صلاح التوم
الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 09:57
المحور:
الادب والفن
قراءة في رواية 48 لمحمد المصطفى موسى
الطبعة الأولى: يناير 2026
الناشر: دار زراف للنشر، لندن .
د.صلاح التوم إبراهيم
يُعدّ الروائي والقاص محمد المصطفى موسى من الكُتّاب والمؤرخين الذين جمعوا بين الإبداع السردي والاشتغال المعرفي؛ إذ قدّم عبر مسيرته الأدبية والابداعية روايات متعددة، ومجموعات قصصية، إلى جانب دراسات وأبحاث في التاريخ والتراث واللغات. وقد أسهم هذا التنوع في تشكيل رؤيته الإبداعية، فجاءت أعماله محمّلة بوعي تاريخي وثقافي واضح، دون أن تفقد سلاسة السرد ومتعة الحكاية.
وتأتي رواية "48" - التي بين أيدينا - ضمن هذا السياق، عملًا روائيًا يستثمر المعرفة التاريخية بوصفها مادة فنية، لا تسجيلًا توثيقيًا، ويعيد من خلالها الكاتب قراءة مرحلة دقيقة من تاريخ السودان، حيث تتقاطع السياسة بالمجتمع، والسلطة بالناس، والمعلن بالمسكوت عنه.
مجمل صفحات الرواية 315 صفحة وأول ما يستهوي القارئ ويثير انتباهه، عتبات النص وهي كل العناصر التي تحيط بالمتن الأدبي مثل: العنوان والغلاف والمقدمة والإهداء والتصميم ... إلخ فهي جزء لا يتجزأ من بنية النص وتشكل قيمته الجمالية.
ولا يجيء عنوان الرواية "48" بوصفه رقمًا زمنيًا مجردًا، بل كإشارة رمزية إلى عام 1948، ذلك العام الذي مثّل لحظة تحوّل كبرى في الوعي السوداني تحت الحكم الاستعماري. فهو عام بدأت فيه التصدعات تظهر في بنية الإمبراطورية البريطانية، وتنامى فيه الشعور الوطني، وتكشّفت هشاشة السلطة أمام حراك المجتمع وقواه الكامنة.
وبهذا المعنى، يصبح العنوان عتبة دلالية مكثفة، تختزل روح الرواية القائمة على التحوّل والترقّب، وتفتح أفق التأويل أمام القارئ منذ اللحظة الأولى. فـ "48" ليست مجرد تاريخ، بل رمز لبداية الوعي، وانكسار اليقين، وتحوّل الهامش إلى مركز فاعل في صناعة المصير.
وقد أهدى الكاتب هذه الرواية التي تمثل وعيًا تاريخيًا وسرديًا ناضجًا لروح الأديب الراحل صديق محمد أحمد الحلو الخليفة الكاتب والروائي المعروف، ليوحي لنا بمدى التقدير والوفاء والاعتراف بالفضل لمن قدموا الدعم والتشجيع وأسهموا في حياة المؤلف، كما يكشف لنا هذا الإهداء ثقافة المؤلف وقيمه الصادقة تجاه الكُتاب والروائيين.
افتتح الكاتب روايته بعبارة "التمرد هو أن يقول الإنسان: لا" اقتباسا من كتاب "الإنسان المتمرد" للكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو. فالرواية تطرح تساؤلات عميقة حول "هشاشة الإمبراطوريات" وكيف يمكن للتحالفات السرية والمؤامرات الاقتصادية أن تفتت المجتمعات أو توحدها. إنها قصة عن "التمرد" بمعناه الوجودي، كما في اقتباس ألبيركامو الذي افتتح به الكاتب عمله.
ولا تُقرأ رواية الكاتب بوصفها حكاية تاريخية فحسب، بل تُستقبل بوصفها نصًا سرديًا كثيفًا يعيد مساءلة التاريخ من داخله، ويقترح قراءة مغايرة لمرحلة مفصلية في تشكّل الوعي السوداني تحت قبضة الاستعمار البريطاني. إنّها رواية تُنصت إلى ما همس به السوق، وما كتمته الأزقة، وما لم تدوّنه التقارير الإدارية ولا دفاتر الإمبراطورية.
تجلى الروائي الدكتور محمد المصطفى موسى في توظيف التاريخ لا بوصفه خلفية جامدة، بل باعتباره طاقة سردية متحركة، تتجسد في المكان واللغة والشخصيات. فالسودان، بين عامي 1937 و1948، لا يظهر هنا كأرض تُدار من علٍ، بل ككائن حيّ، متشظّي، نابض بالتناقضات؛ تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية، والهويات الثقافية، والتحالفات الخفية، في مسرح مفتوح اسمه سوق أمدرمان.
تتخذ الرواية من شخصية الإداري البريطاني دنكان همفري مدخلاً سرديًا ذكيًا، لا لتكريس مركزية المستعمِر، بل لكشف هشاشته. فالرجل، الذي دخل السودان مسلحًا بالمعرفة الإمبراطورية والانضباط الإداري، يجد نفسه شيئًا فشيئًا داخل شبكة معقدة من القوى المحلية، حيث لا تسير الأشياء وفق المنطق الاستعماري البارد، بل وفق قوانين السوق، والولاءات، والتاريخ غير المكتوب. وهنا تتجلى براعة الكاتب في تقويض وهم السيطرة، وتحويل الإداري من فاعل إلى مراقَب، ومن مركز إلى هامش متآكل.
أما الشخصيات: ديمتريوس، رافائيل، ماتريد، أولاد منصور، وسيد الرجال – فهي لا تُستدعى للتزيين أو الاكتمال العددي، بل تؤدي أدوارًا رمزية ودلالية عميقة. إنهم يمثلون تعدد السودان الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ويجسدون صراع المصالح داخل المجتمع نفسه، لا بين المستعمِر والمستعمَر فحسب. وبهذا، تبتعد الرواية عن الثنائيات الساذجة، لتقدم رؤية أكثر تعقيدًا وصدقًا للتاريخ؛ كما تنهض الشخصيات المحلية: أولاد منصور، سيد الرجال، الناشف، ماتريد – بوصفها قوى فاعلة في إنتاج الحدث، لا مجرد ردود فعل. فـسيد الرجال، على وجه الخصوص، يمثل نموذج الإنسان الشعبي الذي يتسلل من الهامش إلى مركز الفعل التاريخي، لا عبر الخطابة، بل عبر الموقف الأخلاقي، ورفض المساومة، والانحياز الصامت للجماعة. أما ماتريد، فتُعد من أكثر الشخصيات كثافة دلالية؛ إذ تجمع بين الغموض، والسلطة غير المرئية، والحضور الأنثوي الذي يعيد تشكيل موازين القوة خارج القنوات الرسمية. إنها تجسيد ذكي لفكرة أن السلطة لا تكون دائمًا في يد من يعلنها.
يحتل سوق أمدرمان مكانة محورية في الرواية، بوصفه بطلًا جماعيًا. إنه الفضاء الذي تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية، والهويات الثقافية، والصراعات الطبقية، والتحالفات السرية. السوق هنا ليس مجرد مكان، بل نظام معرفي، تُدار فيه شؤون البلاد بطرق غير مرئية، ويتكوّن فيه وعيٌ وطنيٌ، بعيدًا عن المؤسسات الرسمية. ومن خلال هذا الفضاء، تنجح الرواية في فضح وهم السيطرة الاستعمارية، وتُبرز كيف أن القوة الحقيقية كانت كامنة في العلاقات الاجتماعية، وفي الاقتصاد الشعبي، وفي القدرة على التنظيم من الأسفل.إذن الرواية ليست عن الاستعمار فحسب، بل عن تشكل الوعي: وعي الفرد، ووعي الجماعة، ووعي الوطن وهو يتلمس طريقه نحو الاستقلال. إنها رواية عن اللحظة التي يتقاطع فيها التاريخ الكبير مع الحياة اليومية، وحين يصبح السوق، والعتال، والمرأة الهامشية، شركاء في صناعة المصير.
فنيًا، تتسم الرواية بلغة مشحونة بالإيحاء، تتراوح بين الوصف الدقيق المشهدي والتكثيف الشعري، دون أن تفقد وضوحها السردي. ويبرز المكان – السوق، المكتب، الأنداية، قاعة الموسيقى – بوصفه عنصرًا فاعلاً في إنتاج المعنى، لا مجرد مسرح للأحداث. كما ينجح الكاتب في بناء توتر سردي تصاعدي، يجعل عام 1948 لا مجرد تاريخ، بل ذروة رمزية لانكسار الإمبراطورية وبداية تشكّل الوعي الوطني.وتتميز الرواية بلغة سردية متماسكة، تجمع بين الدقة الوصفية والبعد الشعري، دون أن تقع في الاستطراد أو الزخرفة المجانية. فجاءت لغتها رفيعة، مشبعة بالصور البيانية التي تعكس روح العصر. السرد لديه يتسم بالتدفق السينمائي، خاصة في وصف المشادات في "قاعة غردون" أو المزايدات في "سوق العيش". كما وظف الكاتب "الرمزية" بكثافة، حيث ترمز "عصا شيخ العتالين" إلى الشرعية والقيادة الشعبية. وتُحسن الرواية استخدام الحوار، لا بوصفه أداة نقل معلومات، بل وسيلة لكشف التوترات النفسية والفكرية بين الشخصيات. كما يعتمد البناء السردي على تصاعد هادئ، تتراكم فيه الأحداث والرموز حتى تبلغ ذروتها، في انسجام مع التحول التاريخي الذي تشير إليه الرواية.
حقيقة إن رواية "48" هي رحلة في "أزقة التاريخ"، تستنطق المسكوت عنه في حقبة الاستعمار، وتكشف كيف كان السودان مسرحاً لصراع إرادات دولية ومحلية، صاغت في النهاية وجه السودان الحديث. إنها عمل يجمع بين التشويق ، والعمق التاريخي، والتحليل النفسي للشخصيات، وهي ليست رواية عن الاستعمار فقط، بل عن الإنسان في لحظة التحول: حين تتصدع السلطات، وتُعاد صياغة القيم، ويخرج المهمش من الظل ليكتب اسمه في متن التاريخ. وهي في ذلك، عمل سردي ناضج، يزاوج بين المتعة والمعرفة، ويؤكد أن الرواية التاريخية يمكن أن تكون، حين تُكتب بوعي وجمال، أداةً لفهم الحاضر بقدر ما هي استعادة للماضي.
وقد استطاع الروائي الدكتور محمد المصطفى موسى أن يقدم نصًا جديرًا بالقراءة، وعمل أدبي كبير لا يكتفي بسرد التاريخ، بل يستنطق صمته ويكشف عن التاريخ الإنساني الخفي الذي لا تسجله الوثائق الرسمية.
ختاما شكري وتقديري للروائي السوداني الدكتور محمد المصطفى سائلا الله تعالى أن يوفقه ويسدد خطاه .
د.صلاح التوم إبراهيم
باحث بمركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟