أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال عبد الحليم السّكّر- الأردن - صباح بشير.. سيرةُ الكلمة حين تنضج














المزيد.....

صباح بشير.. سيرةُ الكلمة حين تنضج


طلال عبد الحليم السّكّر- الأردن

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 22:52
المحور: الادب والفن
    


الإنسان بوصفه مركز الكون النّصيّ:
في بداية يناير، احتفلت الأديبة صباح بشير بعيد ميلادها؛ غير أنّ هذا الحدث، في سياق تجربتها، لا يمكن اختزاله في مناسبة شخصيّة أو تاريخ عابر، إنّه احتفال رمزيّ بتراكم الوعي، وبزمنٍ لم يمرّ عبثا، بل تحوّل إلى معرفة، وإلى كتابةٍ أكثر رسوخا، وإلى رؤيةٍ أشد صفاءً وجرأة، فعند صباح بشير، لا يقاس العمر بعدد السنوات، بل بمدى ما أضافه إلى المعنى، وبما تركه من أثرٍ في النّصّ والإنسان معا، هو عيد كاتبة جعلت من الزّمن شريكا للإبداع، لا شاهدا عليه، ففي خضمّ المشهد الأدبيّ العربيّ، المزدحم بالأصوات والمتسارع بالإنتاج، تتقدّم صباح بشير بوصفها تجربة مختلفة في جوهرها، لا في مظهرها فحسب.
هي أديبة لا تكتب لتُرى، بل لتُقرأ بعمق؛ ولا تسعى إلى الحضور العابر، بل إلى البقاء الهادئ المتين، كتابتها ليست ردّ فعلٍ آني، ولا صدى لموجةٍ طارئة، بل مشروعٌ فكريّ وأدبيّ يتشكّل بوعي ويتقدّم بثبات، ويعرف طريقه دون ضجيج.

الإنسان بوصفه مركز الكون النّصيّ:
ينبني عالم صباح بشير الكتابّي على رؤية إنسانيّة عميقة، تجعل الإنسان محور النّصّ وغايته القصوى. الإنسان في هشاشته وقوته، في قلقه وأسئلته، في صراعه مع ذاته ومع العالم. لا تنظر إليه من علٍّ، ولا تتعامل معه بوصفه فكرة مجرّدة، بل ككائن حيّ، نابض بالتّناقضات، محاصر بالأسئلة الوجوديّة، ومشدود إلى البحث عن معنى وسط عالم مضطرب.
من هنا، تأتي نصوصها مشبعة بالبعد التّأمّلي، لا تقدّم حلولا جاهزة، ولا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تفتح مساحات للتّفكير، وتجعل القارئ شريكا في إعادة طرح الأسئلة الكبرى: الهويّة، الوعي، الذّاكرة، الاغتراب، والوجود.
اللّغة: سلطة المعنى وجمال الاقتصاد:
لغة صباح بشير ليست أداة تزيين، بل سلطة معرفيّة وجماليّة في آنٍ واحد، هي لغة مشذّبة، دقيقة، واعية بحدودها وإمكاناتها، لا تعرف الإسراف ولا الفقر، بل تقوم على اقتصادٍ لغويّ ذكي، يُحمّل الجملة أكثر ممّا تبدو عليه.
تتجنّب الزّخرفة المجانيّة، لكنّها لا تتخلّى عن الشّعريّة؛ تبتعد عن الغموض المتكلّف، لكنّها لا تسقط في المباشرة السّطحيّة، في نصوصها، يصبح الصّمت جزءا من المعنى، وتغدو الإشارة أبلغ من التّصريح، ويكتسب الإيقاع الهادئ قدرة عالية على النّفاذ إلى وعي القارئ.
نضج التّجربة وبناء النّصّ:
ما يميّز تجربة صباح بشير على المستويين الفنّيّ والأدبيّ، هو ذلك النّضج الواضح في بناء النّصّ، فالنّص لديها كيان حيّ، له بداية واعية، ومسار مدروس، وخاتمة تترك أثرا فكريّا أو وجدانيّا طويل الأمد.
لا تكتب بدافع التّفريغ الشّعوريّ، ولا تترك النّصّ رهينة الفوضى، بل تمارس كتابة مسؤولة، تحسن إدارة الفكرة، وتتقن ضبط الإيقاع، وتعرف متى تتقدّم ومتى تتراجع.
هذا التّوازن بين الحرّيّة والانضباط يعكس خبرة تراكميّة، ووعيا عميقا بأدوات الكتابة، وإدراكا صريحا بأنّ النّصّ ليس ملكا للكاتب وحده، بل عهدة أخلاقيّة أمام القارئ.
الأدب بوصفه موقفا لا ترفا:
في جوهر تجربتها، تؤمن صباح بشير بأنّ الأدب موقف فكريّ وأخلاقيّ قبل أن يكون متعة جماليّة، لذلك.. لا تنساق وراء السّهولة، ولا تُهادن الفراغ، ولا تُجامل الذّائقة الكسولة.
كتابتها منحازة إلى العمق، وإلى القارئ الواعي، وإلى النّصّ الّذي يُقلق بدل أن يُطمئن، ويُوقظ بدل أن يُخدّر.
إنّها كتابة لا تصرخ، لكنّها لا تساوم؛ لا تستعرض، لكنّها لا تتنازل، من هنا تنبع قوتها الحقيقيّة: من الصّدق، والاتّزان، والوفاء لقيمة الكلمة.
حضورٌ نوعيّ وأثرٌ متراكم:
تمثّل صباح بشير نموذج الأديبّة الّتي تبني حضورها بالاستمراريّة، لا بالضّجيج، وبالنّوع لا بالكمّ، حضورها في المشهد الثّقافيّ حضور نوعيّ، يُضيف ولا يكرّر، ويُعمّق ولا يُسطّح.
هي من الأصوات الّتي تذكّرنا بأنّ الأدب ليس سِباقا نحو الشّهرة، بل مسارا طويلا نحو المعنى، وأنّ القيمة الحقيقيّة للنّصّ تقاس بقدرته على البقاء في الذّاكرة، لا بسرعة انتشاره.
خاتمة: حين يصبح العيد احتفالًا بالكلمة:
إنّ الاحتفال بعيد ميلاد صباح بشير هو في حقيقته، احتفال بتجربة أدبيّة تتقدّم بثقة وهدوء، وبكاتبة جعلت من العمر حليفا للفكر، ومن الزّمن رافعة للوعي، ومن الكتابة فعلا إنسانيّا نبيلا. وفي زمنٍ تتآكل فيه المعاني، وتُستهلَك فيه الكلمات بسرعة، تظلّ صباح بشير من الأصوات النّادرة الّتي تُعيد للكلمة وزنها، وللنّصّ هيبته، وللأدب دوره بوصفه ملحمة وعيٍ لا تنتهي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- صوت هند رجب يصل إلى الأوسكار.. تجربة سينمائية عربية تتجاوز ا ...
- غوتيريش: إصلاح مجلس الأمن بات ضرورة ملحة لتعزيز التمثيل والف ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...
- ريشة خلف الحصار.. طفلة توثق مأساة غزة من زاوية خيمة النزوح
- -القصة أكبر مني-.. سلمان رشدي يتحدث عن فيلم يوثق محاولة اغتي ...
- شارع النبي دانيال بالإسكندرية.. قبلة المثقفين التي نسيها الم ...
- لؤلؤة الأندلس تعود للنور: الليزر يفك طلاسم -مدينة الزاهرة- ا ...
- اختلاف الروايات بشأن مقتل أمريكي برصاص ضباط أمن في مينيسوتا ...
- قنطارجي.. حارسة جماليات التذهيب في الفن الإسلامي


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال عبد الحليم السّكّر- الأردن - صباح بشير.. سيرةُ الكلمة حين تنضج