تباني آمنة
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 18:50
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
رغم أنني أذعن خجلا أمام صوت العقل الواعي والرأي النابع من فكر شخص مكتمل الأهلية لإعلاء صوت الحق الذي يبدو في واقع قاتم غابي مجرد مثاليات متقافزة عن الواقع إلا أنني أجد قول دريد بن الصمة:( وما أنا إلا من غزية إن غوت غويتٌ..وإن ترشد غزية أرشد) فكرة تمثل دستورا وقيمة من قيم الجاهلية في أجلى صور الصدق مع الذات، بعيدا عن أقنعة المثالية الزائفة أو الإمعية القومجية المغلفة بمبررات تتطفل على الحق والاستحقاق والعلم والفهم.
دريد هنا لا يتحدث بلسان الأعمى الذي لا يبصر الحق، بل بلسان الشجاع الذي اختار الانتماء كعقيدة وجودية. ففي مجتمع قبلي كانت فيه النجاة مرتبطة بالوحدة، رأى دريد أن مفارقة الجماعة حتى في ضلالها هي خيانة لرباط الدم، واختار أن يكون مع قومه في الخطأ بدلا من أن يكون ضدهم في الصواب المنفرد.
تتجلى شجاعة دريد في وضوح الموقف؛ فهو لم يحاول تبرير أفعال قبيلته (غزية) بصبغة العدالة، بل اعترف صراحة باحتمالية "الغواية"، ومع ذلك أعلن انحيازه المطلق لها. هذا الصدق ينسف مبدأ النفاق الاجتماعي الذي يدعي الفضيلة بينما يمارس التعصب في الخفاء. لقد قدم دريد "الوفاء" على "المنطق"، معتبرا أن الوقوف في وجه الإجماع القبلي هو تفتيت للكيان الذي يحميه.
إن هذا البيت يمثل "واقعية شجاعة" تدرك أن الإنسان في النهاية هو نتاج لوسطه، وأن تبرؤ المرء من أهله وقت الشدة -تحت شعار المثالية- قد يكون نوعا من الجبن المقنع. لقد خلد التاريخ قول دريد لأنه كان صريحا في انتمائه، صادما في تجرده من الأوهام، مخلصا لمبدأ العصبية كقدر لا يمكن الفكاك منه.
آمنة تباني
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟