أوميد قرني
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 09:17
المحور:
الادب والفن
من أدب المهجر
أوميد قرني
يوانينا- يونان
لقد جلست السعادة للتو هاهناك
أظهرت عاداتها المدهشة
سلوكها السحرية... إيقاع دقات قلبها
نظرات و تأملات أصحابها.
لكنها لم تنطق بكلمة واحدة عن مساوئها!
"ليس اسمي ريتشارد، ولن أذهب إلى واشنطن"
أنا محبوس في غرفة.
مظلمةٌ، حالكة
يخرج وميضٌ من شق.
صديقي الوحيد، فأر، ملهوف
لا تدعه لهفته يلهو.
سألني بالأمس لم اعتقلت؟
-عندما أسير في الشارع،
أفزع فجأة،
لم أفعل شيئًا... لم أقل شيئًا.
لكن الشرطة:
"هٶلاء مشبوهون
هذا... عملهم ،
اذهبوا واقبضوا عليهم
اضربوهم واعتقلوهم"
أيها الفأر العزيز!
يقولون: إنك جلاد نرجسي الخمر
إنك الضباب في عقل المخمور
أنت تحصد تلك الاحقاد
التي نزرعها نحن...
أخيرًا، قالوا: "انك لست أوميد
ويحك! اسمك ريتشارد، و كفى
عليك الذهاب إلى واشنطن...
وإلا، سنضع بوقًا فوق عمودك الفقري!
سنجعلك نافذةً عمياء
بابا رهيباً
لا يؤدي إلى أي مكان
أو حمامة،
في حديقة الملك السحرية..
ماذا عنك؟
- ينوون كسر أضلاعي
حتى أثبت للقاضي، بالأدلة،
أنا لست من فيل و الفيل ليس منيً!
***
قراءة تحليلية:
...................
القصيدة هي نص شعري ذو طابع عاطفي عميق وتعكس حالة من الاغتراب والقلق الوجودي، وهي من أدب المهجر حيث يعيش الكاتب في بيئة ثقافية ومكانية تختلف عن بلده الأصل. تنتمي القصيدة إلى الأدب الحديث، وهي تتسم بالغموض والتشابك الرمزي. إليك تحليلاً أكاديمياً للقصيدة من عدة جوانب:
. الموضوع العام
القصيدة تطرح تساؤلات عن الهوية، والتشويش العقلي، والشعور بالعزلة في بيئة غير مألوفة. يبدو أن الشاعر يعيش في حالة من الضغط النفسي والوجودي، حيث يُحتجز في غرفة مظلمة، ويشعر بالتهديد من السلطات والمجتمع، كما يُختزل في مشاعر الحيرة والقلق، مما يعكس مواقف مغتربين في المجتمعات الغربية التي تواجه مشاكل التمييز والغرباء.
الرمزية
السعادة: تُظهر السعادة في البداية وكأنها موجودة ولكنها تظل غامضة، وتختفي وراء سلوكياتها وأفعالها السحرية. لكن عندما تلمح القصيدة إلى وجود "مساوئ" للسعادة التي لم تُذكر، يبدو أن السعادة في هذا السياق قد تكون وهمًا أو قناعًا لا يكشف عن الحقائق المظلمة التي يواجهها الشاعر.
الفأر: يمثل الفأر في النص صديقًا للشاعر، وهو شخصية من الممكن أن تعكس الضعف، أو العزلة، أو ربما الكائن الذي يعيش في الظلال. الفأر يتفاعل مع الشاعر بلطف ولكنه أيضًا جزء من التوتر النفسي الذي يعيشه الكاتب.
الشرطة: الشرطة في النص تمثل السلطات القامعة والظالمة التي تمارس القمع بدون مبرر حقيقي. هي تجسد القوة المادية التي تسلب حرية الأفراد وتتهمهم دون دليل أو أساس.
ريتشارد وواشنطن: الإشارة إلى اسم "ريتشارد" و"واشنطن" قد تكون رمزية للهوية الغربية والنظام السياسي الذي يسعى الشاعر للانفصال عنه أو الهروب منه. يمكن أن يكون "ريتشارد" في هذا السياق هو تجسيد لما يُتوقع من الشاعر أن يكون عليه في هذا الواقع الغريب، أو القصد منه هو الاشارة بالشاعر الامريكي الحداثي ريتشارد غاري بروتيغان.
للنص أسلوب الكتابة
القصيدة مكتوبة بأسلوب سردي يتضمن جملًا قصيرة وصورًا مكثفة تعكس التوتر النفسي والحالة الذهنية المعقدة للشاعر. النص يفيض بالرمزية التي تنقل القارئ إلى حالة من الغموض والتشويش العقلي، مما يجعله يُحس بالتوتر والضغط الذي يعيشه الشاعر. هناك أيضًا استعمال للأسلوب الحديث الذي يتماشى مع إيقاع قصيد "الانكسار" والتشتت، حيث يُظهر السرد بلا ترتيب منطقي تقليدي، مما يعكس الارتباك العقلي والوجودي.
التوظيف الفني
التكرار: يتم تكرار بعض الكلمات مثل "أنا" و"يقولون"، وهو أسلوب يستخدم لزيادة التشديد على معاناة الذات، وجعل القارئ يعيش هذه الحالة الوجودية.
التشبيه والاستعارة: في إشارة إلى "أنا لست أوميد، اسمك ريتشارد"، توجد استعارة ضمنية للمفارقة بين الهويات المتعددة التي يُفرض على الشخص أن يتبناها، وهي تعكس الصراع الداخلي والتشويش المتعلق بالهوية الشخصية في الغرب.
الرمزية البصرية: الجمل مثل "أنا محبوس في غرفة مظلمة" و"سأجعلك نافذةً عمياء" هي صور بصرية تستخدم للإشارة إلى العزلة والانغلاق العقلي، وتحيل إلى الخوف والمجهول.
الواقع السياسي والاجتماعي
القصيدة تعكس التأثيرات التي يمر بها المغترب في بيئة لا يستطيع التكيف معها بشكل كامل. عبارات مثل "لم أفعل شيئًا... لم أقل شيئًا" تشير إلى التهم الظالمة والتمييز الذي يعانيه المغترب، كما أن النقاش حول الهوية المفقودة (اسم ريتشارد) يُظهر الصراع بين الانتماء إلى ثقافة معينة والعيش في بيئة ثقافية أخرى.
البنية والتوقيت
تبدأ القصيدة بتصور مُثالي للسعادة التي تكتشفها الذات في بداية النص، لكن سرعان ما يختفي هذا الشعور وتظهر الحقيقة القاسية التي تتكشف تدريجياً. البنية غير الخطية للنص تعكس التشويش العقلي الذي يعاني منه الشاعر، وتُظهر تطورًا سريعًا من لحظة أمل إلى لحظة يأس، مما يعكس التوتر النفسي الذي يصاحب التجربة الوجودية والاغتراب.
الأبعاد الفلسفية والوجودية
يمكن قراءة القصيدة من زاوية الفلسفة الوجودية التي تتحدث عن التشويش والتوتر الذي يعيشه الإنسان في عصر الحداثة، خاصة في ظل الاغتراب عن الوطن. الشاعر يعبّر عن تجربة الشك والضياع في عالم لا يستطيع فيه الفرد أن يحدد مكانه أو هويته. النص يحمل رسائل عميقة عن الاغتراب النفسي، الهويات المفقودة، والشعور بالقمع.
الخاتمة
القصيدة في مجملها تعكس معاناة المغتربين والضحايا النفسية في عالم معاصر مليء بالصراعات الداخلية والخارجية. من خلال الرمزية والتوظيف الفني، يعكس الشاعر صراعًا مريرًا مع الذات، مع محيطه، ومع الهويات المزدوجة التي يُجبر على تحمّلها.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟