أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد الزكروطي - الهوس الطقوسي ومألاته الخطيرة














المزيد.....

الهوس الطقوسي ومألاته الخطيرة


احمد الزكروطي

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 20:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الهوس الطقوسي و مآلاته الخطيرة :
بعيدا عن كل التجاذبات الطائفية والسياسية والاجتماعية , لابد من إعمال العقل النقدي على واقع غاية في الخطورة , خاصة عند ملاحظة خطه البياني المتصاعد بوتيرة مكثفة و مركبة و مرعبة , التي لو استمرت على منوال تصاعدها هذا , من المؤكد سيكون العراق , على غير العراق الذي نعرفه اليوم ( اقليما وسكانا ) .
يقول نيتشة : حين يعجز الانسان عن تحمل قسوة الوجود , لا يواجه الالم بوصفه تحديا للحياة , بل يعمد الى اضفاء معنى اخلاقيا عليه . لذلك تصبح الطقوس عبارة عن آلية لتنظيم المعاناة , وليس لتجاوزها , فالطقوس لا تنهي الألم , بل تمنحه شكلا قابلا للتكرار , و من ثم تحوله من تجربة شخصية عفوية , الى ممارسة جماعية قصدية , وهو ما يسميه نيتشة بأخلاق العبيد , كونها ستشكل منظومة قيمية لدى الجماعات المقهورة , عندما تكون عاجزة عن أي فعل , لذلك تلجأ الى اعادة تأويل العجز الى فضيلة عبر منظومة معرفية كهنوتية تعمل على تصوير الصبر بطولة والألم دليل اصطفاء . فهنا الطقوس لا تقوم على تحرير الانسان من ضعفه , بل تمنح هذا الضعف خطاب تمجيد و تقديس و تأبيد , وهو ما تعمل المنظومة الكهنوتية دوما على تحويله الى رأس مال رمزي لصناعة الطاعة العمياء , فتحول الطقوس الى اداة سلطة ناعمة , لا تحصل بالقوة , بل عبر التخدير بالمعنى , وهذه التكرارية الحولية المميتة , المقدسة للحزن , والممجدة للضحية , و المستبدلة فعل التجاوز بالتكرار , تقف ضد منطق الحياة , بوصفها حركة و صيرورة و تجاوز مستمر للذات , وشكل من اشكال العداء لها مهما لبست من قداسة .
اما دوركايم , وعلى الرغم من فهمه للطقوس , على انها ظاهرة اجتماعية خالصة , تهدف الى انتاج المجتمع لنفسه واعادة تأكيده لهويته و وحدته , الا انه يحذر من التضخيم المفرط , والانفلات غير المحسوب , وغزوها للمجال اليومي , لانها ستشير حينها الى ان هناك توتر بنيوي مجتمعي حاد , يحتاج الى اعادة ضبط ايقاع المعيارية الناظمة للجميع .
لذلك و تجنبا للوقوع في فخ التبسيط أو االادانة المسبقة أو الاندفاع الأعمى , عند تناولنا لظاهرة الهوس الطقوسي , المتضخم و المنتفخ الى حد الانفجار المجتمعي , و الغازي لجميع تفاصيل الحياة الرسمية والمجتمعية , و المنفلت , حتى عن مدارادت منظومته الاعتقادية . لابد من نؤشر و بجرأة ، على ان الهوس الطقوسي الذي نشاهده اليوم ، في هذا السياق ، لم يعد مجرد التزام ديني بالشعائر ، بل تحول من مجرد وسيلة رمزية للمعنى , الى غاية قائمة بذاتها , أُستهلكت فيها الطاقة الفردية والجماعية بشكل مكثف , والى حد الاستنزاف , وكل ذلك على حساب المشهد السياسي و الامني والاقتصادي والاجتماعي و الثقافي .
وعليه فالسؤال الاكثر الحاحا هو ليس : لماذا كل هذا الهوس الطقوسي ؟ بل : الى ماذا واين سيقودنا هذا الهوس الطقوسي المنفلت , الذي فتح الباب على مصراعيه امام الاوهام التاريخية والعقائدية , التي سمحت للخرافة من ان تكون بديلا عن الحقيقة , والاسطورة بديلا عن العقل , والطائفة بديلا عن الوطن ؟
ان سردية المظلومية , التي حولت الحدث التاريخي الى رمزية كونية , تمت اعادة انتاجه و تدويره بلا ادنى مسائلة , و الذي تحول بدوره من اداة وعي الى قيد وجودي , يعيد تثبيت صورة الضحية ’ ويعطي سيولة تاريخية مترابطة لصورة الجلاد في الوعي الجمعي , لذلك فالهوس الطقوسي الشيعي اليوم , لم يعد فائض تدين , او حتى فائض المٍ لمْ يعالج, بل هو فائض عقدة سلطوية متلازمة على مدى قرون طويلة من التراكمات العقائدية والسياسية والاجتماعية , إستثمرت المقدس ابشع استثمار , بوصفه منظومة عقائدية وخطابية و آليات ذات جهوزية عالية لتهيئة الوعي الجمعي , ثقافيا ونفسيا , و حشد الجموع . وغالبا ما يحدث ذلك في لحظات غياب الدولة وتراجع مؤسساتها بدافع ملأ الفراغ , او هو نتيجة لتماهي خفي من قبل الدولة , لما لها من رغبة ومصلحة سياسية وعقائدية في تمدد واتساع هذا الهوس الطقوسي .
إن التصاعد غير المسبوق في كثافة و وتيرة الهوس الطقوسي الشيعي في العراق ، مقابل هشاشة واضحة في الأخلاق العامة، وانتشار الفساد، والعنف، واللامبالاة , لهو دليل قاطع على ان الطقوس هي ابعد ما تكون عن التدين أو الالتزام بالشعائر, وهو ما يشكل قلق اخلاقي و فلسفي في آن واحد : اذن كيف يمكن لكل هذا المقدس والبهرجة الروحية , ان يتعايش مع كل هذا القبح اليومي دون ان يغيره , او يؤثر فيه , ولو بالقدر القليل ؟ الجواب الحقيقي هو المحمول السياسي الطوباوي الكامن وراء هذا الهوس الطقوسي , الذي انتزع الطقوس عن قيمتها الروحية والاخلاقية , حتى اصبحت مجرد عرضا حشوديا للإنتماء وحسب , و غير البريء بنيويا و معرفيا , و خال من أي بعد نقدي , مما يؤهله للتحول الى اداة سلطوية و مُسكنا سياسيا, يفرغ الغضب في البكاء , ويستبدل الفعل باللطم , والاحتجاج بالندب , حتى يتحول الطقس الى جزء من آلية الضبط الاجتماعي لا كسرا لها .
وكل ما تقدم هو ليس دعوة ضد الطقوس أو السخرية منها أو التنكيل بها , فهي حاجة انسانية , وذاكرة جمعية , و لغة رمزية لا يمكن شطبها , لكن ما نقصده بالضبط , هو عقلنة هذه الطقوس وضبط سقوفها الخطابية والسلوكية , الى درجة تصبح فيها طقوس بريئة , منزوعة الحس الثأري , لا تشكل عامل تهديد لبنية الدولة والمجتمع , لاننا وبسب هذا الانفجار الطقوسي العشوائي وغير المنضبط , والغلو والتنطع الذي اعترى كل تفاصيله التاريخية والعقائدية والاجتماعية والثقافية , اصبحنا جميعا في مهب الريح ( دولة و مجتمع ) , ومن المؤكد سيكون العراق , على غير العراق الذي نعرفه اليوم ( اقليما وسكانا ) .
...........................................................
أحمد الزكروطي






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- نتانياهو يعلن -تقدمًا- في الحرب على إيران وضربات الطاقة ترفع ...
- ماكرون: انطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل مرتبط بمواف ...
- إيران تقصف إسرائيل بـ5 دفعات صاروخية خلال ساعة
- -المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان-.. نتنياهو يستحضر -فلسف ...
- بوليتيكو: ترمب يستعد للاستيلاء على جزيرة خارك.. إليكم ما قد ...
- الإمارات تعلن -تفكيك شبكة إرهابية مرتبطة بحزب الله اللبناني ...
- التلفزيون الإيراني يعرض إنقاذ رجل من تحت أنقاض جنوب خراسان
- مباشر: نتنياهو ينفي أن يكون قد -جرّ- واشنطن إلى الحرب مع إير ...
- محمد بن زايد يبحث مع ترمب الاعتداءات الإيرانية على الإمارات ...
- من الهند إلى هوليود.. -صوت هند رجب- يواجه محاولات المنع والت ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد الزكروطي - الهوس الطقوسي ومألاته الخطيرة