نسيم قبها
الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 02:50
المحور:
الادب والفن
رؤية فلسفية في "تراتيل تل أبيل": سردية الوجود بين الذلّ والمقاومة
نسيم قبها / كاتب وأديب فلسطيني
إن نص "تراتيل تل أبيل" لهاني عبيدات ليس مجرد انعكاس سطحي للواقع، بل هو مرآة كبرى تعكس تشظي الوجود الإنساني في زمن الاغتراب المادي والانهيار القيمي. عبر لوحات سردية مكثفة، يتحول النص إلى أركيولوجيا حفرية في طبقات الذات والوطن، حيث يصير كل حكاية استعارةً لسؤال وجودي أكبر.
انزياح أنطولوجي: من الفروسية إلى الجحوشية
يبدأ النص باستعارة الفروسية والجحوشية ليطرح سؤالاً جوهرياً عن التحول من الوجود العضوي المتكامل إلى الوجود الآلي المنفصل. الفارس والجواد يشكلان "كائناً مركباً" تتوحد فيه الإرادة والروح، في علاقة جدلية يسميها الفيلسوف مارتن هايدغر "الاهتمام بالعالم" . أما الجحش الحديدي، فهو تجسيد لعصر التقنية الذي يحوّل العلاقة من "تناغم" إلى "استعمال"، ومن حوار وجودي إلى احتكاك ميكانيكي. هنا يصبح الإنسان مجرد مُشغّل لآلة لا تعقل، ولا تشعر، فإذا ما أخطأ تخلى عنه الجحش الحديدي دون رحمة. إنه الانزياح من عالم "المعنى" إلى عالم "الوظيفة"، حيث تغيب الآخرية الأخلاقية ويحل محلها الاستهلاك الصامت.
فقر الوجود: حين يصير الجسد سجناً
في مشهد الحلاقة والشفرات، يتحول الفقر من حالة اقتصادية إلى سجن أنطولوجي. الشفرة التي كانت أداة بسيطة للحلق تصبح مقياساً للقيمة الإنسانية. إنه تجسيد لفكرة الفينومينولوجي إدموند هوسرل عن "العالم المعيش" الذي ينهار تحت وطأة الحاجة. الحكومة التي "تحلق على الناشف" تمارس عنفاً رمزياً على الجسد الاجتماعي، فتُذل الكرامة تحت مبررات النظام والضرورة. حتى المحاولات الفردية للمقاومة، كسرقة الشفرة، تصير فعلاً عبثياً في مواجهة آلة القهر الكبرى.
مفارقة النعيم: الوفرة كمرض وجودي
في إشارة إلى "مؤخرة ابن عبدون"، يستدعي الكاتب حكمة تراثية تذكرنا بفلسفة الرواقيين والتصوف الإسلامي: إن النعيم الزائد يولد "فضلات رديّة" في الأجساد والأذهان. هنا، تُعاد صياغة ثنائية الجسد والروح؛ فكثرة الأغذية لا تغذي الروح، بل تُغطيها برطوبات اللحم والأخلاط. الفقراء، في هذه الرؤية، قد يكونون أحسن حالاً لأنهم أقرب إلى النقاء الوجودي، بينما يغرق الأغنياء في بحر من الامتلاء الخاوي. إنها دعوة إلى "التقشف الوجودي" كشرط للصفاء الفكري والأخلاقي.
سلطة الذلّ: عندما يطلب المحكوم زيادة الجلادين
في قصة "الرئيس العادل مهران بن بهرام"، يتحول الاستعباد إلى حالة نفسية عميقة، حيث يطلب المحكوم زيادة عدد الجلادين لتسريع عملية الإذلال. إنها الصورة الأكثر قتامة لـ الاستلاب السياسي، كما نظر له ميشيل فوكو في "المراقبة والمعاقبة". السلطة هنا لا تكسر الجسد فقط، بل تكسر الإرادة وتشوه الرغبة. فالرعية لم تعد تطلب الحرية، بل تطلب "ترتيب العذاب" وتنظيمه. إنه انتصار النموذج البنثوبتي حيث يصير المرء سجّان نفسه.
اغتراب الهوية: اللكوعة واستعارة التيه
"اللكوعة" – المولود اليتيم الذي يرضع من مصادر متعددة – هي استعارة مروعة للهوية المشتتة في عصر العولمة. إنها الكائن الذي يفقد أصله، فيصير لحمه "نتن الطعم" لأنه لم يتغذ من "أمه البيولوجية". إنها إشارة إلى أزمة الانتماء في عالم يفرض التبعية الثقافية والاقتصادية. الراعي الذي يبحث عن المزيد من اللكوعات في ظل وفرة الحليب، هو صورة للسلطة التي تنتج تابعين مشوهين، لا يقنعون ولا يشبعون، لتبقيهم في حالة عطال دائمة.
الأنيق والرزيل: الازدواجية الأخلاقية في عالم الزيف
المحامي اليهودي الذي يسرق حبة فاكهة تحت عباءة الأناقة، هو نموذج للازدواجية الأخلاقية التي تسود عالمنا. الأناقة هنا قناع يخفي الرزالة الجوهرية، كما أن شعارات العدالة والقانون تخفي نهباً تاريخياً. إنه تجسيد لفكرة جان بودريار عن "المحاكاة" ، حيث تحل الصورة محل الحقيقة، والشكل محل الجوهر. اللص الأنيق لا يسرق الفاكهة فقط، بل يسرق "الأقصى والقيامة وفلسطين كلها"، أي يسرق الذاكرة والوجود نفسه.
الخاتمة: التراتيل كفعل مقاومة
"تراتيل تل أبيل" هي، في عمقها، فعل مقاومة وجودي. الكتابة هنا تصير طقساً للحفر في الأنقاض، بحثاً عن شظايا المعنى والكرامة. النص لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يقدم تشريحاً للجرح، لأن أول العلاج – كما يقول الكاتب – هو الكي، حتى لو كان مؤلماً.
إن جمالية النص تكمن في قدرته على تحويل اليومي والعادي إلى استعارة كونية. فالقصص البسيطة عن الحلاقة والقطط والبراميل تتحول إلى أسئلة فلسفية عن الوجود والعدم، الحرية والعبودية، الأصالة والاغتراب. الكاتب لا يكتب من برج عاجي، بل من صميم الوحل، وهذا ما يجعل نصه شهادة وجودية وصيحة في وادٍ من الصمت.
التوسع الفلسفي: السرد كاستعادة للزمن المفقود
يُضاف إلى هذه القراءة بُعدٌ زمنيٌ فلسفيٌ عميق؛ فالنص ليس مجرد تشريح للواقع، بل هو استعادة للزمن المفقود عبر آلية التذكر السردي. كل حكاية تعيد بناء زمن الذات في مواجهة زمن السلطة المُفْرِغ من المعنى. حين يستحضر الكاتب طفولته في بيادر القمح، أو شعيرة المنسف، أو حتى علاقة الجدّة بالقصر والقسوة، فإنه يمارس ما سمّاه الفيلسوف بول ريكور "الهوية السردية" – أي بناء الذات عبر حكايات تعيد ربط المشتت من الزمن. هذا الفعل السردي هو شكل من المقاومة الجمالية ضد اغتراب الزمن المعاصر، حيث يصير الوقت مجرد سلعة تُستهلك في طوابير المرور والضرائب والانتظار.
الانزياح الجمالي: من الهامش إلى المركز الفلسفي
الأهم أن النص يرفع الهامش إلى مركز التأمل الفلسفي. الشخصيات البسيطة – الحلاق الأبكم، بائعو الترمس، العجوز في الحافلة – تتوقف عن كونها ديكوراً اجتماعياً لتصير رموزاً أنطولوجية. الحلاق في إسطنبول الذي يحلق بالنار، ليس مجرد حرفة غريبة، بل استعارة للعلاقة بين الجمال والألم، بين التطهير والحرق. هذا الانزياح الجمالي يُذكّرنا بفلسفة ألبرت كامو في "العبث"، حيث يصير اللامعقول مصدراً للمعنى. السخرية المُرّة التي تنسج خيوط النص ليست هروباً من الواقع، بل هي سلاح معرفي يكشف تناقضات الوجود دون أن يستسلم لليأس.
الخلاصة: التراتيل كوعد بمستقبل الذاكرة
في النهاية، "تراتيل تل أبيل" هي وثيقة وجودية تثبت أن الكلمة لا تزال قادرة على انتزاع الشرعية من فم القهر. التراتيل ليست للندب فقط، بل هي إنشاء لوعي جديد قائم على رفض النسيان. النص يحوّل الذل إلى مادة للسرد، والخيبة إلى منجم للبلاغة، والفقد إلى أرشيف للروح. وهو بذلك يقدم إجابة ضمنية على السؤال الوجودي الأكبر: كيف نعيش بكرامة في عالم يريد طحننا؟ الإجابة تكمن في استمرار الحكاية، في تحويل الجرح إلى قصيدة، والغضب إلى ترنيمة. فالكاتب، عبر هذا النص، لا يروي عن تل أبيل فحسب، بل يبني تلّاً جديداً من الكلمات، يكون ملاذاً للذاكرة وحصناً ضد الاندثار.
قراءة في لوحة الغلاف
هذا الغلاف يقدّم حوارًا بصريًا مكثفًا بين القدسي والزمني، بين الثابت والمتحول. يهيمن اسم الجلالة والنبي صلى الله عليه وسلم – الركنان الروحيان المتعاليان – لكن التاريخ ٢٠٢٥ / 2/25 في الزاوية يربطهما بالحاضر والمستقبل المحدد. التصميم مقتضب، يكاد يكون زهديًا، وكأنه يقول: الجوهر هنا في الكلمات، في المضمون المتعالي، لا في الزخرف. الخط العربي المهيب يشغل الفراغ كحضور روحاني، بينما التاريخ الغربي الصغير يشير إلى لحظة قراءة بشرية عابرة. هو انعكاس بصري لفكرة الخلود في مواجهة الزمن، والأصل في مواجهة المعاصرة. الغلاف ليس مجرد وعاء، بل بيان فلسفي بصري مكثف.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟