أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وَلات أَسَن - حلب لم تكن النهاية














المزيد.....

حلب لم تكن النهاية


وَلات أَسَن

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إنّ السبب الجوهري والبنيوي للمآسي التي تتعرّض لها الكُرد على امتداد التاريخ وإلى الآن؛ هو غياب الدولة. فافتقارهم إلى السيادة الوطنية، وإلى إرادة سياسية مركزية، وإلى آليات دفاع جماعية، جعل المجتمع الكردي في كل مرحلة مكشوفًا أمام التدخلات الخارجية، وحروب الوكالة، وسياسات الإبادة المتعمّدة. وما جرى في حلب لم يكن سوى تجلٍّ راهن وملموس لهذه الحقيقة التاريخية.
في حالة حلب، فإن موقف حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) إمّا عكس عمىً سياسيًا عن قراءة الواقع، أو أشار إلى خيار واعٍ قضى بترك الكرد لمصيرهم في مواجهة داعش وما شابهها من التنظيمات الجهادية. وفي كلتا الحالتين، لم تتغيّر النتيجة: فقد دفع المدنيون الكرد ثمنًا باهظًا، دون أن يتحمّل أحد مسؤولية تاريخية عمّا جرى.
إنّ أطروحات «كانتونات المدن» و«اللامركزيات الحيّية» و«الدفاعات المحلية»، في مواجهة الجيوسياسية القاسية للشرق الأوسط، وواقع الصراع المتعدّد المستويات، والتنافس الوحشي بين الفاعلين الدولتيين، تبقى عاجزة عن إنتاج ردٍّ استراتيجي حقيقي. لقد ظلّت هذه المقاربات مشاريع رومانسية، تفتقر إلى البصيرة، ولا تنسجم مع موازين القوى الفعلية على الأرض. والأخطر من ذلك، أنّ ثمة مؤشرات قوية على أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الاستراتيجيات قد تشكّل لا انطلاقًا من إرادة المجتمع المحلي، بل وفق توجيهات مركزية صادرة من قنديل.
هذا الواقع أعاد إلى الواجهة، وبصورة صارخة، أزمة بنيوية طالما تهرّبت الحركة السياسية الكردية من مواجهتها: غياب الإرادة السياسية المركزية، وانعدام آليات تمثيل وطني خاضعة للمساءلة. فالتشكيلات المسلحة أو شبه المسلحة المحلية، في غياب أرضية سيادية معترف بها دوليًا، وبدون عقل دولة مؤسّس ومُمأسس، لا تستطيع أن تضمن وجود الشعب الكردي وأمنه بصورة دائمة. وما حدث في حلب جاء ليؤكّد هذه الحقيقة مجددًا، ولكن بكلفة بشرية فادحة.
إن الخط الذي اتّبعه حزب الاتحاد الديمقراطي لا يمكن اختزاله في خطأ عسكري أو تكتيكي فحسب؛ بل هو تعبير عن خيار سياسي قدّم أولويات أيديولوجية ضيّقة على حساب المصالح الوطنية الكردية، متجاهلًا حقائق الواقعية السياسية. فبدلًا من وضع أمن الشعب الكردي واستمراريته في المقام الأول، جرى الارتهان لحسابات تنظيمية محدودة، عاجزة عن قراءة توازنات القوى الإقليمية، الأمر الذي قاد إلى ترك المدنيين بلا حماية، وبلا دفاع، وبلا أفق.
وهنا تبرز مسألة المسؤولية السياسية والمساءلة بوصفها قضية مركزية. فغياب أيّ مراجعةٍ ذاتيةٍ شفافةٍ وصادقةٍ من قبل الجهات التي اتخذت هذه القرارات أو أدارت هذا المسار، ومحاولة تصوير ما حدث على أنه «حتمي» أو «نتيجة للظروف الخارجية» أو «ثمن لا بدّ منه لأهداف ثورية كبرى»، يُعدّ أمرًا مرفوضًا أخلاقيًا وسياسيًا. فالحركة الوطنية لا يحقّ لها أن تُطَبّع مع معاناة شعبها، ولا سيما عندما تكون هذه المعاناة متوقّعة وقابلة للتجنّب.
وفي جغرافيا كالشرق الأوسط، حيث تتحكّم الدول وأجهزتها الاستخباراتية بمفاصل الصراع، فإن تحويل غياب الدولة إلى فضيلة، والتشرذم إلى تعددية، وغياب الإرادة المركزية إلى ديمقراطية، لم يؤدِّ إلى تمكين الشعب الكردي، بل جعله أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للتلاعب، وأكثر انكشافًا أمام الأخطار. وحلب هي المثال الأوضح والأحدث على ذلك. ففي ساحة تعجّ بالتنظيمات الجهادية، وقوى الوكالة، والفاعلين الإقليميين، لا مكان لأوهام الإدارة الذاتية الرومانسية.
وخلاصة القول، فإن مأساة حلب لم تكن خللًا أمنيًا عابرًا، ولا نتيجة اعتداءات خارجية فحسب، بل كانت ثمرة مباشرة لعجز العقل السياسي الكردي عن التفكير بمنطق الدولة، وعن تحديد الأولويات الوطنية بوضوح، وعن بناء إرادة وطنية مركزية، شرعية، وخاضعة للمساءلة. لقد دفع الشعب الكردي، مرة أخرى، ثمن الأيديولوجيات الجامدة والمصالح التنظيمية بدمه.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تمجيد الألم عبر الخطابات الحماسية، بل مواجهة حقيقة اللادولة، وبناء خط سياسي جديد يتمحور حول السيادة الوطنية، ووضع حدٍّ لاحتجاز مصير الشعب بيد تشكيلات تنظيمية ضيّقة. وإلّا، فإن حلب لن تكون نهاية، بل بداية لتكرار المأساة.
-------------------------------------------------
ولات أَسَن؛ باحث وناشط سياسي من شمال كردستان



#وَلات_أَسَن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسار الكردي في سوريا: أسئلة ما بعد الحرب
- تفكيك الأمة باسم ما بعد القومية


المزيد.....




- مركز الفلك يحدد أول أيام رمضان 2026.. هل هو 17 أم 18 أم 19 ف ...
- ساعات دامية في غزة: قصف بري وجوي وبحري يحصد أرواح 32 فلسطيني ...
- تركيا - هل هي شريك لأوروبا أم خطر لا يمكن التنبؤ به؟
- صناعة النسيج التركية على حافة الانهيار: خسائر وظائف وتراجع ح ...
- اللحوم هي الأولى: كيف تقلب الولايات المتحدة هرم الغذاء رأسا ...
- ترامب يحذّر كندا من اتفاق تجاري مع الصين ويهدد برد أمريكي -ق ...
- تحت رقابة مشددة...إسرائيل تعيد فتح معبر رفح جزئيا أمام الأفر ...
- شاهد.. فيضانات عارمة تحول أحياء القصر الكبير بالمغرب إلى بحي ...
- ترمب: الهند ستشتري النفط الفنزويلي بدل الإيراني ونشجع الصين ...
- قاضية فدرالية تنتصر لإدارة ترمب وترفض وقف عمليات مكافحة الهج ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وَلات أَسَن - حلب لم تكن النهاية