أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الرزاق ايت بابا - بين فيبر وماركس















المزيد.....

بين فيبر وماركس


عبد الرزاق ايت بابا

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 03:10
المحور: قضايا ثقافية
    


ماكس فيبر وكارل ماركس : شهادة على مصير الإنسان في الأزمنة الحديثة

في ال 150 سنة ماضية، قد لا نجد أكثر من المفكرين الألمانيين فيبر وماركس من حيث عمق التحليل والتأثير، في فهم الحداثة المتأخرة. لذا من الضروري، ومن المفيد، اعادة تقييم العلاقة بين فيبر وماركس، في محاولة لقراءة ماركس فيبريـا وقراءة فيبر مـاركسيا. وهذا كان هدف المفكر الألماني "كارل لويـث" في مؤلفه عن المفكرين (ومفكرين آخرين، نذكر على سبيل المثال، جورجـي لوكاتش في تحليل مسألة التشيؤ، او فالتر بنيامين في نقد دين الرأسمالية او تحول الرأسمالية الى دين حديث، او ميرلوبونتي والذي وظف مفهوم الماركسية الفيبرية)، بالاضافة، ان كل من فيبر وماركس، ومع الاختلاف الحاصل على مستوى الأدوات ومواضيع البحث، الا انهما يشتركان في تناول نفس المجال (وبعض جوانب الموضوع)، وهو المجتمع الصناعي الحديث، وبشكل ادق، مصير الإنسان فيه.

وما يبرر هذا التقابل المنهجي، ان هنالك نصا شهيرا تحت عنوان "الاشتراكية" (سنة 1918)، عمل فيه فيبر على نقد التصور الماركسي للتاريخ (يرى فيبر، ان "الماركسية عنده لا تشكو من قلة ايمان بالعلم، بل من الافراط بهذا الايمان" وهذا ما يهددها بالتحول لنزعة علموية وضعية تحول العلم الى دين جديد= ورد في متن الكتاب). لقد عد فيبر في هذا النص، مؤلف ماركس "البيان الشيوعي" (1848)، بمثابة وثيقة نبوية prophetic document، تقدم تفسيرا احاديا interpretation unilatérale في صيغة كونية formule universelle، فهي "وثيقة نبوية" لأنها تحدد لنا : 1/ المعنى النهائي للتاريخ الانساني 2/ ثم تقدم ادانة اخلاقية لبنية المجتمع "الظالم" (البرجوازية-البروليتاريا، وتشكل الاخيرة هاته الاخيرة في اللاوعي السياسي لماركس، ما يمثل شعب الله المختار في المجتمع الصناعي الحديث )، 3/ ثم تقدم الوعد بالخلاص الدنيوي salvation والمتمثل في الشيوعية، وهذا ما جعل فكر ماركس، بالنسبة لفيبر، اقرب الى دين دنيوي religion séculiére، كما ان الماركسية تصبح "ميتافيزيقا للتاريخ" عندما تحول العامل الاقتصادي من عامل تاريخي ممكن ( بين عوامل اخرى كالعامل السيكولوجي او الانثربولوجي او الديمغرافي او الروحي ) الى قانون انطولوجي كوني ومبدأ principe ترد اليه كل العوامل الاخرى (انظر الفصل الاخير من مؤلف كارل لويث).

ان "موضوع" علم الاجتماع ليس موضوعا محددا (او العلوم الثقافية الاجتماعية في تصنيف فيبر sociocultural sciences)، لكن المهم في حالة فيبر وماركس، أنهما ينقدان من داخل المجال عينه : المجتمع الصناعي الحديث. ان أهمية عملهما، تنبع اولا من ان علم الاجتماع (او العلوم الاجتماعية والانسانية)، هي نتاج هذا المجتمع، انه المجتمع الذي تكونت فيه الشروط الموضوعية المجتمعية التاريخية والمعرفية لأول مرة في التاريخ الانساني، لقيام هذا العلم، وان اختلاف المواضيع، لا يعني اختلاف المجال، وهكذا يذهب "كارل لويث"، لإقامة التعليل التاريخي لهذا التقابل النظري، في البحث عن أوجه التشابه convergence وأوجه التباين divergence ، الأنثربولوجية الفلسفية، كأساس للتحليل الاقتصادي والاجتماعي، في عما "يشكل إنسانية الإنسان-او ما تبقى منها- في هذا العالم" (ص 30 من المؤلف).

يبتدأ "كارل لويث" بتعليل إمكانية التقابل المنهجي بين فيبر وماركس، لكن النقطة المشتركة بينهما هي انهما يتبنيان مواقف دهرية خالصة من الحياة، متوجهة بالكلية صوب الحياة الدنيوية، وهذا التوجه من الفكر يتنافى مع كل نوع من الافكار المسبقة، مع اقامة فارق اساس، فمن جهة اولى، فيبر قومي الماني النزعة، ابتدأ بالسياسة وانتهى به الطواف الى العلم الخالص، نيو-كانطي على مستوى المعرفة، وفرداني على مستوى المنهجية. اما ماركس في المقابل، فقد ظل كوني كسموبوليتاني" النزعة، ابتدا بالفلسفة الى السياسة، ويشكل التجذير المادي الاعلى لهيغل على مستوى المعرفة، ويؤكد في تحليله على السيرورات الاجتماعية قبل كل شيء، وأخيرا، فإن الذي يشكل الى فيبر "مصيرا حتميا"، يشكل بالنسبة الى ماركس مجرد "ما قبل التاريخ الانساني"، وحيث وضع ماركس بداية التاريخ البشري الحقيقي، اي الخالي من التناقضات، وجد فيبر في الحداثة بداية عصر اخلاقيات القناعات غير المسؤولة ( انظر ص 87 من المؤلف ).

ان الخلاف المنهجي بين فيبر وماركس لا يكمن في الاهتمام بالمجتمع الصناعي الحديث، بل في طبيعة التكوين الشخصي ( الذي عرضناه اعلاه ) والمنطلقات والتفسير، ان الغاية النهائية لدى فيبر هو تحقيق صرح العلم المتجرد la science axiologiquement neutre أي العلم الذي يقتصر على ما هو "ce qui est"، ان السوسيولوجيا عند فيبر هي علم الفهم Verstehen، اما مسعى ماركس، فهو تحقيق صرح وحدة النظرية مع الممارسة praxis ( انظر ص 36 من الكتاب ). بعبارات اخرى ممكنة، فإن فيبر يضع مسافة نقدية مع النزعة الكليانية في المنهج الماركسي، والتي سعت الى تقديم تفسيرات كلية تهمل المعنى الفعل الاجتماعي action sociale، ينطلق من منهجي تفهمي Verstehend ، احتمالي، غير حتمي، من اجل فهم دوافع الأفراد ومعاني الأفعال.

ان النقطة الاساسية حيث يظهر جليا الاختلاف بين فيبر وماركس، هو في تحليل نشوء الرأسمالية، والتي هي عند فيبر ليست مجرد "مواد خام"، أي مجرد علاقات بين قوى الانتاج ووسائل الانتاج، بل هي اسلوب حياة un style de vir، مستند الى العقلانية التي تتطور في سياق اقتصادي محدد، بوصفها كلية أصيلة ومتفردة totalité unique، ورح geist الجماعة الغربية في الأزمنة، وهذه الروح في شكلها الحديث هي البروتستانتية، وبالتالي، فإن "الرأسمالية لا تشكل في حد ذاتها المصدر المستقل للعقلانية، بل ان اسلوب الحياة العقلانية – ذا الدافع الديني بالأساس -، هو ما سمح للرأسمالية ( اي الاقتصاد المعقلن )، بمعناها العام، بالنمو التاريخي، حتى اصبحت في القرن 19 قوة حياة مهيمنة" ( انظر ص 64 من الكتاب ).

فالعلاقة بين البروتستانتية والرأسمالية اذن، ليست علاقة جوهرانية، او علاقة سببية-خطية ( كما في التاويل الماركسي )، او حتمية اقتصادية déterminisme économique، بل هي علاقة "انجذاب تاريخي" elective affinity مستند الى روح وتقاليد جماعة ممتدة في الازمنة. يفسر ماركس اذن التاريخ من خلال "الكل الاقتصادي"، ويرى ان الايتيقا البروتستانتية هي بنى فوقية منعكسة عن العلاقات الانتاجية الراسمالية، اما فيبر، وعلى العكس من ذلك، فيحاول تفهمه من خلال "تعدد المعاني" و"الانجذاب الاختياري العفوي بين الظواهر" والتي لا علاقة سببية-خطية بينها.



#عبد_الرزاق_ايت_بابا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علال الازهر والمسألة القومية
- ما الشكل السياسي الانسب للمغرب ( مراجعات فكرية )
- مدخل لقراءة كتاب المادية وتفكيك الانسان للمفكر عبد الوهاب ال ...
- العلاقة بين الفلسفة والعلم
- الاسلام السياسي في الفهم ومنطق التحالف


المزيد.....




- قتيلان وناج في هجوم للجيش الأمريكي على قارب في المحيط الهادئ ...
- الملكة رانيا تتألّق بإطلالة -دنيم- عصرية في العقبة
- لماذا عادت صناعات التعدين إلى الواجهة في الآونة الأخيرة؟
- لحظة شنّ الجيش الأمريكي غارة على زورق يُشتبه في تهريبه المخد ...
- أنجلينا جولي تخطف الأنظار بفستان شفّاف في باريس
- المسيرات الانتحارية: نقلة نوعية في العقيدة العسكرية الألماني ...
- إيران تعلن استعدادها لخفض تخصيب اليورانيوم مقابل رفع -كامل ل ...
- بريطانيا: ضغوط متزايدة على ستارمر للاستقالة وسط تداعيات فضيح ...
- كوبا تختنق بسبب الحصار الأمريكي.. شلل في المطارات بسبب نفاد ...
- فيضانات المغرب.. نازحون بين الخوف والانتظار وترقب لتحسن أحوا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الرزاق ايت بابا - بين فيبر وماركس