عبد الكريم سفير
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 08:19
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تهدف هذه التأملات إلى تقديم تصور إبستمولوجي نقدي لما يمكن تسميته أو ما أسميه شخصيا بـ«التفكير الإنساني-الآلي Human-Techno Thinking »، باعتباره نمطا جديدا من إنتاج المعرفة في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتنطلق من مساءلة الأسس الفلسفية لهذا النمط من التفكير عبر استثمار ثلاث مرجعيات كبرى: مارتن هيدغر في نقده للتقنية وميتافيزيقا العصر الحديث، وباروخ سبينوزا في تصوره للعقل والعلية والضرورة، وغاستون باشلار في تحليله لتاريخية العقل العلمي والعوائق الإبستمولوجية. وتسعى هذه العاملات إلى بيان أن التفكير الإنساني-الآلي لا يمثل مجرد تطور تقني، بل يفرض إعادة بناء لمفاهيم العقل والذات والموضوع والمنهج والمعرفة ذاتها.
لم يعد التفكير في المعرفة اليوم ممكنا خارج التحول العميق الذي أحدثته التقنيات الرقمية والأنظمة الخوارزمية. فالعقل لم يعد وحده منتجا للمعرفة، بل أصبح يتقاسم هذه الوظيفة مع أنظمة آلية قادرة على التعلم والتحليل والتنبؤ. من هنا تبرز الحاجة إلى تأسيس إبستمولوجيا جديدة لا تكتفي بوصف هذا التحول، بل تسائله في جذوره الفلسفية:
هل نحن إزاء عقل موسَّع أم عقل مُستبدَل؟
وهل الآلة مجرد أداة في يد الإنسان، أم أنها أصبحت شريكا في إنتاج المعنى والمعرفة؟
أولا: التقنية والتفكير عند هيدغر، من الأداة إلى نمط الوجود.
يعد مارتن هيدغر من أوائل الفلاسفة الذين نبهوا إلى أن التقنية ليست مجرد وسائل، بل نمط في كشف الوجود. ففي نصه الشهير السؤال عن ماهية التقنية، يبين أن جوهر التقنية الحديثة يتمثل في ما يسميه Gestell (الإطار أو التسخير)، حيث يختزل الوجود إلى مورد قابل للحساب والتخزين والاستعمال.
في هذا السياق، يمكن فهم التفكير الإنساني-الآلي بوصفه امتدادا راديكاليا لهذا التسخير والترييض Mathématisation، إذ لم تعد الطبيعة وحدها موضوع الحساب، بل الإنسان نفسه: سلوكه ولغته ورغباته وحتى قراراته. وهنا تتحول المعرفة إلى بيانات والعقل إلى خوارزمية، والذات إلى ملف رقمي.
غير أن هيدغر لا يقدم موقفا تقنيا تشاؤميا بسيطا، بل يفتح أفقا نقديا: ذلك أن خطر التقنية يكمن في نسيان السؤال عن الوجود، لكن في هذا الخطر ذاته تكمن إمكانية الخلاص، أي إعادة التفكير في معنى التفكير ذاته.
ثانيا: سبينوزا والعقل كقدرة على الفهم – نحو عقل لا سيادي.
يقدم باروخ سبينوزا تصورا مغايرا وجذريا للعقل، حيث لا يفهم باعتباره جوهرا مستقلا أو ذاتا سيادية، بل باعتباره نمطا من أنماط الطبيعة (Ethica). فالعقل البشري عند سبينوزا يخضع لقوانين الضرورة، ويتحدد بعلل لا نهائية، وهو قادر على المعرفة بقدر ما يفهم هذه الضرورة.
يسمح لنا هذا التصور بإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والآلة خارج منطق التفوق أو التهديد. فالآلة، بوصفها نتاجا للطبيعة والعقل الإنساني، ليست نقيضا للعقل، بل امتدادا لإمكاناته. غير أن الخطر يكمن في الوعي الزائف بالحرية: حين يعتقد الإنسان أنه يفكر بحرية، بينما هو خاضع لمنطق خوارزمي لا يدرك شروطه.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار التفكير الإنساني-الآلي اختبارا سبينوزيا جديدا: هل نملك معرفة كافية بعلل هذا التفكير، أم أننا مجرد منفعلين به؟
ثالثا: باشلار والعقل العلمي– القطيعة والعائق الإبستمولوجي.
يقدم غاستون باشلار أدوات مفهومية حاسمة لفهم التحول المعاصر، خصوصا مفهوم العائق الإبستمولوجي، الذي يشير إلى أن المعرفة لا تتقدم تراكما، بل عبر قطائع مع أنماط تفكير سابقة.
في سياق التفكير الإنساني-الآلي، يمكن رصد عدة عوائق إبستمولوجية، من أبرزها:
- الاعتقاد في حياد الآلة.
- وهم الموضوعية الخوارزمية.
-اختزال العقل في المعالجة الحسابية.
إن العقل العلمي، كما يبينه باشلار، عقل تاريخي ونقدي، يعيد بناء مفاهيمه باستمرار. ومن ثم فإن إبستمولوجيا التفكير الإنساني-الآلي لا ينبغي أن تحتفي بالذكاء الاصطناعي، ولا أن تدينه أخلاقيا فقط، بل أن تكشف شروط إمكان معرفته وحدوده.
رابعًا: التفكير الإنساني-الآلي بين المعرفة والسلطة – البعد السياسي
لا يمكن فصل التحول الإبستمولوجي المعاصر عن تحول عميق في أنماط السلطة. فالتقنيات الرقمية والأنظمة الخوارزمية ليست أدوات محايدة، بل تعمل داخل بنى اقتصادية وسياسية محددة، وتنتج أشكالا جديدة من الضبط الاجتماعي والحكم والتحكم.
لقد انتقلنا من سيادة العقل الفردي إلى ما يمكن تسميته بـ الحوكمة الخوارزمية، حيث تدار السلوكيات وتوجه الاختيارات وتصاغ القرارات عبر نماذج حسابية غير شفافة تمتلكها شركات ومنصات عابرة للدول.
في هذا السياق، لا يعود السؤال الإبستمولوجي محصورا في: كيف نعرف؟
بل يتسع ليشمل: من يملك أدوات إنتاج المعرفة؟ ومن يحدد معايير الذكاء والعقلانية؟ ومن يتحكم في البيانات والخوارزميات؟ هنا يصبح التفكير الإنساني-الآلي شكلا جديدا من السياسة الحيوية الرقمية، حيث لا يدار الجسد فقط، بل يدار الانتباه والرغبة والانفعال والوعي.
ومن منظور سبينوزي، يمكن القول إن الخوارزميات لا تحكم بالعنف، بل بتنظيم الانفعالات: ما نراه وما نرغب فيه وما نغضب منه وما نعتبره معقولًا. وهكذا يتحول المواطن-الفاعل إلى مستخدم-منفعل، يعتقد أنه يختار بحرية، بينما هو خاضع لمنطق توصية غير مرئي.
خامسا: نحو إبستمولوجيا تركيبية للتفكير الإنساني-الآلي.
انطلاقا من هيدغر، نتعلم أن التقنية ليست بريئة؛ ومن سبينوزا، أن العقل ليس سيدا مطلقا؛ ومن باشلار، أن المعرفة فعل نقدي تاريخي.
بناء على ذلك، يمكن اقتراح إبستمولوجيا تركيبية قوامها:
- مساءلة أنطولوجية للتقنية (ضد اختزال الوجود).
- فهم عِلِّي causale للعقل والآلة (ضد وهم السيادة).
- نقد إبستمولوجي دائم لخطابات الذكاء الاصطناعي والسلطة الجديدة المولدة عنه.
- إن التفكير الإنساني-الآلي ليس نهاية الفلسفة، بل أحد أقوى دوافع تجديدها.
يفرض التفكير الإنساني-الآلي علينا اليوم إعادة صياغة الأسئلة الفلسفية والإبستمولوجية الكبرى: من يفكر؟ كيف تنتج المعرفة؟ وما حدود العقل؟
إن الفلسفة، عبر أدواتها النقدية، قادرة على تفكيك أوهام العصر الرقمي دون السقوط في الرفض أو التمجيد. فالإبستمولوجيا والفلسفة اليوم ليست دفاعا عن الإنسان ضد الآلة، بل دفاعا عن معنى التفكير نفسه في عصر صار فيه التفكير يتجاوز الإنسان والآلة ليدمجهما في عصر أنطولوجي جديد من عصور الوجود.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟