أبوطالب محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 20:52
المحور:
الادب والفن
قراءة السياق السياسي والاجتماعي في رواية 48
لمحمد المصطفى موسى
أبوطالب محمد
تعتمد منهجية هذا المقال على السياقين السياسي والاجتماعي لرواية 48، الصادرة عن دار زراف للنشر 2026 بلندن، لكاتبها القاص محمد المصطفى موسى، صاحب كتاب (الأصداء العالمية للثورة المهدية ومجموعة كافينول القصصية)، والجدير بالذكر أن الكاتب مولع بالتاريخ الاجتماعي والسياسي أشد الولع، كما في كتابه الأصداء وكافينول. وروايته 48 -قيد الدراسة- تستمدّ جذرها المعرفي من التاريخ السياسي والاجتماعي لحقبة محدَّدة من تاريخ السودان الحديث، ومدلول العنوان (48) إشارة واضحة للتحوُّلات الفكرية التي طرأت على الساحة العربية من قضايا مهمَّة، حوَّلت ثقل المقاومة الشعبية لصالح الوطنيين ضدّ الغازي الأوروبي، كما مثَّلت بدايات النكسة العربية، واحتلال فلسطين، وعلى المستوى الإداري إنهاء الانتداب الأوروبي للمستعمرات في إفريقيا.
نسجَ الكاتب خلال هذه التحوُّلات التاريخية؛ متون سرده صوب المجتمع السوداني، وما يثور فيه من صراعات ناجمة بين بقايا الاستعمار ومختلف الجاليات من يهود وأغاريق مستثمرين مع أبناء البلد الوطنيين، أو بمعنى آخر الرأسمالية الوطنية. مثَّل الجانب السياسي في متن الرواية أبناء الأمير منصور، القائد الوطني الذي لمع نجمه محارباً واقتصادياً أيام المهدية، وعُرف عنه بالبسالة والشجاعة، خاض مع الإمام المهدي معارك شتى، حتى صار له شأنٌ كبيرٌ في تاريخنا الحديث من باب التخييل الروائي. وعلى المستوى الفني، يدخل أبناء الأمير منصور بذات القوَّة عالم المتخيَّل السردي ويبقى لهم نفوذاً كبيراً مهيمناً على مجرى الأحداث، فهم يمثلون الرأسمالية الوطنية متحالفين مع تيارات شعبية أخرى كتيار المرضي سرور و طيفور جرقندي و منوفلي التوم. ويخوض هذا التحالف صراعات مستعرة مع الأخر الأوروبي ويهيمنون على السوق، لأن السوق في الرواية؛ الأيقونة الأبرز التي تتعارك حوله الرأسمالية الوطنية والقوة العاملة مع سلطة مفتش البلدية الانجليزي (همفري).
وينضم طرفٌ آخر للصراع السياسي بقيادة (ماتريد) الزاندية صاحبة الإنداية، التي تقول عنها الأسطورة: إن الإله مبوري يرسل امرأة شابة تحرِّرنا من البيض، أمها مولودة في ضفاف نهر الجور، يصحبن (ماتريد) رفيقات مناضلات يعملن بائعات كسرى وشاي وينخرطن في صفوف هذا التيار الشعبي الواسع ، ويصير لهن الكلمة الأعلى في سوق العيش، وتنظيم اللقاءات السياسية بحضورهن المميّز في الشأن السياسي والاجتماعي العامين.
يبرز بين هذه الصفوف (عوض الكريم) - طالب مدرسة كتشنر الطبية اليساري - ليدير هذه الصراعات ويستقطب لها العتَّالين، أمثال: (سِيد الرجال، أب لاطومة، والناشف) والموظفين والباعة. ومن جانب آخر هناك وجود طيفي لشخصيات مثل السيد عبد الرحمن المهدي الذي يمثل حلقة وصل في فضِّ النزاعات وسدِّ نواقص رأس المال ..و السيد علي الميرغني الذي يشكل حضوراً مهماً وقطباً موازياً لإبن المهدي . و تبرز في مقابلهم جماعات أخرى يديرها أغاريق ويهود وإنجليز يعملون في مهام مختلفة، بينهم مدير البلدية والسكرتير الإداري المنتدبين. تظهر شخصية (رافائيل البعلبكي) في ظلِّ هذه الأوضاع المشحونة بالصراعات والمكايدات؛ لتضاعف الصراع وتثير تساؤلات تهم عمال السوق وموظفي الإدارات.
رافائيل البعلبكي - يهودي لبناني - يظهر عليه الوقار والتديُّن(يدعي التحول إلى الإسلام).ومن أجل إيجاد مكانة له في معارك سوق العيش، يستغل (شخصية الشيخ الرفاعي) ذات السمعة الحسنة والثروة الضخمة، ويعمل معه مُجرد موظف صغير يوكل له جمع الديون ومتابعة سير ممتلكاته، ومنها وجد البعلبكي المدخل الأساس للتعرف على الرأسماليين الوطنيين، ويستوعب موازين الصراعات بين كافة الأطراف. تعرَّف على كُلِّ شاردة وواردة في دهاليز السوق، وهو جاسوس كما يعرّفنا به الراوي ويقول عنه :(يعمل لصالح جماعة الجستابو، خرج من لبنان بتهمة مقتل أخيه موشيه ويستولي على عقارات والد صديقه لويس ببيروت). وأول انقلاب نفذه البعلبكي بعد فهمه لموازين القوة، تحويل عصَّارات الزيوت التقليدية إلى مصانع حديثة، التي رأى العمال في وجودها تضييق لمعاشهم وتقليص فرص عملهم. من هنا، تعقَّدت نقاط واشتداد الخلافات واحتدام المؤامرات والتنافس بين كُلِّ طرف والآخر.
وَسَّع الكاتب في روايته دائرة الصراعات المناهضة، وضمَّت الأشقاء والإخوان المسلمين والشيوعيين والأنصار، قاد هذه التوجُّهات (عوض الكريم) عبر نشاطات جمعية أم درمان للثقافة، معلناً تضامنه مع القوى العاملة ومناهضاً ضد النظام الرأسمالي الطفيلي، وسخَّر أدواته المناهضة؛ عبر ندوات ينظمها داخل مقار مدرسة كتشنر الطبية، يستمع لرأي العتالة والباعة في سياسة الاستعمار الاقتصادية. تتضاعف وتائر المناهضات في الرواية وتشمل مباريات كرة القدم في دار الرياضة - أم درمان بين فريقي الموردة وفريق استاك الذي تأسس تحت إشراف السير لي ستاك حاكم عام السودان البريطاني .
يؤسس الكاتب من خلال صراع عوض الكريم مع البعلبكي مشهد المحكمة الذي يحسب لصالح معسكر (الأمدرمانيين) بسوق العيش . و يتم اتهام عوض الكريم للبعلبكي بأنه محتال ومغتصب لأموال (الرفاعي)، يرفع البعلبكي دعوة قضائية ضدّ عوض الكريم ويسجن بتهمة إشانة سُمعة البعلبكي، تعقد جلسات المحكمة بين الطرفين على التوالي وتضمّ مؤيدين لكُلِّ طرف، ويستمع القضاة لإفادات شهود الطرفين، تنقلب الطاولة على البعلبكي بسماع شهادة صديقي اللبناني (لويس)، حين يقول:
(أعرفه منذ المدرسة، ومن ذلك الأوان وهو بارع في التقمُّص، يتظاهر بالضعف ليبلع أقرب الناس إليه، أخوه موشيه أول من أقصى في حياته، قتله في بئر مزرعته، ما فعله في دير ميماس فعله في بيروت ثم أعاده على مخازن الرفاعي أنه يستخدم ماكيناته لإزاحة صغار التجار، يسعى لسحق العتالين والعربجية وكُلِّ ضعفاء السوق، وعوض الكريم لم يفعل شيئاً أكثر من توصيف حالته).
فضح مشهد المحكمة شخصية البعلبكي وتناوشته سهام الأعداء، مما اضطر النادي اليهودي لعقد اجتماع بخصوص قضيته وشراء أسهمه في مصانع الزيوت، وضمان خروج آمن له للقدس. كشفت جلسات المحكمة التأييد الواسع من قبل قوى المقاومة الشعبية بالسوق ضدّ البعلبكي، ومن جانب آخر وحَّدت آراء التيار الشعبي في سوق العيش حتى أصبحت القضية نفسها لا تقل أهمية عن قضية الاستقلال.
وجمع الكاتب كُلَّ وحدات الصراعات في جماعات متفرقة، منها: اهتمام اليهود بنفوذهم في السودان بقضية البعلبكي و مساندتهم له ، وانضمام قاع السوق المنسى تحت راية المقاومة الشعبية الصاعدة و بكُلِّ أطيافهم: عتالون وعربجية وسياسيين وموظفين وستات شاي وصاحبات أنادي .و انتظمت أشكال الرفض لنفوذ البعلبكي عند هؤلاء في أشكال شتى : بعضهم كانوا يقرأون راتب المهدي تحت صرح قبة المهدي، و حتى الميرغني نفسه أرسل رجالاً يقرؤن الفاتحة نيابة عنه. أما البعلبكي فظل منفرداً هارباً وتاركاً خلفه مؤسسة تجارية تتعرّض للحريق، بمعنى أن مؤامرته وجهوده ومخططاته أحبطها التكاتف الجماعي لسوق العيش ، حتى قال ،في عبارة تلخص براجماتية المجتمع اليهودي حينما يتخلص من كرت خاسر مثله :
(لفظوني كما تلفظ النوى من الفم لأنني لم أقبل أن أكون ترساً صغيراً في آلتهم، عندهم البقاء للجماعة)، و ارتفعت أصوات فريق رابع من سوق العيش بضرورة تحويل مصانع البعلبكي لعيادات خيرية باسم الرفاعي.
أخلص إلى القول، إن رواية 48 صورة لتاريخ السودان الحديث الذي شهد عدَّة تحوُّلات فكرية مهَّدت لاستقلاله. ويصح أن نطلق عليها إنها رواية تصبّ في خانة المناهضة ضدّ الاستعمار.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟