سميحة عامر
الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 07:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ما يجري في قطاع غزة منذ حرب 2023 لا يمكن توصيفه بوصفه أزمة تعليمية عابرة أو تعثرًا مؤقتًا في المدارس. نحن أمام انهيار تعليمي بنيوي شامل، وانسحاب قسري للمدرسة من المشهد العام، لا كمبنى فقط، بل كوظيفة تربوية، وحق إنساني، وأحد أهم أدوار الحماية المجتمعية.
المدرسة لم تتعثر؛ أُلغيت.
لم تُنتزع من الأطفال رمزيًا، بل جرى اقتلاعها فعليًا: إما عبر التدمير المباشر، أو بتحويلها إلى مراكز إيواء مكتظة، أُلغيت فيها كل مقومات الممارسات التربوية، ورغم ذلك، استمر الخطاب الرسمي والدولي في ترديد مصطلح “استمرارية التعليم”، وكأننا أمام سياق طبيعي قابل للإدارة. هذا الخطاب لا يعكس صمودًا، بل يُشكّل غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا لتطبيع الانهيار وتجميل فشل السياسات التعليمية.
التعليم ليس دوامًا شكليًا، ولا نشاطًا طارئًا يُدرج في تقارير المانحين. التعليم منظومة لها شروط واضحة وحدّ أدنى لا يمكن النزول تحته: بيئة آمنة، معلم قادر، أدوات، وتقييم. وحين تُغيب المدرسة نفسها، يصبح الحديث عن تعليم مدرسي خطابًا منفصلًا عن الواقع، بل خطابًا مُضلِّلًا يُفرغ الحق في التعليم من مضمونه.
إعدام المدرسة… وتحويل الإيواء إلى سياسة
مع تصاعد القصف، لم يكن الاستهداف مقتصرًا على المباني، بل طال الوظيفة التربوية للمدرسة ذاتها. تحوّلت المدارس قسرًا إلى مراكز إيواء، دُفنت فيها الصفوف والسبورات والمناهج تحت أولوية البقاء. لم يعد الصف فضاءً للتعلّم، بل مساحة انتظار قاسية، تُدار بمنطق الطوارئ لا بمنطق التربية.
هذا التحول لم يكن قرارًا تربويًا مرحليًا مدروسًا، بل نتيجة مباشرة لغياب سياسة تعليمية طارئة تحمي المدرسة بوصفها مرفقًا مدنيًا وحقًا أساسيًا. ومع ذلك، استمر الخطاب الرسمي في التعامل مع هذه المباني بوصفها “مدارس”، في تجاهل فجّ لحقيقة أنها فقدت وظيفتها التعليمية بالكامل.
السؤال هنا ليس إجرائيًا ولا تقنيًا، بل جوهري: عن أي مدرسة نتحدث؟ فالمدرسة، بمعناها التربوي، لم تعد قائمة، وما تبقّى هو فراغ تعليمي يُدار بلغة إنشائية لا تعترف بحجم الفقد.
النقاط التعليمية… إدارة الغياب لا استمرارية التعليم
في محاولة لاحتواء الفراغ، جرى إنشاء نقاط تعليمية داخل مراكز الإيواء أو في محيطها، وفق معايير التعليم في حالات الطوارئ. هذه التدخلات، بحسب تعريفها المهني، تهدف أساسًا إلى الدعم النفسي والاجتماعي، ولا ترقى إلى مستوى التعليم المدرسي النظامي.
الإشكالية لا تكمن في التدخل الطارئ ذاته، بل في إعادة تسويقه إعلاميًا وسياسيًا بوصفه “استمرارية تعليم”. هذا التوصيف يُشكّل خرقًا واضحًا للمفاهيم التربوية، ويحوّل التدخل الطارئ إلى أداة لإخفاء الفجوة التعليمية الحقيقية. ما يحدث ليس تعليمًا، بل إدارة مؤقتة لغياب المدرسة، يُعاد تقديمها للرأي العام على أنها إنجاز. هنا يصبح الخطاب أخطر من الواقع؛ لأنه لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يساهم في تطبيعها، ويُزيح النقاش من جوهر المشكلة إلى هوامشها.
خيام التعليم… شرعنة الرداءة باسم الطوارئ
يجلس الأطفال داخل خيام مهترئة، بلا مقاعد، بلا سبورات، وبلا أدوات. ورغم ذلك، يُطلق على هذه المساحات اسم “صفوف دراسية”. هذا التوصيف ليس بريئًا، بل يُشكّل شرعنة ممنهجة للرداءة، وتخفيضًا متعمدًا لمعايير التعليم حتى الحد الأدنى، ثم الاحتفاء بهذا الانخفاض بوصفه نجاحًا.
تغيير المسميات لا يغيّر الواقع. وما يُقدَّم بوصفه تعليمًا، هو في حقيقته تطبيع قسري مع انهيار طويل الأمد، وإعادة تعريف مشوّهة لمفهوم الصف والمعلم والتعلّم. الخطورة هنا لا تكمن فقط في ضعف البيئة التعليمية، بل في ما يُزرع في وعي الأطفال: أن هذا هو التعليم الممكن، وأن المدرسة يمكن اختزالها في خيمة وصوت معلم بلا أدوات.
تعليم الجوع… حين تُستبدل المعرفة بالإغاثة
في ظل المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، تغيّر دافع الحضور. لم يعد الطفل يأتي ليتعلم، بل ليحصل على وجبة أو مساعدة. هنا يبلغ الانهيار ذروته: يُستبدل التعليم بالإغاثة، ويُختزل الحق في التعلم في كرتونة غذاء. هذا التحول لا يمكن تسويغه إنسانيًا أو تربويًا. لأنه يفرغ التعليم من مضمونه، ويحوّله إلى أداة ضبط اجتماعي مرتبطة بالحاجة لا بالمعرفة، ويكسر العلاقة التربوية بين المتعلم والمدرسة.
غياب التقييم… إعلان الوفاة الرسمية للتعلّم لا تعليم دون تقييم.
وفي ظل غياب أي أدوات تشخيص أو متابعة أو تغذية راجعة، لا يمكن الحديث عن تعلّم حقيقي. ما يُمارس على الأرض هو نشاط إداري شكلي، يُستخدم لتعبئة التقارير لا لبناء معرفة. غياب التقييم ليس خللًا تقنيًا، بل خيار سياسي، يُخفي حجم الفاقد التعليمي، ويمنع مساءلة السياسات المعتمدة، ويُبقي الانهيار خارج أي نقاش جاد.
خاتمة: الاعتراف شرط الإنقاذ
ما يعيشه قطاع غزة ليس تعليمًا في ظروف استثنائية، بل فشلًا بنيويًا في حماية أحد أبسط الحقوق الإنسانية. تسويق الخيام، والنقاط التعليمية، والإغاثة بوصفها بدائل عن المدرسة ليس صمودًا، بل تطبيعًا مع الكارثة. الاعتراف بموت المدرسة ليس تشاؤمًا ولا جلدًا للذات، بل شرط أولي لأي مسار إنقاذ حقيقي. أما الاستمرار في الاحتفاء بالهامش وتغييب الجوهر، فلن يبني تعليمًا، ولن يحمي جيلًا، بل سيُراكم الانهيار تحت غطاء خطاب إعلامي مُضلِّل. السؤال لم يعد: كيف نستمر؟ بل: متى نعترف أن ما نمارسه ليس تعليمًا؟
اعتمد المقال في تحليله على تقارير أممية ودولية موثوقة تناولت واقع التعليم في قطاع غزة خلال حرب 2023 وما بعدها، ومن أبرزها:
• UNRWA – United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees. (2024).
Education under attack in Gaza.https://www.unrwa.org/resources/reports/education-under-attack-gaza
• UNRWA. (2024).Ongoing war in Gaza will set children’s education back by years.
https://www.unrwa.org/newsroom/notes/ongoing-war-gaza-will-set-children-and-young-peoples-education-back-five-years
• UNICEF – United Nations Children’s Fund. (2024).State of Palestine: Humanitarian Situation Report.https://www.unicef.org/emergencies/state-palestine
• UNICEF. (2025).After two years of war: Gaza’s education system on the brink of collapse.https://www.unicef.org/mena/stories/gaza-education-system-collapse
• OCHA – United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2024).
Gaza reported impact snapshot.https://www.ochaopt.org
• OCHA. (2024). Humanitarian Situation Update: Gaza Strip.https://www.ochaopt.org/content/humanitarian-situation-update
• UNESCO – United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization. (2024).
Education in emergencies: Protecting the right to learn.
https://www.unesco.org/en/emergencies/education
• INEE – Inter-Agency Network for Education in Emergencies. (2024).
Minimum Standards for Education in Emergencies.
https://inee.org/minimum-standards
• ACAPS. (2024).One year of hostilities: Impact on education in Gaza.
https://www.acaps.org
• Euro-Mediterranean Human Rights Monitor. (2024).
Palestinian education under attack in Gaza.
https://euromedmonitor.org
#سميحة_عامر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟