أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاطمة الزهراء بونسيف - اضطراب الهوية التفارقي :مقاربة نفسية-تحليلية














المزيد.....

اضطراب الهوية التفارقي :مقاربة نفسية-تحليلية


فاطمة الزهراء بونسيف

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 04:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


اضطراب الهويّة التفارقي: مقاربة نفسية-تحليلية

يُعدّ اضطراب الهوية التفارقي (Dissociative Identity Disorder) من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا، لما ينطوي عليه من تشظٍّ في بنية الهوية والذاكرة والوعي. وقد كان يُعرف سابقًا باضطراب الشخصية المتعددة، غير أن هذا المصطلح لم يعد دقيقًا، إذ لا يتعلّق الأمر بتعدّد شخصيات مستقلّة، بقدر ما يتعلّق بانقسام بنيوي داخل الذات الواحدة.

يتميّز هذا الاضطراب بوجود هويتين أو أكثر تتناوبان على السيطرة على الوعي والسلوك، مع اختلافات ملحوظة في أنماط التفكير، والتعبير الانفعالي، والسلوك، وأحيانًا في الخصائص الجسدية المُدرَكة. ويترافق هذا التناوب مع فقدان جزئي أو كلّي للذاكرة، يشمل أحداثًا يومية، ومعلومات شخصية مهمّة، إضافة إلى تجارب صدمية أو ضاغطة.



تشير معظم النماذج النفسية إلى أن اضطراب الهوية التفارقي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتجارب الصدمة المبكرة، ولا سيما تلك التي تحدث خلال مرحلة الطفولة، حيث تكون الهوية النفسية في طور التشكّل. ففي الظروف النمائية السويّة، يتعلّم الطفل تدريجيًا دمج خبراته المختلفة والمتناقضة في بنية هوية واحدة متماسكة. غير أن التعرّض المستمر للإساءة الجسدية أو الجنسية أو العاطفية، أو للإهمال الشديد، قد يعوق هذه العملية التكاملية.

وتزداد خطورة التأثيرات النفسية حين يكون مصدر الإساءة هو ذاته مصدر الرعاية والحماية، ما يضع الطفل في مأزق نفسي مزدوج. في مثل هذه الحالات، تلجأ النفس إلى آليات دفاع تفارقية، أبرزها الانفصال (Dissociation)، كوسيلة للتخفيف من وطأة التجربة الصدمية. ومع تكرار الصدمة، لا يعود الانفصال آلية ظرفية، بل يتحوّل إلى نمط بنيوي دائم، يُفضي إلى تشكّل هويات نفسية متمايزة، لكلٍّ منها وظيفة دفاعية محدّدة

يُميّز الباحثون بين شكلين رئيسيين للاضطراب:
الشكل الاستحواذي، حيث تظهر الهويات المختلفة بشكل واضح للمحيطين، من خلال تغيّرات جلية في الصوت والسلوك وطريقة التعبير، بما يوحي وكأن كيانًا آخر قد سيطر على الشخص.
والشكل غير الاستحواذي، وهو الأكثر شيوعًا، حيث لا تكون التحوّلات واضحة للآخرين، لكن الشخص يختبر شعورًا بالانفصال عن ذاته، أو بتبدّد الشخصية، أو بمراقبة نفسه من الخارج.

في هذا السياق، قد يُظهر الأفراد تغيّرات مفاجئة في المواقف والآراء والتفضيلات، دون إدراك واعٍ لأسباب هذه التحوّلات. كما قد يختبرون اغترابًا جسديًا، أو شعورًا بأن الجسد لا ينتمي إليهم، وهو ما يعكس اضطرابًا في تكامل الوعي الجسدي و النفسي

تتميّز بنية الذاكرة في اضطراب الهوية التفارقي بعدم الاستمرارية، إذ تظهر فجوات زمنية متفاوتة الطول. وقد تكون بعض الهويات على اطّلاع بمعلومات شخصية لا تدركها هويات أخرى، ما يشير إلى وجود تنظيم داخلي معقّد للوعي. وفي بعض الحالات، تُبلّغ الهويات عن تفاعل داخلي فيما بينها، يتخذ شكل حوار أو مراقبة متبادلة، ما يُعرف بـ«العالم الداخلي».

كما يُبلّغ عدد من المصابين عن سماع أصوات داخلية، لا تُصنّف عادة ضمن الاضطرابات الذهانية، بل تُفهم بوصفها تعبيرًا عن تفاعل الهويات التفارقية. وغالبًا ما تتداخل هذه الأصوات أو الذكريات مع النشاط اليومي، ما يؤدي إلى ارتباك وظيفي واضطراب في الأداء الاجتماعي والمهني

نادراً ما يظهر اضطراب الهوية التفارقي بمعزل عن اضطرابات أخرى، إذ يرتبط غالبًا بالاكتئاب، والقلق، واضطرابات استخدام المواد، والسلوكيات المؤذية للذات، إضافة إلى الأفكار والسلوكيات الانتحارية. كما تُعدّ الأعراض الجسدية غير المفسَّرة طبيًا، مثل الصداع والآلام المزمنة، شائعة في هذه الفئة، وتُفهم ضمن إطار التعبير الجسدي عن الصراع النفسي غير المُعالَج.

ويُلاحظ أن بعض الأعراض قد تحاكي اضطرابات نفسية أخرى، غير أن خصوصية اضطراب الهوية التفارقي تكمن في كونه تعبيرًا عن اقتحام خبرات الماضي الصدمية للحاضر، من خلال الذاكرة أو الانفعال أو السلوك

يرتكز العلاج النفسي لاضطراب الهوية التفارقي على بناء علاقة علاجية آمنة، تهدف إلى تعزيز الاستقرار النفسي، وفهم وظائف الهويات المختلفة، والعمل التدريجي على تحقيق التكامل أو التناسق بينها. ولا يتمثل الهدف العلاجي بالضرورة في إزالة الهويات، بل في تقليل الصراع الداخلي، وتحسين استمرارية الوعي، وتمكين الفرد من استعادة إحساس أكثر تماسكًا بالذات.


يمكن النظر إلى اضطراب الهوية التفارقي بوصفه نتيجة قصوى لفشل البيئة المبكرة في توفير شروط الأمان النفسي. وهو لا يعكس ضعفًا في الشخصية بقدر ما يجسّد استجابة تكيفية معقّدة لصدمة مبكرة ساحقة. ومن ثمّ، فإن فهم هذا الاضطراب يستلزم مقاربة تأخذ في الاعتبار البعد النمائي، والصدمي، والبنيوي للذات الإنسانية



#فاطمة_الزهراء_بونسيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اضطراب الهوية التفارقي :مقاربة نفسية تحليلية
- الوسواس:بين الإكراه النفسي و التساؤل الفكري
- معالم الكيان و المعنى: الوهم في المينافيزيقا
- الإنعتاق الهوياتي نحو منطق تحويلي
- الإنعتاق الهوياتي،نحو منطق تحويلي
- الوحدانية بين الفكر و الفعل


المزيد.....




- إسرائيل تسيطر على قلعة استراتيجية بناها الصليبيون في جنوب لب ...
- بناها الصليبيون قبل 900 عام.. إسرائيل تعلن السيطرة على قلعة ...
- هل تخسر أمريكا الشرق الأوسط؟
- صور فضائية ترصد انتشار الجيش الإسرائيلي في 11 قرية لبنانية
- هل تغسل شعرك بالطريقة الصحيحة؟ ما يقوله الأطباء قد يغير روتي ...
- شاهد.. روّاد شاطئ بإسرائيل يفرون بعد سقوط مقذوفات أمامهم في ...
- إسرائيل تتوسع شمال الليطاني وتسيطر على قلعة الشقيف الاستراتي ...
- جولة مصيرية اليوم.. هكذا تؤثر انتخابات كولومبيا على الإقليم ...
- رئيس وزراء إثيوبيا.. ما قد لا تعلمه عن آبي أحمد وقبضته وحقيق ...
- الجيش الإسرائيلي يقول إنه وسع عملياته البرية في جنوب لبنان و ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاطمة الزهراء بونسيف - اضطراب الهوية التفارقي :مقاربة نفسية-تحليلية