أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبدالله الكامل - رواية (48)وحرب السودان: هل استقرأت الرواية المستقبل؟















المزيد.....

رواية (48)وحرب السودان: هل استقرأت الرواية المستقبل؟


محمد عبدالله الكامل

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 11:19
المحور: قضايا ثقافية
    


رواية (48)وحرب السودان: هل استقرأت الرواية المستقبل؟


قرأت رواية 48 التي صدرت حديثاً للقاص محمد المصطفى موسى . ولكن اعادة قراءتها للمرة الثانية فتحت لي زاوية نظر مختلفة عما كُتب.
قد يبدو غريبًا أن تُقرأ رواية تدور أحداثها في أربعينات القرن الماضي كأنها كُتبت على مقاس حاضر السودان بعد الحرب. و اللافت في رواية “48” أنها تُعامل التاريخ بوصفه ماضيًا لم تنته صلاحيته بعد .المتأمل فيها يجد أنها تستخدم التاريخ بوصفه بنية عميقة تُعيد إنتاج نفسها كلما تعثرت السلطة المركزية وتقدم سلاح النفوذ و الهيمنة الذي اتخذ مركزه في (سوق العيش ) بالرواية. و بالتالي تهيئ الرواية مسرحاً مبكراً لنار مشتعلة حوله من صراعات الهويات المحلية و الأجنبية .
أنا أعتقد بأن السؤال الحقيقي ليس: هل تنبأت الرواية بالحرب؟ .فالرواية كشفت ما هو أهم من هذا السؤال المرسل .و ذلك بأنها كشفت شروطها بمنتهى الذكاء . وهنا تكمن قوة “48”،فهي لا تتنبأ بالحدث، لكنها تستقرئ منطق وقوعه.
انظر إلى هذه الافتتاحية التي ظهرت في مشهد المعاينة لاختيار الشاب البريطاني (همفري) لمنصب الإداري بمستعمرة السودان . وظف الكاتب المشهد بجدارة لتوصيف حالة الهشاشة التي تعيشها المجتمعات المحلية إلى تاريخ اليوم في السودان. هل اعطانا الكاتب مؤشرات الانفجار الحالي بلغة صادمة جداً منذ البداية ؟ في رأيي نعم ..
قال اللورد اكسيلي رئيس لجنة الاختيار للخدمة في مستعمرة السودان للشاب همفري ، الذي سيصبح مفتشا لمركز أمدرمان لاحقاً :
" تذكر شيئاً واحداً مهماً..
لن يفلح إداري قط في عمله بالسودان إن استخف بجمره الحراق. ليس الأمر كما تظن. ستدير هناك قوماً قلوبهم شتى مختلفات. تسيدناهم بصنع الحداد الذي هو منهم فألفيناهم غارقين في إعادة إنتاج أزماتهم. يأمنون مفتش المركز والمأمور أكثر مما يأمنون بعضهم بعضاً. يجتمعون حول الأكاذيب والأوهام ويتفرقون حول الحقيقة والوطن. أنصت إليهم بنصف قلب فهم أهل حسد ووشاية. ولتكن إدارياً عليهم بكامل عقلك فهم شعوب غريبة لست أرتاب أن بهم جميعاً مسّاً من جنة" ..
 و تفتح الرواية اسئلة مهمة عن فراغ السلطة في المجتمعات المحلية الممزقة .و ما إذا كانت هذه الفراغات قد أُخترقت بالتدخلات و الهيمنة من وقت بعيد . جر البطل المضاد في الرواية -رافائيل البعلبكي- عشيرته من يهود السودان و النادي اليهودي بالخرطوم إلى قلب الحدث في صراعات سوق العيش .وهنا يوضح الكاتب حقيقة فراغ السلطة داخل السوق ، فهل كان يقصد السودان بهذه الرمزية ؟
انظر هذا الوصف لاقتحام البعلبكي سوق العيش للمرة الأولى :
"اندس بين مئات السابلة. عيناه استكشفتا سوق العيش بدربة. أشغفت فؤاده المغامرة. دقاته المتتابعة لم تثنه. تصميمه على إيجاد موطئ قدم جديد هنا، لم يعد عنده أمراً يحتمل التشكك. إنه لا يعرف سوق العيش، ولكنه اشتم فيه رائحة البنكنوت وفراغ السلطة" . 
 وحتى شخصية اليهودي رافائيل بكل مخططاته التي تقلب السوق رأساً على عقب ، تفتح باباً كبيراً لقراءة مختلفة.هل هي رمزية لحزب و جماعة سياسية متلونة حربائية ترفض الترجل من مناطق النفوذ ؟ تجدد جلدها و تتحور بحسب متطلبات المرحلة لتفجير صراعات جديدة ؟
انظر ما قاله البعلبكي في الفصل 26 من الرواية :
" وأنا من جانبي لم أكن يوماً من هواة النهايات النبيلة..
إنني أحب النهايات التي أخطها بقلمي وحيداً في سفر الانتصار.. 
 ولذا لن أرحل.
ولن أرفع الراية.
ثمة قفاز طُرح في التراب، وآن لي أن ألتقطه.
دعهم يعتقدون أنهم رموني بالعار.. سأرفع قضية رداً عليهم، وأجعل من المحاكم بابًا جديدًا للسلطة.
أنا لا أعترف بالخسارة.
ولا أحبذ الهروب إلى القدس، لأن في الهجرة ما يُشبه الانكسار. وأنا لم أنكسر بعد.
سأتشبّث بما رأيته في عيني صديقي ديفيد يعقوب، في ليلة القاعة.
هو لم يتكلم. لكن نظراته قالت: 
"رافائيل..
 عدّل الطربوش.. انهض.. وقاتل بضراوة "..
سأتبع ما همس لي به جيمي بذات الليلة: 
"أحفر حول البئر.. وليس داخلها"..
 وسأفعل..
 ولكن على طريقتي! " ..
رافائيل قرأ حالة الهشاشة التي يعيشها سودان اليوم منذ الأربعينات جيداً. عبر عن ذلك الكاتب من خلال حوارات قاعة غردون للموسيقى في الخرطوم المخملية.و شارك في تلك الحوارات ديمتريوس الإغريقي ، نيكولا الأرمني و صاحب القاعة اليهودي جيمي اسينفلد .
انظر إلى هذا الحوار المدار بحنكة كبيرة للتعبير عن هذه الحالة باستخدام التاريخ :
" هزّ البعلبكي رأسه، كأنما يستدعي تاريخًا مكتومًا:
ـ طيفور ينظر لأولاد منصور كأعداء لهم منذ أيام المهدية. أبوه كان من رجال غردون وأبرز تجار الخرطوم في زمنه. بايع المهدي مُجبراً وهو يحن لأيام عزه في التركية. خرج مع جيش الزاكي طمل لغزو الحبشة مُرائياً، ولكنه هرب إلى مصر حيث وجد ابن عمه التوم والد منوفلي قد سبقه إلى هناك. جاءا سوياً مع الفتح الإنجليزي كجنديين بفرقة العربان الصديقة التي أشرف على تكوينها ضابط المخابرات البريطاني ونجت..
قاطعه ديمتريوس، فتمتم بامتعاض: 
-هذا تاريخ معقد يا رافي.. ما هي الخلاصة؟
توهجت عينا رافائيل وهو يرتشف من زجاجة البيرة قبالته: 
-طيفور قد لا يقبل بأن يضع يده في يد أولاد منصور،      
ولكنه الأقرب لتغليب مصلحته على العداءات القديمة..
فلنبقِ على تلك النار بينهما مشتعلة ما استطعنا"..
ولم تجب الرواية عن السؤال الذي طرحته : من هو المستفيد الأكبر من اشتعال هذه النار ؟ ولكن سياق السرد يفتح احتمالات عديدة يراها كل شخص من زاويته. وتكشف الرواية كذلك أن القرارات المصيرية لا تُصنع دائمًا في العلن كما هو الحال في حرب السودان الحالية ، بل في “غرف” مغلقة. مشهد قاعة غردون، بكل ما فيه من ترفٍ بارد ولوحات جنرالات ورموز إمبراطورية، ليس مجرد ديكور تاريخي .لعله صورة مبكرة لما يمكن تسميته “العقل الخفي” الذي يخطط للمدينة من وراء الستار. حين يتحدث ديمتريوس ورافائيل ونيكولا عن الماكينات والتصاريح وعمال الميناء، ثم يختصر أحدهم الخطة في عبارة: “تبقى لنا أن نغلق بابهم فقط”، ندرك أن اللعبة ليست منافسةً شريفة، بل إقصاء ممنهج. هذا المنطق هو نفسه ما تُظهره الحرب الحديثة: السيطرة ليست بناء نظام، بل كسر الخصم وتجفيف موارده حتى ينهار.

ما يميز رواية «48» عن كثير من الأعمال التي تشتغل على التاريخ، أن انحيازها لأسفل مراقي المجتمع أكبر من تبنيها لسرديات السلطة و أبطالها الرسميين.سوق العيش هو فضاء سردي يكشف تاريخاً موازياً، تاريخ العتالين والعربجية والنساء الشعبيات. أولئك الذين ظلوا دائماً خارج المتن الرسمي للتاريخ، رغم أنهم وقوده الحقيقي.
في هذا السياق، يصبح تحالف ماتريد مع العتالين والعربجية فعلاً سياسياً لمجتمع مأزوم. ماتريد لا تُطرح كقائدة أيديولوجية أو صاحبة انداية محدودة الأثر. تقدمها الرواية كزعيمة ميدانية تفهم منطق السوق بإنسانياته قبل لغة المال و النفوذ المسيطرة عليه. و تتم عملية أسطرة عالية المستوى لدورها وسط العتالين و العربجية ونساء السوق لمصلحة فكرة المقاومة .انظر إلى تفاصيل غيابها الفارقة في اليوم الذي سيطر فيه البعلبكي و من معه من أعضاء النادي اليهودي على اقتصاد سوق العيش:
" كانت ماتريد قد اعتكفت في القماير منذ أيام ثلاثة. 
دخلت في طقس زاندي من العزلة قديم. سبع شعل من لهب، ابتهالات عند محراب الإله مبوري، ورقص منفرد في زي جلد النمر عند غرف مغلقة حتى اكتمال الهلال.
غيابها أطفأ لهيب السوق الذي يحرق بجمره كل قدم غريبة. 
أحست بوطأته زينب العرجاء ، فأقسمت لنفسها: 
"لو كانت ماتريد هنا، فإن ملامسة قدمها لتراب السوق ستكون كافية لإخراس هدير المحركات، ولربما أُطفأت بها انتشاءات الوجوه البيض قبل أن تولد".
انظر ايضاً لسلطتها الشعبية التي عبرت عنها احدى مشاهد الرواية:

"ماتريد..
أقبلت بقوامها الممشوق وجسدها المهيب. صندلها مكلل بحبات غبار أملس. يرتفع فوقه ساقان ممتلئان بغواية ألجمها إزار ثوبها الأبيض. 
 على طرف السوق استبانت طلعتها، فمالت نحوها الريح بشيء من حذر. لاطفت وجهها " السادة" نسائم من فوح هواء رطب. اجتنبت قسماته الحلوة أتربة المكان، تحامته وكأنها تخشاه، تهابه أو تخشع في حضرته باستحياء. 
طرف ثوبها العلوي تراجع نحو منتصف الرأس. تدلى مائلاً شعرها " الممشوط".. بخرزات " السُكْسُك" وكأنه ذيل مهرة جموحة. تقاطيعها تراءت كنحت كوشي قديم انتقش على صخرة بمعبد البركل. طلسمه العنيد لا يبوح بسرٍ لغازٍ متطفل دون أن يذيبه في مزيجه المقدس. 
 فيها ملمح من أبيها الأبيض يستبين في عظمة الجبهة واستواء الأنف. ورثت من أخوالها " الزانديين" نعومة الذقن وإمتلاء الشفتين وسمرة ناعمة أجلتها بأعين السابلة شمس السوق ".
 أما أولاد منصور، فيأتون بوصفهم نموذجاً آخر للقوة المحلية، قوة لا تُرسم بالأسود أو الأبيض. حضورهم يذكّر بأن الصراع في «48» ليس بين فاسدين ومصلحين، بل بين قوى اجتماعية تتصارع داخل فراغ السلطة، كلٌّ وفق أدواته ومحدوديته.
بهذا المعنى، تنتصر الرواية للعتالين والعربجية متجاوزة النظر اليهم كضحايا فقط.السرد الروائي هنا يرتقي بهم إلى مستوى الفاعلين التاريخيين. وهذا الانتصار السردي للهامش يكتسب اليوم بعداً إضافياً في ظل حرب السودان، حيث تكررت الصورة ذاتها:
انسحاب الدولة، تفكك المركز، وصعود أشكال بديلة من التنظيم الاجتماعي لحماية الحياة اليومية.
إن «48» لا تبرّئ الهامش، ولا تُجمّله، لكنها تمنحه حق الوجود في السرد، وهو حق حُرم منه طويلاً. ومن هنا، فإن قراءة الرواية اليوم تُعيد طرح سؤال ملحّ:من يملك حق سرد التاريخ؟ ومن يُقصى منه عمداً؟
في النهاية، لا تبدو رواية «48» عملاً تنبؤياً بالمعنى الساذج للكلمة.و من المنطقي قراءتها كعمل شديد الوعي ببنية الانفجار. لقد كتبت عن هشاشة السلطة، وعن الأسواق كمسارح خفية للصراع، وعن التحالفات التي تُنسج بعيداً عن الضوء، وعن المجتمع المقهور الذي يُدفع دائماً إلى قلب النار دون أن يُسأل.
ولهذا، حين نقرأها اليوم على ضوء حرب السودان، لا نشعر أنها سبقت الزمن، بل نشعر أن الزمن عاد ليثبت صحة أسئلتها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- مؤثّرو الموضة والمشاهير العرب يتألقون في عرض جورج حبيقة ببار ...
- -عروس بالي-.. هل هذه أنظف قرية في العالم؟
- قنصلية الإكوادور تمنع عميلا من ICE من دخول مبناها بأمريكا وت ...
- حب الترف والرفاهية أدى لسقوط السيدة الأولى السابقة بكوريا ال ...
- ترقّب لفتح معبر رفح وسط ترتيبات أوروبية وتصريحات إسرائيلية ب ...
- الرئيس البرازيلي ينتقد نظيره الأمريكي ومجلس السلام في غزة: ت ...
- الولايات المتحدة: رجل يعطل فعالية للنائبة الديمقراطية إلهان ...
- الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية ...
- رواندا ترفع دعوى تحكيم في لاهاي ضد بريطانيا على خلفية إلغاء ...
- ما الذي تكشفه اللحى عن الرجال؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبدالله الكامل - رواية (48)وحرب السودان: هل استقرأت الرواية المستقبل؟