوهم الإحصائي والتوزيعي نفسه، لأن الشعور بتداعيات التقشف يختلف عبر هرم توزيع المداخيل. فالذين في أسفل الهرم يخسرون أكثر ممن هم في قمته لسبب بسيط مفاده أن الذين في القمة يعتمدون أقل على الخدمات التي تنتجها الحكومات و ويمكنهم أن يتحملوا خسائر أكبر لأنهم بدءا يملكون ثروة أكبر. لذلك من الصحيح القول (إنك لا تستطيع معالجة الدِّين بدين إضافي)، إن لم يستطع أولئك المطلوب منهم دفع الدين أن يفعلوا ذلك أو اعتبروا مدفوعاتهم غير منصفة أو غير مناسبة، فإن سياسات التقشف، ببساطة، لن تنجح. *** و يقول في ذات المرجع ص٤٠ : ان كان مواطن ما في النصف الأوسط أو الأدنى من توزيع الدخول والثروة, فانه يعتمد على الخدمات الحكومية علي الارجح سواء كانت بطرق غير مباشرة (الإعفاءات الضريبية:, والدعم) او مباشرة (التحويلات الاجتماعية» والنقل العام, والتربية الرسمية, والعناية الصحية). هذه هي التحويلات الاجتماعية العابرة لتوزيع الدخول التي تجعل فكرة الطبقة المتوسطة ممكنة…و مع ملاحظة العلاقة الايجابية بين نمو الطبقة الوسطى و ازدهار وضعها الاقتصادي الاجتماعي و بين الديمقراطية و التحول الديمقراطي..ان السياسات النيوليبرالية التي مورست قسرا طوال سنوات (الإنقاذ) كانت نمن اثارها الواضحة الملموسة التدهور المريع لوضع الطبقة الوسطى ما عدا الشرائح العليا المرتبطة بالنظام الاسلامي و المتحصلة على مداخيلها او اجورها بالعملة الاجنبية و بزوال راس نظام (الإنقاذ) كان من المأمول أن ترى تلك الطلقات الاجتماعية المسحوقة بما فيها الاغلبية العظمي من الطبقة الوسطي في حكومة حمدوك فضاء سياسيا و اجتماعيا لاستعادة مكانتها الاجتماعية الاقتصادية و لكن يبدو ان أملها خاب اذ عملت حكومة قحت-حمدوك علي تمرير ذات سياسات التقشف. (١٥) نقد المبررات النظرية للبنك الدولي برفع الدعم *** هناك نقد نامي علي المستوي الأكاديمي والسياسي ل الأسس النظرية الاقتصادية لحجج البنك الدولي برفع الدعم عن الوقود و الخبز و الكهرباء بحجة - و القول للبنك الدولي- بأن الأغنياء يستفيدون أكثر من الدعم الحكومي للوقود و الخبز مقارنة للفقراء و و ليس مدهشا ان يكون المثال الكلاسيكي الذي يسوقه البنك الدولي لرفع الدعم الحكومي عن الوقود هو هو المثال الكلاسيكي الذي كان يسوقه وزراء (الإنقاذ) الاقتصاديين و هو ذات المثال الذي استخدمه حمدوك لتنفيذ رفع الدعم عن الوقود إبان الفترة الانتقالية و المثال الكلاسيكي الذي يسوقه البنك بفول الغني:يمتلك سيارات متعددة و يستهلك كهرباء أكثر بينما الفقير استهلاكه محدود.إذن: الدعم “يتسرّب” للأغنياء.و جوهريا يمكن نقد هذه الحجة للبنك النخبة الاقتصادية الحاكمة سواء زمن (الانقاذ) او ابان الفترة الانتقالية بكون ان البنك و هذا من شغله في التبرير الأيديولوجي يخلط عمدا بين (الكمية والأهمية) - كمية الوقود و أهميته - صحيح أن الغني يستهلك كمية أكبر من الوقود لسيارته.لكن الدعم يمثل نسبة صغيرة من دخل الغني.بينما يمثل الدعم للوقود شريان حياة للفقير.العدالة لا تُقاس بحجم الاستهلاك فقط، بل باثر الدعم على مستوى المعيشة…تجاهل الأثر غير المباشر للدعم من قبل البنك الدولي بسبب انه يحسب من يستفيد مباشرة من السلعة المدعومة(الوقود هنا).لكنه يتجاهل او قل يراوغ ايدولوجيا بعدم اعتبار أن أسعار الوقود تؤثر على أسعار النقل و الغذاء و في أسعار المنتوجات و الإنتاج و الخدمات و هذا يعني ان الفقير يتحمل التكلفة مرتين الاولي ارتفاع اسعار الوقود(الأثر المباشر) و الارتفاع اللاحق في أسعار السلع و الخدمات (الأثر غير المباشر)...مما نود قوله ان سياسة رفع الدعم تتطلب نقاشا فكريا و سياسيا معمقا و بخاصة في أزمنة الانتقال الديمقراطي. (١٦) في تقويض الانتقال الديمقراطية و اشكالية الدبون المتراكمة ***عادت قضية الديون تأخذ مكانها الاستراتيجي راهنا في العالم مثلما ما كانت هي ابان الثمانينات (ديون الأرجنتين و البرازيل آنذاك).أهمية قضية الديون الخارجية تأت من ناحية التمويل و اتجاه السياسات الاقتصادية الكلية و ايضا من اشكالية التبعية الاقتصادية للدولة المحددة و التي بدورها تحدد اتجاه التنمية و تمويل مشاريعها التنموية المحددة و هذه قضايا تمس إشكالية التحول الديمقراطي و مسارات التنمية كما بعد اسقاط راس النظام القديم (نظام المؤتمر الوطني)..مسارات اقتصاد الفترة الانتقالية و سياسته المالية و النقدية(https://debtjustice.org.uk/countries/sudan) … ***في مقال معنون بتاريخ ٣٠ أبريل ٢٠٢٥ :Sudan and the Politics of Debt في موقع https://africanarguments.org يشير هاري كروس إلى أنه في القرن الحادي والعشرين، لا يزال الدين السيادي للسودان ونظام العقوبات أدوات تستخدمها الحكومات الغربية لانتزاع ريع مدفوعات الديون و فرض تنازلات سياسية من بلد يعاني من الأزمات…كجزء من برنامج التكيف الهيكلي للسودان، تم تخفيض قيمة العملة الوطنية(لأول مرة منذ ٨٠ عاما سبقت) بنسبة 13 بالمائة مقابل الدولار الأمريكي…تحت حكم النميري، أدت عمليات تخفيض قيمة العملة المتعددة إلى خفض القيمة الرسمية للعملة من 2.87 دولار في عام 1978 إلى 0.40 دولار فقط بحلول عام 1985. فالسوداني الثري الذي كان يملك 100,000 جنيه سوداني في البنك، كان يمتلك ما يعادل 2,870,000 دولار في عام 1978، لكن هذه الثروة انخفضت إلى 40,000 دولار فقط بعد سبع سنوات. كما يوضح هذا المثال، أن القاعدة الجديدة المتمثلة في التخفيض المستمر للقيمة عملت على تاكل الثروة المتراكمة في السودان بشكل متكرر، وإدخال حالة من عدم اليقين الشديد في الأسعار للمستثمرين والمنتجين والمستهلكين في الاقتصاد السوداني…في عام1985 ، نفذ النميري جولة يائسة أخيرة من التقشف وتخفيض قيمة العملة بناءً على توصية من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية... وقد أطاحت انتفاضة شعبية ضد سياسات التقشف بالنميري من السلطة في ذلك العام 1985… ***يبحث هذا التقرير الصادر عن معهد الاقتصاد السياسي في كيفية قيام نظام الديون العالمي وتدابير التقشف لسنا نحن هنا معنيين بالتنظير الأكاديمي و ما تم بحثه و نشره في الدوريات والكتب والمؤتمرات إنما يرتكز بالجدل المادي في علاقة تراكم الديون الخارجية للسودان بخاصة و الخيار الجذري الديسمبري ما امكن ذلك في تجاوز اشكالية الديون وجدولتها و دفعها. او بمعنى اخر ,وددنا ان نمر بشكل كلي في سؤال كيف تتعامل نظريا و عمليا الحكومة الانتقالية في برنامجها الاقتصادي مع اشكاية او فخ الديون و جدولتها و دفعها و السياسات النيوليبرالية المعنية بسياسة تدابير التقشف و التي بدورها بنيويا تؤدي الى اجهاض او تقويض فترة التحول الديمقراطي و مما ينسف كليا امكانية ترسيخ الديمقراطية و بما هي هدف استراتيجي أول لثورة ١٩ ديسمبر.. *** أن المزيد من الديون و تراكمها من المدفوعات وما قد يتبعها من المزيد من السير في طريق النيوليبرالية - سياسة التقشف الاقتصادي يزيد من احتمالية تقويض التحول الديمقراطي وتعزيز الاستبداد في بلدان الجنوب.وعلى سبيل المثال يجادل تقرير بأن ”فخ الديون والتقشف“ يجبر الدول على إعطاء الأولوية للدائنين الخارجيين على حساب رفاهية مواطنيها، مما يؤدي إلى خفض الخدمات العامة وانتشار الاضطرابات. من خلال الاحالة لدراسات حالات نموذجية لبلدان مثل سريلانكا وكينيا والأرجنتين، يدلل كيف أن فخ الديون و ما يتبعها من الإجبار على تبني سياسات التقشف الاقتصادي و من ينتج منها من سيادة اليأس الاقتصادي في البلد يوفر المناخ السياسي و الاجتماعي للقادة الاستبداديين بالاستيلاء على السلطة أو يدفع الحكومات المنفذة لسياسة التقشف إلى قمع المعارضة و مما يقوض الديمقراطية و علي سبيل المثال دعونا نشير هنا الي تجربة سريلانكا في عام 023، حصلت الحكومة المؤقتة غير المنتخبة على قرض إنقاذي بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وهو البرنامج السابع عشر للبلاد مع صندوق النقد الدولي.فرض القرض الإنقاذي شروطًا اقتصادية قائمة على التقشف،بما في ذلك زيادة الضرائب التنازلية،وتخفيض الإعانات، وخفض الإنفاق العام،بما في ذلك الأجور.وسط الاضطرابات الاقتصادية والسياسية،واستمرار السخط تحت عبء التقشف المدمر،ومع اقتراب الانتخابات العامة في عام 2024،حاولت حكومة ويكريميسينغ التعجيل بتمرير قوانين وتعديلات تتعلق بشروط قرض صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى قوانين وتعديلات أخرى تهدف إلى تقييد الحيز الديمقراطي الاتفاق مع حاملي السندات غير عادل على الإطلاق بالنسبة للسريلانكيين. ستنفق سريلانكا أكثر من 20٪ من إيرادات الحكومة على سداد الديون الخارجية سنويًا خلال العقد المقبل….وقد انتقدت منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك منظمة Debt fo Climate Sri Lanka ومعهد الاقتصاد السياسي، الاتفاق المدعوم من صندوق النقد الدولي مع حاملي السندات باعتباره غير ديمقراطي، حيث تم التفاوض عليه من قبل حكومة مؤقتة غير منتخبة ، دون استشارة الرأي العام ودون توفير سوى القليل من المعلومات ما تشير له هذه التجارب و غيرها تدلل إن الديون و سياسية تدابيرالتقشف يغذي تلاشي الأمل السياسي نحو توطيد التحول الديمقراطي والديمقراطية و تنامي السخط الجماهيري الواسع في جميع أنحاء بلدان الجنوب العالمي.وفي بعض البلدان، يؤدي ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي وزعزعة الاستقرار بطريقتين رئيسيتين:(١) تلجأ الحكومات إلى قمع الاحتجاجات عندما لا تستطيع تلبية مطالب الشعب بإنهاء التقشف، (٢) ويستغل الجنرالات وارتباطهم السياسي المحدد بهذا الحزب او ذاك تلك الأزمات الاقتصادية للاستيلاء على السلطة ة مما ينسف كليا الفترات الانتقالية نحو الديمقراطية .و الحالة عندنا في الفترة الانتقالية ليست استثناء حيث استمرت حكومة حمدوك في ممارسة ذات السياسات التقشفية و علاقة ذلك بمحاولة معالجة عبء الديون و جدولتها وفق اشتراطات المؤسسات المالية الدولية.و ازداد السخط الجماهيري تجاه حكومة حمدوك و مع استمرار المواكب و الوقفات الديسمبرية في مختلف المدن السودانية و استمرار ممارسات العنف و الاغتيال السياسي و القتل برصاص الشريك العسكري بقيادة البرهان و حميدتي الي ان تم نسف الفترة الانتقالية كليا في انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ يتوفر صندوق النقد الدويل عىل موارد مالية وآليات للقيام بأدواره المختلفة هكذا واستنادا إلى المادة الرابعة الاتفاقية الخاصة بإحداث الصندوق، يمارس هذا الأخير رقابة مباشرة عىل السياسات العامة العريضة للحكومات،بما في ذلك السياسات المتعلقة بميزانية الدولة، النظام المالي والتأمين معدلات التبادل، السياسات المالية للحكومات المتعلقة بتنظيم ومراقبة البنوك والمؤسسات المالية الاخرى، إضافة إلى ذلك ينظر الصندوق إلى السياسات البنيوية التي تؤثر على الأداء الاقتصادي الكلي مثل الدخل القومي، الاستهلاك القومي الإجمالي، الاستثمار والاعتماد المالي. ويصدر الصندوق إثر ذلك توصياته في هذا المجال. ***ما بعد إسقاط رأس نظام المؤتمر في أبريل ٢٠١٩وتشكل حكومة الفترة الانتقالية و التي تسمى ذاتها بحكومة( الثورة)، ظل الوضع على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي كما هو - ان يكون تسارع بوضع أسوأ- عليه أثناء حكم المؤتمر الوطني . وتشير أحدث المؤشرات إلى أن مستويات الديون المتزايدة باستمرار غير قابلة للاستدامة.و والتي بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 87٪، مما شكل معضلة أخرى للاقتصاد السوداني.وفي ظل هذه الديون الهائلة و التي تتراوح ما بين ٥٦ إلى ٦٠ مليار دولار والعجز الكبير المتواصل في الميزانية و التي وفق ميزانية ٢٠٢٠ ٢٠٢١ ، توجهت الحكومة الانتقالية بقيادة حمدوك إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي (IMF).و الذي أوصي كما في سابق توصياته السابقة مع حكومة المؤتمر الوطني بالاستمرار في ذات السياسات التقشفية.هنا من الضرورة النظرية و السياسية معاينة و دراسة بشكل شفاف و علني - في فضاء المجتمع المدني المفتوح - ماضي هذه التوصيات التي تبناها الطاقم الاقتصادي لحكومة المؤتمر الوطني المعينة بالديون و تدابير التقشف الاقتصادي..القراءة النقدية بين مختلف المدارس الاقتصادية والتي تتبنى الثورة.فالتفاوض في الماضي وفيما يأتي مع المؤسسات الدولية الاقتصادية الصندوق والبنك الدوليين و غيرها ليس نصا مقدسا لا يجوز مراجعته نقديا او منطقة عسكرية يمنع منعا باتا الاقتراب منها. و هذا النقاش المفتوح في فضاءات المجتمع المدني مهمة فكرية و سياسية لقوى الثورة لا ينبغي أن تناقش في الغرف المغلقة . (١٧) الانهيار الكبير هناك ١٩٢٩ و ٢٠٠٨ و الانهيار الكبير هنا ١٥ ابريل ٢٠٢٣ ***في كتابه القيم (الانهيار الكبير١٩٢٩ الصادر ٢٠١٤) بقول جون جالبريث «إن العلاقة الأساسية بين الانهيار الكبير ۱۹۲۹ والأزمة الكبرى ۲۰۰۸، بالتأكيد تكمن هنا، ففى كل من الحالتين كانت الحكومة تعرف ما عليها فعله. وفي كل من الحالتين رفضت القيام به في صيف ۱۹۲۹ ؛ كانت هناك تحذيرات صارمة مقبلة من أعلى وارتفاع سعر الخصم والتحقيقات الصارمة حول المخططات الاستثمارية الهائلة في ذلك الوقت، وقصور الرمال في وول ستريت التي كان لا بد من هدمها قبل أن يدمر سقوطها الاقتصاد في مجمله. وفي سنة ٢٠٠٤؛ حذر مكتب التحقيقات الفيدرالى «FBI» علانية من وباء من الاحتيال العقاري ولكن الحكومة لم تفعل شيئًا، ربما أقل من اللا شيء، موفرة ـ على العكس - أسعار فائدة منخفضة، وتحرراً من الضوابط وإشارات واضحة إلى أن القوانين لن تطبق، وكان هذا بمثابة إلقاء البنزين على النار. إن مبدأ جرينسبان Greenspan Doctrine يقضى بأن الأزمات لا يمكن منعها، حيث إن وظيفة الحكومات هي إزالة آثارها بعد وقوعها .. وهكذا كانت ممارسة مبدأ جرينسبان تؤدى إلى خلق أزمة بعد أخرى حتى أدت في النهاية إلى أزمة من الاتساع لدرجة أنها دمرت النظام في سياقها «. ***ربما يجوز لنا القول هنا و بخاصة ان الازمة الراسمالية العالمية او كما سماها جالبريث الانهيار الكبير الذي حدث ٢٠٠٨ في أميركا وتأثيراته العالمية لا تنفصل عن انهيار النظام النيوليبرالي المطبق اولا في زمن ريغان و تاشتر ابتداء من منذ نهايات السبعينيات و التي لا تنفصل عن انهيار الاقتصاد السوداني بسبب -ضمن أسباب أخرى- ذات السياسات النيوليبرالية التي قادت إلى الانهيار الكبير في ٢٠٠٨وكما كانت الحكومة الامريكية قبيل الانهيار الكبير ١٩٢٩ و ٢٠٠٨ تعرف ما عليها فعله إلا انها لم تفعل لتجنب الانهيار المتوقع.ربما يجوز لنا القول ان حكومة الفترة الانتقالية بقيادة حمدوك(قحت) كانت تعرف ما عليها فعله إلا أنها لم تفعل لتجنب الانهيار المتوقع لاقتصاد الفترة الانتقالية و الذي ورث الازمات العاصفة(أزمات انهيار الإنتاج و الاستثمار و البطالة و التضخم و انهيار العملة الوطنية الخ) منتوج السياسات النيوليبرالية المطقبة قسريا بيد نظام البشير و كان التفكير الاقتصادي الناقد للتجربة النيوليبرالية و ما تم طرحه من البرامج البديلة من مثل البرنامج الاسعافي لاقتصاد الفترة الانتقالية و حشد الموارد و استعادة دور الدولة اقتصاديا محاولة للإفلات من الانهيار الاقتصادي للفترة الانتقالية و بل الاقتصاد الكلي و الي ان انتجت السياسات النيوليبرالية منتوجها حرب ١٥ ابريل و التي قادت الانهيار الكبير ل الاقتصاد السوداني.و تكاد تتماثل العقلية الاقتصادية لحكومة حمدوك مع مبدا جرينسبان Greenspan Doctrine بأن الأزمات المتعددة المعالم فيما اشرنا له اعلاه لا يمكن منعها حتي لو جاءت الحكومة اثر ثورة شعبية ثورة بحجم ثورة ١٩ ديسمبر ٢٠١٨، حيث كانت عقلية الحكومة الانتقالية ان وظيفتها إزالة آثار الازمة بعد وقوعها .. وهكذا كانت ممارسة مبدأ جرينسبان تؤدى إلى خلق أزمة بعد أخرى حتى أدت في النهاية إلى أزمة من الاتساع لدرجة أنها دمرت النظام الاقتصادي و الاجتماعي و مؤشرات الاقتصاد تدلل على ذلك. *** طوال اعوام (الانقاذ) و كما كان هو متوقع من نظام الحزب الواحد بما هو نظام استبدادي بامتياز ان لايتم نقاش الازمات الاقتصادية - و مؤشراتها علي مستوي الانتاج الزراعي و الصناعي و النمو و اتجاه التنمية و الاستثمار و البطالة و التضخم و سعر الصرف الخ - في الهواء الطلق في مؤسسات الاذاعة و التلفزيون و الصحف و بالمشاركة الشعبية في أماكن العمل و الدراسة و السكن… لكن كان يتوقع أن يحدث نقاش الشأن الاقتصادي بدعم من حكومة حمدوك و التي كانت تزعم أنها تعمل لتحقيق آمال ثورة ١٩ ديسمبر (و هنا نعني خاصة البعد الاقتصادي)...و ما حدث في الفترة الانتقالية هو نفس ما حدث ابان أعوام الانقاذ لا على مستوى الدرجة بل على مستوى النوع حيث لا فضاء فكري حقيقي و صادق بتحقيق ما اتفق حوله برنامجا اقتصاديا كبرنامج لحكومة الفترة الانتقالية.ما حدث هو السير في تنفيذ ذات الوصفة التطبيقية تحت القيادة الفكرية للبنك الدولي وصندوق النقد..في التوازن للميزانية الحكومية استمرت كما كانت في السابق نحو مزيد من تقليل الإنفاق العام وزيادة الضرائب و مزيد رفع الدعم او ما تبقى من الدعم و مزيد من التفاوض حول إشكالية تراكم الديون و متاخراتها بالمزيد من الديون…
(١٨) في نقد الأساس النظري لاتساع فجوة عدم المساواة علي المستوي العالمي و في السودان بات من الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار ملامسة اتساع الفوارق الاجتماعية بين الأغنياء و الفقراء- اتساع متزايد في فجوة عدم المساواة على مستوى الدخل.وهنا وددنا اولا في نقد الاساس النظري الذي قاد تأسيس نظريات اقتصادية كلاسيكية و نيوكلاسيكية يخفي او يبرر هذه الفجوة المتزايدة في الفوارق الاجتماعية و ثانيا قد نمر بقراءة عامة في تزايد هذه الفجوة علميا حسب التقارير والبيانات المحدثة و ثالثا نشير و ايضا بخطوط عريضة لمشهد اتساع فجوة عدم المساواة في الدخل في السودان.. *** يبدو انه (ترند)(عالمي و في السودان كمان) في تصدير الخطاب السياسي الاقتصادي السائد(اعلاميا و بخاصة الرسمي و شبه الرسمي و الخاص)الذي يبرر نظريا لاتساع الفجوة بين الأغنياء و الفقراء و هنا يتساءل أنتوني أتكينسون (1996) عن لماذا توقف الاقتصاديون عن الحديث عن عدم المساواة طوال ال٥ عقود الماضية 1950-2000.... حيث تناولت %4 فقط من إجمالي المقالات في المجلة الاقتصادية موضوع عدم المساواة في الدخل.و ترجع الذريعة لافتراض سيمون كوزنتس (1955) أو ما يعرف في الاقتصاد منحنى كوزنتس Kuznets curve والذي يشير إلى أن عدم المساواة يتراجع بشكل طبيعي مع تطور المجتمعات الرأسمالية و حينها تعزز افترض ( منهج الاقتصاد السائد )أن المشكلة ستُحل نفسها بنفسها.و لكن يبدو ان الذريعة لم تصمد طويلا و بخاصة بعد اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء في الزمن النيوليبرالي ابتداء من ريغان وتاتشر(وفي السودان كان لنا ريغانا طبعة في زمن العسكر و غيره ) و الي الراهن ٢٠٢٦و ما يلاحظ انه عندما ارتفعت عدم المساواة بشكل حاد في السبعينيات، لم يعاود( الاقتصاديون) دراسة الموضوع. إذن كان هناك كان صمت نظرياً ولكن الواقع الملموس عالميا وفي السودان كان و مازال يقر بالعكس...وجزء من التبرير النظري يرجع إلى النظرية الاقتصادية الكلاسيكية و التي عبرها يقول ديفيد ريكاردو «إذا ارتفعت الأجور... فإن الأرباح ستنخفض بالضرورة.». *** ويذهب Eli Cook في كتاب( Histories of Global Inequality, 2019, pp. 25-57) والترجمة من عندنا….. ان النتيجة على مستوى مشهد اتساع الهوة بين الاغنياء و الفقراء و سوء توزيع الدخل يرجع اضافة الى ذلك لنظرية الإنتاجية الحدية حيث كانت منتوجها النظري الاقتصادي يقول بان «الاستغلال - استغلال العمال» مستحيل رياضياً و عليه عدم المساواة عادل. و هنا ينتقل التركيز في التنظير الاقتصادي الكلاسيكي و النيوكلاسيكي من التوزيع (من يحصل على ماذا) إلى الإنتاج (كيف ننتج المزيد).و كتب الاقتصاد التي تدرس في الجامعات - مثالا كتب سامويلسون- راحت تدرس ذلك بكونه «صورة حقيقية للمنافسة المثالية». و هكذا تذهب نظرية رأس المال البشري لتصوير الفقر على أنه نقص في «الاستثمار الذاتي» أو المهارة، وليس خللاً بنيويا اجتماعيا طبقيا. و في كلا الحالتين تذهب النظرية: بكون ان القيمة تنبع من الرغبة الذاتية للمستهلك، وليس من العمل.النتيجة: لا تقلق بشأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ بل ليكون القلق بشأن «سعادتك» الخاصة. و يضاف الي ذلك درع باريتو المنطقي(مبدأ باريتو في الاقتصاد) و الذي يقول فيما معناه لا يمكنك مقارنة سعادة (الزول) الغني والفقير.لذلك، أخذ دولار واحد من ملياردير لإطعام جائع هو «غير فعال» لأنه يضر بالملياردير.النتيجة: دفاع علمي عن الوضع الراهن., و في مختصر القول هكذا مال منظري الاقتصاد النيوكلاسيكي و أساسه المنهجي في الاقتصاد الوضعي إلى تحويل اشكالية توزيع الدخل - اتساع هوة عدم المساواة - الفوارق الاجتماعية الطبقية- تاي علم السياسة و بعيد من الاقتصاد … فوفق روبينز (1938) فأن مقارنة احتياجات الأغنياء والفقراء هي مسألة «معيارية» - تتعلق بالقيم وليس بالعلم.النتيجة: أصبح الاقتصاديون من متبني المنهج النيوكلاسيكي يتظاهرون بكونهم محللين موضوعيين للأرقام ومهتمين أكثر فأكثر على الكفاءة. بينما تم نفي قضية عدم المساواة إلى عالم السياسة. *** وفق تقرير صادر يناير ٢٠٢٦ عن منظمة اوكسفام بعنوان(مقاومة حكم الأثرياء):وعلى نحو ٍ مماثل، نبّهتنا منظمة أوكسفام على مدى سنوات إلى حالة الطوارئ المتفاقمة في مجال اللامساواة، مع الصعود المستمر ّ لفئة أصحاب الثراء الفاحش. وكما يُظهر هذا التقرير، فقد تسارعت هذه العملية أيضا؛ ففي العام الماضي وحده نمت ثروات أصحاب المليارات ثلاثة أضعاف ارتفاعها خلال خمس سنوات منذ عام 2020؛ وباتت ولادة أول “تريليونير” بالدولار تلوح في الأفق. وفي المقابل، يعيش ربع البشر في قلق دائم من عدم كفاية طعامهم، ويضطرون إلى الاستغناء عن وجبات من أجل البقاء، فيما بات تحمّل المواطنين/ات العاديين/ات لتكاليف معيشتهم أمرًا شبه مستحيل…و يذهب الملخص التنفيذي المعنون ب(الخيار: الاوليغارشية أو الديمقراطية؟)....وقد تجاوز عدد أصحاب المليارات حاجز الـ3,000 للمر ّ ة الأولى، وبلغت مستويات ثرواتهم أعلى نقطة في التاريخ. وفي أكتوبر 2025، أصبح إيلون ماسك أول شخص تتجاوز ثروته نصف تريليون دولار. وفي المقابل، يواجه واحد من كل أربعة أشخاص حول العالم خطر الجوع…ولكن قد لا تختلف سوى قلّة قليلة فقط من الناس في أن ّ استخدام أحد أصحاب المليارات ثروته لشراء ذم ّ ة سياسي ما، أو للتأثير على الحكومة، أو لامتلاك صحيفة ،أو منص ّ ة تواصل اجتماعي، أو التغلب على الخصوم بالحجج القانونية بما يكفل لهم حصانة ً من المساءلة القضائية، تُعد ّ ممارسات تُلحق الضرر بالتقدم والعدالة. فمثل هذا النفوذ يُحكم قبضة أصحاب المليارات على مستقبلنا جميعا، ويقوض الحرية السياسية، ويُضعف حقوق الأغلبية…ففي بلد ٍ تلو آخر، لم يكتف ِ أصحاب الثراء الفاحش بتكديس ثروات تفوق ما يمكنهم إنفاقه، بل استخدموا هذه الثروات لتأمين سلطة سياسية التي تتيح لهم صياغة القواعد التي تحدد الاقتصادات وتوجه الأمم. وفي الوقت نفسه، نشهد في جميع أنحاء العالم تآكلًا وتراجع ً ا في الحقوق المدنية والسياسية للأغلبية؛ و قمع للاحتجاجات؛ وإسكاتًا لأصوات المعارضة. كيف تؤثر الالمساواة الاقتصادية على استقرار النظم الديمقراطية وحرية التعبير؟
تؤدي الالمساواة الاقتصادية المتطرفة إلى تقويض النظم الديمقراطية وحرية التعبير بشكل عميق، حيث تخلق فجوة تمنح أصحاب المليارات نفوذاً سياسياً هائلاً مقابل تهميش وإسكات الأغلبية. وتُظهر الأبحاث أن تصاعد الالمساواة يُعد من أقوى المؤشرات على تفكك الديمقراطيات، حيث إن البلدان ذات الالمساواة الأشد تكون أكثر عرضة بسبعة أضعاف لتآكل الديمقراطية مقارنة بالدول الأكثر مساواة. ويمكن تلخيص تأثير الالمساواة الاقتصادية على الديمقراطية وحرية التعبير في النقاط التالية: 1. تآكل المؤسسات الديمقراطية وتحولها إلى «أوليغارشية»: • تستخدم النخبة الثرية أموالها لشراء ذمم السياسيين والأحزاب، مما يفرغ سلطة الأغلبية لصالح نظام يقوم على قاعدة «دولار واحد - صوت واحد» بدلاً من المساواة السياسية. • يميل أصحاب الثراء الفاحش إلى السعي المباشر للمناصب السياسية؛ فاحتمال تولي صاحب مليار لمنصب سياسي أعلى بـ 4000 ضعف مقارنة بالأشخاص العاديين. • يؤدي هذا النفوذ إلى إنتاج سياسات تعكس تفضيلات الأغنياء فقط، بينما يتم تجاهل مطالب الفئات ذات الدخل المنخفض. 2. السيطرة على وسائل الإعلام وتشكيل الوعي العام: • يمتلك أصحاب المليارات أكثر من نصف شركات الإعلام الكبرى وتسعاً من أكبر عشر شركات للتواصل الاجتماعي في العالم. • تُستخدم هذه السيطرة لتشكيل الخطاب العام وإضفاء الشرعية على تراكم الثروة، مع تجاهل منهجي لمصالح الفقراء والنساء والمجموعات المهمشة
*** و دعونا نعود مرة اخري الي تقرير اوكسفام و التي تشير خلاصته في تصورنا فيما يعني العلاقة بين الاوليغارشية- حكم الأقلية الثرية - و الديمقراطية و لنتخيل أننا امام مكان ل الاقتراع الانتخابي - تخيل ميزاناً يُوضع صوتك الواحد على إحدى كفتيه، بينما تُوضع ثروة ملياردير على الكفة الأخرى. هذا ليس مجرد تشبيه؛ بل هو المعادلة الوجودية لعصرنا. و يمضي التقرير ليقول:قبل أكثر من قرن، حذرنا قاضي المحكمة العليا الأمريكية لويس برانديس من هذا الخطر ذاته:»علينا أن نحدد خيارنا: إما أن تتركز الثروة الفاحشة في أيدي قلّة، وإما أن نحظى بالديمقراطية. لا يمكننا الجمع بين الاثنين.»...ففي حالنا تمثل الاوليغارشية الثرية( بفعل نهبها المنظم وغير المنظم لخيرات و موارد البلد) أثرياء الراسمالية الطفيلية بجناحها المتأسلم و غير المتأسلم - ممثلة في الفترة الانتقالية المجهضة مرتين مرة بقيادة البرهان و حميدتي و مرة اخرى نيوليبرالية حمدوك-قحت (الشراكة السياسية مع ممثلي هذه الاوليغارشية الثرية) و هذه كانت المعادلة الوجودية السياسية للفترة الانتقالية و في هذا في نهاية التحليل قاد الامر إلى تقويض الانتقال الديمقراطي و التفاوت الاقتصادي بالضرورة يقود إلى تفاوت سياسي لصالح الأوليغارشية الثرية *** بلدنا السودان لم يكن استثناء لا على المستوى النظري حيث أخذت نخبة الراسمالية الطفيلية المتوحشة تستلف ذات التبريرات النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية لتمرير السياسات النيوليبرالية و لم يكن استثناء على مستوى اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء- على مستوى التدهور الحاد في توزيع الدخل والثروة- مستوى اتساع عدم المساواة…وعلى سبيل المثال- ففي ال٣ عقود الاخيرة - بناءً على البيانات المتاحة والمراجع الرسمية والأكاديمية، يمكن تلخيص عدم المساواة في السودان على مدى العقود الثلاثة الماضية (من ١٩٩٠٢٠٢٦)، واتساعه على مستوى التفاوتات الإقليمية (الولايات)متطرفة، وبين الريف والحضر،على الدخل المتحصل و قد لعبت اضافة الى الاقتصاد السياسي للنيوليبرالية(بما هي افتراس استبدادي و اقتصادي لقوي العمل لصالح راس المال الطفيلي و الخارجي) الحروب الأهلية ( - الحرب في الجنوب -دارفور بدءا من ٢٠٠٣و حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣ دورا في تسريع و حجم هوة عدم المساواة. *** لنأخذ مثلا تحيز الإنفاق العام: حيث تدلل تظهر الدراسات أن الإنفاق على القطاعات الخدمية الاجتماعية (الصحة، التعليم) كان منخفضاً باستمرار (في المتوسط أقل من 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم و2٪ للصحة) وغير متوزع بعدالة، لصالح المناطق الحضرية والمركزية… و لنأخذ مثلا اخر ما بعد ثورة 2019 وكوفيد-19: وأثناء الفترة الانتقالية حيث استمر الانهيار الاقتصادي و ليكن المقياس هنا مؤشر التضخم الذي ارتفع الى ثلاث اضعاف ، مما أدى إلى تدهور مريع في القوة الشرائية ل الاغلبية المسحوقة…تعديل مؤشر التنمية البشرية (HDI) لعدم المساواة: كان مؤشر التنمية البشرية في السودان منخفضاً لفترة طويلة. عند تعديله لعدم المساواة (مؤشر التنمية البشرية المعدل حسب عدم المساواة، أو IHDI)، ينخفض المؤشر بشكل كبير، مما يشير إلى أن فوائد التنمية لا يتم تقاسمها على نطاق واسع. وقد قدر الفقدان الناجم عن عدم المساواة بنحو 30-35٪، وهو من أعلى المعدلات في العالم. *** وفق البيانات التاريخية لموشرات التضخم- و او بقراءة اخري مؤشرات عدم المساواة - الفقر و تصنيفاته المتعددة- ل الاقتصاد السوداني و علاقته بصندوق النقد الدولي يشار الي ان كل تدخل رئيسي لصندوق النقد في السودان ارتبط بتغيرات حادة في مسار التضخم في نهاية التحليل. و هذا يعني وفق سبنا امام ( https://bit.ly/4atCnZN) ان سياسات الصندوق (خصوصاً تخفيض العملة ورفع الدعم) تسببت في موجات تضخمية عنيفة على المدى القصير والمتوسط. الإطار التفسيري الموثوق: الصندوق نفسه يعترف (2012) أن سعر الصرف هو القناة الرئيسية [3]، ومورياما (2008) يؤكد أن أثر السياسات النقدية يظهر بعد 18-24 شهراً [5]. هذا يفسر لماذا كل تخفيض للعملة يتبعه ارتفاع تضخمي.
( ١٩) خصخصة الصحة و التعليم و تقويض الانتقال الديمقراطي *** السياسات النيوليبرالية و التي مورست قسرا ابان الانقاذ و في الفترات الديمقراطية والانتقال الديمقراطية عملت على تحرير الخدمات الاجتماعية و التي كانت ترعاها الدولة..أي خصخصة الخدمات الصحية و التعليمية و انسحاب الدولة كليا او شبه كليا من الخدمات التعليمية و الصحية…و دون المرور على واقع وتاريخ الخصخصة التي الخدمات الصحية و التعليمية و معاينة مؤشراتها وآثارها على تأكل ما يسمى برأس المال البشري - على حياة الاغلبية في علاجها و تعليمها.فبيانات وزارات الصحة والتعليم خلال العقود ال٤ الماضية تحكي الماساة الملهاة و بل بيانات المؤسسات الدولية المعنية بالمسألة الصحية و التعليمية - براس المال البشري عن السودان تعكس هذه المأساة الملهاة عالميا(اسوة كارثة تعليمية في العالم يواجه تلاميذ و طلاب السودان و اكبر هجرة داخلية لشعب هي سجلت للسودان الخ).إن التقليل المستمر ل الإنفاق الحكومي على الخدمات الصحية و التعليمية - و هذا ما استمر ابات الفترة الانتقالية ٢٠١٩٢٠٢١ و نتيجة لبرامج اعادة الهيكلة النيوليبرالية كانت محصلتها في نهاية التحليل اضرارا مادية قوضت من رأس المال البشري والاجتماعي ل الاغلبية الساحقة من السودانيين و هذا بالضرورة في جدلية المقاومة والرفض علي المستوي السياسي و المدني يعمل على الثورة على تلك السياسات النيوليبرالية و ان تمظهرت بثوب ديمقراطي او انتقال ديمقراطي فوقي… (٢٠) التحليل الاجتماعي الطبقي لسياسات التقشف
*** ان الحديث السياسي و الثوري او الاخفاء الايدولوجي بعدم الحديث السياسي حول مفهوم الطبقة الاجتماعية لا يتعلق فقط بالاستغلال - استغلال العمل المأجور من قبل رأس المال (مكانة الفرد في علاقات الإنتاج المحددة الخ)- و التفاوتات الاجتماعية الاقتصادية القائمة على فوارق الدخل ، كما هو سائد ،بل بالهيمنة الثقافية والرمزية أيضًا؛ وهو لا يتعلق فقط بفرص الحياة وتكافؤ الفرص، بل بالشعور الذاتي بالسلب او الايجاب حول و عن قيمة المواطن الذاتية و حجم و فضاءات المعاناة والاذلال أيضًا؛ وهو مفهوم لا يرتبط فقط بسياسة محددة من إعادة التوزيع ، على الرغم من أهميتها البالغة، بل ترتبط أيضًا، في الوقت نفسه، بسياسة الاعتبار للمواطن…أن التبريرات الأيديولوجية لسياسات النيوليبرالية و بخاصة خصخصة شركات ومؤسسات القطاع العام و السياسات التقشفية من مثل رفع الدعم عن الوقود و الخبز و تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات التعليمية والصحية ابان فترة النظام القديم نظام (الانقاذ) و التي تسوق عبر الخطاب الإعلامي -صحف النظام و اذاعاته و تلفاز الخ- كانت لحج واسع هي هي التبريرات التي تم التسويق لها إبان حكومة حمدوك و كليهما يكاد يتسلف ذات التبريرات الايديولوجية و التي سوقت على سبيل المثال في بريطانيا لتمرير لتلك السياسات. و علي سبيل المثال تشير دراسة حول المنطق الجدلي لتبرير السياسات التقشفية- ميزانية ٢٠١٠ في بريطانيا- حيث كان الجدل العام في الصحف البريطانية (الغارديان و الديلي تلغراف الخ) يروج للسياسات التقشفية من خفض الإنفاق العام بكونها ضرورة جراحية مؤلمة لتعافي الاقتصاد … و استخدام استعارات خطابية سلبية و اضافة الإكثار من لعبة ارمي اللوم على الآخر أو تبادل اللوم : تميّز الجدل العام بصراع حول تأطير سبب العجز؛ إذ حمّل بعضهم حكومة حزب العمال المسؤولية، بينما أشار آخرون إلى القطاع المالي وعمليات إنقاذ البنوك.ان السياسات النيوليبرالية بما انها وحالنا في السودان منذ أن تم هندستها (الروشته النظرية ل الاقتصاد النيوكلاسيكي و التي هي الأساس النظري لروشتة ما يسمى بإجماع واشنطن )من قبل صندوق النقد الدولي و البنك الدولي وغيرها من المؤسسات الاقتصادية الدولية ابتداء من ١٩٧٨ و مرورا بأعوام(الانقاذ) و وصولا إلى الفترة الانتقالية إبان حكومة حمدوك ٢٠١٩٢٠٢١ كانت تستعير او استلف مع الروشتة ذات الخطاب الايدولوجي التبريري لتمرير تلك السياسات و دون ابداع منها (ب نجر خطاب لغوي جديد لذات الروشته)..فلعبة ارماء اللوم كانت تتصدر من الاعلام (الإنقاذي -الحمدوكي) و برمي اللوم علي الفقراء و المعدمين و علي النقابات و الشيوعيين الخ و كان ذات التبرير انه من اجل معلجة الاقتصاد السوداني و تعافيه لابد من ربط البطون و تحمل الجراحة القاسية(غريبة كيف يقوم الطبيب باجراء جراحة مستمرة لاكثر من ٤ عقود ).
(٢١) *** *** و نتبنى هنا القول بكون الأطروحات النظرية والأيديولوجية للنيوليبرالية بها من الإشكاليات و التي ذهبنا في المقال في طرحها و نقدها بشكل اولي. وقد حددت الكثير من الدراسات و بخاصة التي تتناول التجربة النيوليبرالية في الاقتصادات الأفريقية العديد من التناقضات المرتبطة بالخطاب النيوليبرالي، ولا سيما نسخه المفروضة من التنمية الاقتصادية و حيث تشير دراسة حول التجربة النيجيرية و النيوليبرالية بكون ان هذا الخطاب النيوليبرالي يتسم بالعديد من التناقضات و التي منها علي سبيل المثال( THE POLITICS -OF NEOLIBERAL DEMOCRACY IN AFRICA-Usman A. Ta٢٠٠٩r ). أولاً، إن كل من الليبرالية السائدة والنيوليبرالية غير حساسة، بل وغافلة في الواقع، للهياكل والمؤسسات المحلية. ثانيًا، من الناحية العملية، ولّدت النيوليبرالية خلافات بين مبادئ سيادة الدولة (ولا سيما مبدأ «عدم التدخل»)، وبين حقائق التدخل الإنمائي متعدد الأطراف. كما لوحظ أنه منذ أواخر الثمانينيات، وفرت الأزمات الهيكلية فرصة للمانحين الغربيين لإعادة تشكيل الدول النامية على غرارهم، وبطريقة تنتهك المبادئ الأساسية للديمقراطية وكذلك القانون الدولي. ثالثًا، هناك احتكاكات بين الأجندات الخارجية للمانحين الدوليين والسياق المحلي للصراعات من أجل الديمقراطية التي تخوضها القوى الشعبية ضد استبداد الدولة وإجراءات التقشف. رابعًا، هناك تناقض بين «المزاعم الديمقراطية» الحميدة المتأصلة في الأجندة النيوليبرالية و النهج القمعي الذي يحركها. ويُقال إن الخطاب القائم على «حسن النية السياسية» الذي يدعم التنمية النيوليبرالية تطلّب التعسف والتهديدات في حال عدم الامتثال. أخيرًا، ترى هذه الدراسة أن تحولات نموذج المانحين لها آثار على دور الخطاب في السياسة الوطنية والدولية. *** و هذا يعني مما يعني ان متلازمة النيوليبرالية والنظام السياسي الاستبدادي -كما تمظهر في نيوليبرالية السياسات الاقتصادية لنظام (الانقاذ) - وجدت لها فضاء من الترحيب المسكوت عنه من قبل الخطاب النظري و الايديولوجي للنيوليبرالية كنظام معولم و تحت حجج فتح الأبواب للاستثمارات (الاجنبية) و التي مهدت لها نظريا و ايديولوجيا مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد وغيرها . و قد أشار بندر نوري في قراءته ل الاقتصاد السياسي للحرب(الاقتصاد السياسي لحرب السودان- مجلة صفر ٢٠٢٤) )بكون ان التحوّلات الاقتصادية - النيوليبرالية وأصولية السوق الحرّة التي تنفذ في السودان منذ 1978 ساهمت في على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، لما توفره الدولة النيوليبرالية من ضمانات وتسهيلات تبدأ من انتزاع الأراضي باستخدام قوة الأجهزة الأيدولوجية وتمليكها أو إيجارها بأسعار رمزية (مع ضمان مبالغ طائلة في شكل رشاوى سياسية)، بالإضافة إلى التسهيلات الأخرى مثل الإعفاءات الجمركية والضريبية وغيرها. كما أن قانون تشجيع الاستثمار لعام 2013 وقانون الاستثمار لعام 2019 في عهد السلطة الانتقالية، ذهبا في الاتجاهات نفسها التي تجعل من دور الدولة ينحصر فقط في تهيئة الأجواء للاستثمار وضمان حرية حركة رؤوس الأموال والحركة العكسية للفوائض الاقتصادية.و في نهاية التحليل نود أن نقول اضافة لتناقضات النيوليبرالية نظريا و فيما ايديولوجيا و التي عمقت من انكشاف الاقتصاد السوداني أكثر فاكثر نحو الاقتصادات الخارجية. *** و كان السودان ابان الفترة الديمقراطية التي تلت ثورة اكتوبر١٩٦٤ قد استمر في علاقته بالبنك والصندوق الدوليين و قد اعتمدت الحكومة (الديمقراطية) ٣ برامج مع الصندوق ١٩٦٧١٩٦٨ و ١٩٦٩ وفقا ل علي عبدالله علي ( Sudan Notes and Records, Vol. LIV, 1973- The Sudan›s Invisible Trade, 1956–1969) مما يدلل علي ان سياسة «ربط المساعدة بالامتثال» لم تبدأ في السودان مع برامج التكيف الهيكلي في 1978، بل كانت موجودة منذ الستينيات. و قد تم تعليق الجزء الاخير من البرنامج بقرار الصندوق في مارس 1969 - بسبب من حرب ١٩٦٧ و آثارها و التي منها اغلاق قناة السويس مما أثرت في الاقتصاد السوداني آنذاك- ويشير الى ان هذا التجميد او الالغاء بمثابة ممارسة مبكرة لآلية العقاب المالي التي أصبحت لاحقاً الأداة الأساسية للصندوق …. ربما يجوز لنا القول (و ما حدش حوش) أن الصندوق الدولي اتخذ من الاقتصاد السوداني بمثابة مختبر اقتصادي سياسي لتجريب أداة (العقاب) بشكل اولي و يبدو انها نجحت حيث اعتمد الصندوق الية او اداة في حال مفارقة شروطه او عدم الالتزام المحدد.و بل يشار لهذه التجارب الالية بين السودان و الصندوق و البنك بكونها تحضير او مختبر اولي لسياسات النيوليبرالية المعروفة بإعادة الهيكلة… (٢٢) قيم السوق لتسود لا قيم الحرية و السلام و العدالة *** من المتفق عليه على الدراسات والقراءات الأكاديمية و السياسية المعنية بالنظام النيوليبرالي بكونه- أي النظام النيوليبرالي- ليس هو مجرد بقد اقتصادي معني بتحرير الاسواق ( في قطاعات الإنتاج و التوزيع و الاستهلاك) بل هو نظام يجعل من الية السوق و قيمه هي الحاكمة لكل أوجه الحياة بما فيها السياسة و الاجتماع و الثقافة.و في هذا تذهب وندي براون في كتابها ( Undoing the Demos: Neoliberalism›s Stealth Revolution,) و الذي أطروحته المركزية : النيوليبرالية ليست مجرد مجموعة من السياسات الاقتصادية، بل هي عقلانية حاكمة منتشرة. إنها تنشر نموذج السوق ليشمل جميع مجالات الحياة - بما في ذلك الدولة والقانون والتعليم - وتُشكل البشر حصريًا كفاعلين في السوق، أو الإنسان الاقتصادي. تجادل براون بأن هذه العقلانية «تعمل على تفكيك» الديمقراطية عن طريق استبدال القيم السياسية الأساسية مثل العدالة والحرية والمساواة والسيادة الشعبية بأوامر اقتصادية مثل النمو والتصنيفات الائتمانية وتحديد المواقع التنافسية.ففي الفترة الانتقالية و في مناخات الزخم الثوري الديسمبري كان سؤال التجربة النيوليبرالية و مدي صحة الاطروحة القائلة بأن النيوليبرالية -في تجربة (الانقاذ)- كانت هي اقرب لما ذهبت إليه تلك الدراسات و مما ذهبت فيه وندي براون بكون قيم السوق النيوليبرالية شكلت أوجه الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية- بمعنى آخر في كان منطق السوق هو الحاكم في السياسة و التحالفات السياسية في مفاصل الاقتصاد السوداني إنتاجا و توزيعا و استهلاكا - في الصحة والتعليم والقانون الخ.. و نزعم بأن (الإنقاذ) عملت في تشكيل اوجه الحياة بهذا المنطق السوقي النيوليبرالي و ما هو متوقع و في هذا الحال من قوى الثورة ان تعيد قراءة هذا المنطق بقراءة نقدية تتجاوز فيه منطق الربح و حاكميته في الدولة و المجتمع المدني -في الحرب و السلام و العدالة.و في حالة الالتفاف على هذا السؤال - من بعض مما يزعم انتماءه للثورة يعني قبول سيادة منطق السوق(و ما هذا السوق كما ذهبنا في هذا المقال سوى سوق احتكاري تتحكم فيه الاوليغارشية الطفيلية و تدثرها بثوب البزة العسكرية و البرهان رمزها) في تحديد قيم الثورة في الحرية و السلام و العدالة..اي ان المنتوج في النهاية حرية بما يرضي محتكري السوق و سلام بما يرضي محتكري السوق و عدالة بما يرضي محتكري السوق و في هذا طريق دائري لعودة الاستبداد السياسي و نسفا للتحول الديمقراطي…و هذا مما دللت فيه تجربة الشراكة(قحت -حمدوك-العسكر ٢٠١٩٢٠٢١)و حيث فرض على المكون المدني مصالحه و قيمه السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و القانونية - تعطيل المفوضيات ال١٤ على الاقل دليل عابر.
#طارق_بشري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في ديالكتيك ثورة ١٩ ديسمبر وثلاثي الثورة المضادة
-
في إشكالية الانتقال والثورة والحرب مفهوم (الثورة السلبية) مد
...
-
في قراءات الحزب الشيوعي السوداني للمنعطفات (الثورية)
-
في الاقتصاد السياسي لاستلاب المزارعين ما وراء (التنزيح) في ا
...
-
حرب 15 ابريل و الامبريالية (الجديدة)... 12 أداة امبريالية… ه
...
-
التراكم الرأسمالي الاولي و نظام المؤتمر الوطني 1989 - 2019 ر
...
-
التراكم الرأسمالي الاولي و نظام المؤتمر الوطني 1989 - 2019 ر
...
-
قراءة نقدية في دورات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (2-3) الت
...
-
غرامشي و نحن: نحو اكتمال (ثورة) ديسمبر
-
في الاقتصاد السياسي للفترة الانتقالية (26 ) امريكا اللاتينية
...
-
في الاقتصاد السياسي للمرحلة الانتقالية (16)
المزيد.....
-
-سنقرر هذا الخميس كل شيء.. حرب أو صفقة-.. أحدث المحادثات مع
...
-
تقرير لـ-واشنطن بوست-: الولايات المتحدة تنشر 150 طائرة عسكري
...
-
خطوة غير مسبوقة: السفارة الأمريكية تقدم خدمات قنصلية في مستو
...
-
التحالف الأجنبي في كردستان العراق يعيد انتشار قواته تحسبًا ل
...
-
أخبار اليوم: تفاقم عجز ألمانيا لعام 2025 خلافا لتقديرات أولي
...
-
فرنسا: تعيين مدير قصر فرساي كريستوف لوريبو على رأس متحف اللو
...
-
كينيا.. من حلم الهجرة عبر وكالات التوظيف إلى القتال في صفوف
...
-
ألبوم -ديال الدار-: -أوم- تستكشف جذور الإقاعات المغربية بأدو
...
-
حين تصبح قوة الذكاء الاصطناعي سببا لرفضه.. جيل يسبح عكس التي
...
-
باستغلال مشاهد رمضان.. حملة إسرائيلية جديدة لتزييف الواقع ال
...
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|