عزالدين ميرغني
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 22:25
المحور:
الادب والفن
الوعي الوطني ، والبعد الاجتماعي الغائب في التاريخ السوداني الحديث:
رواية 48 لمحمد المصطفى موسى
عزالدين ميرغني
( أكتب رواية تعرف جيداً موضوعها )
أرنيست هيمنجواي
صدرت هذه الرواية في لندن ، عن دار ( زراف للنشر ) حديثاً في العام 2026 للدكتور محمد المصطفى موسى ( يعمل طبيباً في بريطانيا ) . وهو أول عمل روائي له . فقد أصدر قبلها مجموعتين قصصيتين وكتاب عن المهدية . وامتازت نصوصه القصصية بالنفس السردي العميق ، وقد ظهر ذلك في هذه الرواية (48)، وقد اطلعت عليها ، وهي مخطوطة قبل النشر .
وعنوان الرواية لا شك بأنه عنوان تاريخي مضيء ( العام 48 ) , وهو ذو محمول ورسالة تاريخية ، أي أن دلالته محمولة ومضمنة في العنوان كعقد بين الرواية والقارئ. وهو عنوان مريح في المضمون ، لأنه يقرب المسافة الجمالية بينه وبين القارئ. ويضيق أفق التوقع عنده فلا يزداد عليه . وهو إشارة لمضمون الرواية ومحمولها التاريخي منذ عتبتها الأولى. وهي من العناوين التي تشير إلى النص ، والنص نفسه يشير إلى العنوان . وبهذا يؤكد مصداقيته عند قراءة النص ومصداقية النص المشار إليه. وهذا هو ما يطلق عليه النقد الحديث ، ( مصداقية الكتابة ) . كما جاء في كتاب ( عتبات النص في الرواية العربية ) ، للدكتور عزوز علي إسماعيل. حيث يطلق عليه ( تقنية الإحالة في العنوان ) ، فالعنوان يحيل الي النص، والنص يحيل الي العنوان .
وعنوان هذه الرواية ، 48 , هو ( أيقونة بصرية تاريخية ) ، هذه الأيقونة تبقى في ذاكرة القارئ حتى نهاية الرواية . لأن كل أحداثها تدور في هذا العام . هو عنوان ذاكرة كولونيالية مضت . أما الإهداء كعتبة ثانية في الرواية ، فهو لروح الروائي والقاص الراحل ( صديق الحلو ) ، ورغم أن الإهداء هو لفرد معين ، ولكنه ليس فرداً عادياً أو مجهولاً، وإنما لقاص وروائي، دخل التاريخ الادبي السوداني بأعماله المنشورة منذ زمن بعيد . وهو نوع من الوفاء لأخوة الابداع وزمالة الكتابة .
في هذه الرواية تتنازع البطولة فيها عدة ثيمات، وهي متروكة في تقييمها للقارئ. فهل هي للحدث ، أم لشخصية واحدة معينة ، أم لأسرة معينة ، وهل يمكن أن تكون للمكان الذي تجري فيه الاحداث؟ أم للزمان الذي حدثت فيه .. العام 1948؟ .و تجد أن البطولة موزعة بعدالة واتقان بين كل هذه الثيمات : بطولة شخصيات وطنية ، ومكان خلقها واحتضنها ودافع عنها ، وزمان كانت فيه الكولونيالية في قمة سطوتها وجبروتها. فهي بذلك ذات بنية قوية من ثلاث أضلاع، المكان والزمان والشخصية ، مما جعلها رواية متوازنة متماسكة ، ومقنعة ، ومشبعة أيضا .
وإذا كان العنوان ، يحيل الي النص، ذو التاريخ الذي ينتسب الي الماضي، فمعنى ذلك بأنها رواية لها علاقة بالتاريخ ، الذي استلهمته ووظفته جيداً. ولم يوظفها التاريخ ، فهي رواية التخييل داخل التاريخ وليست نقل أحداثه الموثقة وهذه من وظيفة المؤرخ وليست وظيفة الروائي.
وظف الكاتب الراوي العليم ، والذي يعرف الماضي جيدا ً( الراوي الإله ) ، كمتحكم في السرد ، وقابض على حبله بقوة وثقة معرفية كبيرة، فالعهدة هنا تركها الكاتب على عهدة هذا الراوي العليم . لان هذه الأحداث التاريخية الاجتماعية لا توجد في كتب التاريخ. ومن أسباب ذلك أن البطولة متعددة ، ولا يمكن أن يرويها شخص واحد باسمه فقط لأنه لا يعرف ما حدث لغيره . وهذا الراوي- بذكاء من الكاتب-أعطى الفرصة للكثير من الشخصيات أن تعبر عن نفسها . إذن هي ( رواية بوليفونية ) ، متعددة الشخصيات ،وهي شخصيات مختلفة في ثقافتها وتعليمها رغم المكان الواحد الذي يجمعها . فأعطاها الحق في أن تتداعى وتتذكر، خاصة الشخصيات الغريبة عن المكان والتي تحمي تاريخها بنفسها. وقد تقوم بإرسال رسائل لغيرها وتتواصل معها وكلها تقنيات في خدمة النص الروائي. ( سرد تناوبي بين الراوي العليم وبعض شخصيات الرواية الأخرى ) ، مثل شخصية اليهودي الذي جاء إلى السودان هارباً من لبنان باسم وهوية مستعارة ، ليخدم اغراضه .
والرواية فيها غوص عميق بشخصية رافائيل اليهودي ، والصراع الخفي بين طائفتين من اليهود موجود في إسرائيل حتى الآن( الأشكيناز والسفارديم ) ، وهو صراع أظهرته هذه الرواية بتجربة متفردة في الرواية العربية . وتقنية الراوي العليم هذه ، قد أدخلت الرواية أيضا في مصطلح الرواية الحديثة بجدارة ، modern novel لأنها قد وظفت التاريخ الاجتماعي للمكان الأمدرماني، لخدمة مضمونها ، وقد جاءت الحداثة فيها من قوة إقناعها، وهي مسلحة بخيال الكاتب وثقته فيما يرويه ، وكل ذلك بقوالب الفن الروائي الحديث ( الفلمنة، والمسرحة، والسلسلة ) . و يجري كل ذلك بعيداً عن نمطية الكتابة التاريخية الأكاديمية، أو الرواية التاريخية الكلاسيكية ، تلك التي يقيدها الواقع التاريخي بحقائقه المدونة في الكتب .
وهذه الرواية 48 , ليست بالضرورة أن تكون شخصياتها حقيقية ، ولكنها شخصيات واقعية يمكن أن يحدث منها ما حدث إن كان منها ، أو من غيرها . وحتى ولو كانت حقيقية ، فمن الذي كتب عنها قبل ذلك غير هذه الرواية ؟ وإذا اضفنا ما قدمه الراوي العليم لهذه الرواية، فهي إضافات فنية مهمة ، فقد أظهرت مقدرة الكاتب في البحث والتقصي في دروب التاريخ الخفية ، و أظهرت أيضاً ثقافته التاريخية بجدارة في كل ما ذكره الراوي وهو الشخصية الخفية للكاتب ، من معلومات تاريخية صحيحة ، ومن معرفة ودراية بالمكان وثقافته ، فهو ابن المكان أيضا، وهذا ما يدحض نظرية موت المؤلف التي انتهت بزمانها. فالكاتب هو الذي يعرف المكان أكثر من غيره ويعرف شخوصه ، دواخلها ونفسياتها. وقد عبر عنها بلغة رائعة ومحفزة بتشبيهاتها النابعة من المكان؛ ثقافته وبيئته كأنما في هذه الرواية بضاعته قد ردت إليه.
وهذه اللغة أتاحت للكاتب أن تظهر بصمته الاسلوبية الخاصة ، والمميزة، وأصبح بذلك ذو توقيع خاص في كتابة الرواية منذ أول رواية يكتبها . أتاحت له ذلك الرواية أكثر من القصة القصيرة ذات الطاقة المحدودة . وهي بمثابة بيانه الإبداعي الأول والذي اجتاز امتحان العبور فيه بجدارة وتفوق . أتاحت له الرواية بلسان راويه العليم، أن يظهر ثقافته ومعرفته بالتاريخ الإجتماعي السوداني والإنجليزي ، ذكر في تفاصيله السردية الدقيقة ، نوع الازياء السودانية في ذلك الوقت ، ( جلباب على الله ، الملفحة، والشال، والكريزة ) ، وحتى ازياء المرأة الأوربية بالتفصيل، والمائدة السودانية، والمشروبات الرائجة في السوق في الأربعينات مثل الكيتي كولا، وعرقي العيش والبلح ) . ومقاهي ام درمان العريقة ، وشوارعها، وأزقتها ،وحتى أسماء لاعبي فرقها الرياضية مما جعلها رواية معرفة أيضا. وهي تؤكد مقولة الكاتبة ( فيرجينيا وولف ) :
"ضع في الرواية الكثير من ثقافتك ومعرفتك في الموضوع الذي تكتب فيه".
وقد استشهد فيها بالكثير من الأمثال السودانية، وأقوال التوراة والتلمود، وأغاني الحقيبة، والأمثال السودانية بدون تقريرية فجة ومجانية. ومعرفته المكانية تتجلى أوضح في مسرح الأحداث، وهو ( سوق العيش ) ، كيف تدار فيه الأمور، وتقوم فيه المضاربات، ويحصل فيه التنافس والنزاع خاصة بين عقلية التاجر اليهودي الخبيثة ، وعقلية التاجر السوداني الصادقة والبريئة. وقد صورت شخصية التاجر اليهودي تصويراً دقيقاً ورائعاً . وكيف كان يقوم بتخريب الاقتصاد السوداني ومحاربة رأس المال الوطني بتشجيع من المستعمر ومعرفته .
وبطولة المكان تأتي من تكاتفه ووقوف أبنائه مع بعضهم وقت الحاجة والعوز. مجتمع خال من العنصرية والجهوية، والطبقية، بل للمرأة دورها الكبير حتى ولو كانت ست أنداية، مثل شخصية ( ماتريد ) ، تلك الهجين الرائع بين ام زانداوية وأب اغريقي ، والتي كان يستشهد بها شعراء الحقيبة( خلقوها زي ما تريد ) . والكاتب لم ينحاز لجهة فكرية واحدة فالكل شارك في مناهضة الاستعمار بدءً من صاحبات الانادي، وحتى زعماء الطوائف الدينية ، وأهل السياسة من اليمين واليسار . وحتى أهل المكان من المسيحيين شاركوا في هذه الهبة الوطنية ضد الغازي المستعمر . وقد تمثل ذلك الاندياح في المكان بحي ( المسالمة ) ، والذي يقول عنه التاجر اليهودي رافائيل البعلبكي، ( عشر سنوات مضت، منذ أن استهواني ذلك المكان ، والذي تتقاطع فيه، دروب المسيحيين، والمسلمين، واليهود ، دون أن يسأل أحدهم عن الآخر ) .
لقد أتاحت وظيفة الراوي العليم للكاتب ، أن تظهر بصمته الاسلوبية الخاصة ، موظفا ما يسمى بالانزياح اللغوي ، والذي يطلق عليه النقد الفرنسي مصطلح infraction، وهي إزاحة اللغة من وظيفتها التواصلية العادية، الي شعريتها العالية ، وهي ما يسمى بلغة الكتب وليست لغة الكلام العادي .والذي تركه احيانا للحوار بين شخصياته كلغة المكان اليومية . وقد كانت بها الكثير من الغنائية الرومانسية والراوي يتغزل في المكان فيقول :
( هناك بأطراف حي القماير، التف الظلام، على جغرافيا الأمكنة، ليسبل ستره الازلي على تفاصيل الاشياء ) .
تمتاز الرواية بكثرة التفاصيل الدقيقة ، وقد أدت مهمتها بنجاح ، مما جعل الأحداث مترابطة، ومتلاحمة، ومتراكمة. وهذا الثالوث هو الذي دفع الأحداث لتسير الي الأمام دون توقف أو لجلجة لغوية . وهو ما أتاح للكاتب أن يعطيها من فكره وثقافته، وروحه الكثير حتى خرجت رواية خصبة في تفاصيلها وأحداثها ومقصدها. فخرجت رواية من نمطية الحكي التاريخي الممل، والبعد المنسي والغائب في التاريخ ، وهو كتابة البعد العاطفي والوجداني والبعد الوطني للانسان السوداني العادي وليس السياسي المحترف للوطنية والمخلص للفكر الذي ينتمي إليه أكثر من الوطن الذي يعيش فيه .
إنها رواية الثالوث المقدس في الرواية الحديثة ، ( الإنسان والزمان والمكان ) .
#عزالدين_ميرغني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟