أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف نمر - كنعان ذاكرة البحر والحضارة














المزيد.....

كنعان ذاكرة البحر والحضارة


يوسف نمر

الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 08:01
المحور: الادب والفن
    


لم أدخل كنعان بوصفها تاريخًا محفوظًا في الكتب، بل دخلتُها كذاكرةٍ تتجول معي. كانت الأرض تتقدم نحوي قبل أن أبلغها، والبحر يفتح صفحته الأولى كمن يعرف اسمي. هناك، بين حيفا ويافا، وبين عسقلان وغزّة، وصولًا إلى صور وصيدا، ثم شمالًا حيث أوغاريت ورأس شمرة على الساحل السوري، شعرتُ أنني لا أزور مدنًا، بل أستعيد نغمًا قديمًا لم ينقطع.

— همس أثير في داخلي: انتبه يا يوسف… هنا لا تبدأ الحكايات من الحروب، بل من الدروب، من المرافئ، من الأسواق، ومن الحروف الأولى.

امتدّ الساحل الكنعاني كذراعٍ مفتوحة، حاضنًا البحر واليابسة معًا. من حيفا حيث الكروم والملح، إلى يافا التي جمعت بين البرّ والبحر في مرفأ حيّ، إلى عسقلان التي برعت في الزراعة والتجارة على حد سواء. البحر هنا لم يكن حدًا، بل مرآة. مراكب خشبية من أرز الغابات الشمالية تجدف بإيقاعٍ يعرفه منذ آلاف السنين. لم يكن الكنعاني فاتحًا، بل تاجرًا للحياة، يعرف كيف يذهب ويعود.

— سألني أثير بدهشة صافية: أهذه كنعان؟ تبدو أرقى مما تخيلت!

— أجبته وأنا أراقب الأفق: هكذا تكون الحضارات الواثقة بنفسها. قوتها ليست في الصخب، بل في الاستمرار.

لم يكن للمدن عاصمة تبتلع سائر المدن. كانت المدن عواصم لبعضها بعضًا؛ حيفا، يافا، عسقلان، غزّة، القدس، صور، صيدا، جبيل، وأوغاريت في الشمال. شبكة من المرافئ والحقول والمعابد، لا مركز يفرض سيطرته. كل مدينة كانت تعرف دورها، وحدودها، وضرورة التكامل مع باقي العقد.

وحين بلغنا أوغاريت، تغيّرت نبرة الأرض. رأس شمرة لم تكن تلًا من تراب فقط، بل مكتبة حية. هنا صارت الأصوات علامات، وصار للكلام جسد. أبجدية واضحة لا تختبئ وراء طلاسم، ولا تُغلق أبوابها في وجه أحد. حروف قليلة، أصوات متمايزة، كأنّهم أرادوا للمعرفة أن تسافر بحرية.

— قال أثير، وكأنه يلمس الحروف بيده: كأنهم منحوا العالم مفاتيح الكلام!

— ابتسمت وقلت: ومنها عبرت إلى الفينيقيين، ثم إلى اليونان، فإيطاليا، ثم أبعد مما تخيلوا.

اقتربنا من المرافئ، فامتزجت رائحة البحر برائحةٍ نفّاذة. معامل الأرجوان كانت تعمل بصبرٍ يشبه الزمن. أصداف تُكسر، صوف يُغسل، وألوان تُستخلص من العناء. لم يكن الأرجوان زينة فحسب، بل معنى. سلطة لا تُفرض بالسيف، بل تُرى بالعين. لونٌ يسافر من أوغاريت وصور وصيدا إلى جزر المتوسط، إلى كريت وقبرص، إلى شواطئ اليونان وإيطاليا وشبه الجزيرة الإيبيرية.

كانت الحياة اليومية هنا فلسفة صامتة. فلاح يحرث أرضه ببغل صبور، خزاف يشكّل الطين ليصنع جرار الزيت والنبيذ، امرأة تخبز وتغنّي، طفل يتعلم الحرف قبل أن يسمع باسم الحرب. الحمير والبغال لم تكن علامة فقر، بل عماد حركة ودوام. العجلة لم تُخترع للقتال، بل للفخار. كل شيء يخدم الحياة، لا الموت.

دخلنا المعابد بلا رهبة. معابد لبعل، حيث يُسأل المطر عن موعده، ولمعبد إيل، الأب الحكيم الذي يوازن القوى، ولمحراب عناة، حيث تتجاور الحياة والموت دون فزع. الكهنة لم يكونوا تجّار خوف، بل حرّاس معنى. يدوّنون، يعلّمون، ويذكّرون الناس بأن الإله لا يُرضى بالدم، بل بالعدل.

— سأل أثير بصوت خافت: وماذا عن الملوك؟

— قلت: كانوا حُرّاس توازن، لا أنصاف آلهة. يُذكرون في الألواح لأنهم عقدوا معاهدات، لا لأنهم أشعلوا حروبًا. مثل نقمَدّو الثاني في أوغاريت، ملك عرف أن التجارة تدوم أطول من السيف.

لكن في ذروة هذا الامتداد، بدأ شيء غير مرئي يتحرك في داخلي. شعرت أن كثرة الزوّار ليست نعمة خالصة، وأن الغنى يجذب أعينًا لا تأتي دومًا للتعلم. هنا، بين هذا الجمال كلّه، وُلد الشكّ.

— همس أثير: كل هذا البذخ… ألا يلفت الأنظار أكثر من اللازم؟

— قلت له: نعم. الحضارات لا تُغزى لأنها ضعيفة، بل لأنها غنيّة.

من هنا، قبل أن يدخل التاريخ في صراعه، دخل الشك إلى الروح. تحوّلت من شاهد مطمئن إلى راوٍ قلق، وأثير من سائل بريء إلى حارس يقظ. لم يبدأ الانحدار بعد، لكن اليقين بدأ يتآكل بصمت.

وهكذا، قبل أن تسقط المدن، تَصدّعت الطمأنينة. ومن هذا الشرخ الصغير، ستبدأ الحكاية.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...
- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال
- ثقافة -البالة- في العراق: من ملاذ للفقراء إلى -صيد ذكي- للما ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يوسف نمر - كنعان ذاكرة البحر والحضارة