آمال بوحرب
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 14:47
المحور:
الادب والفن
في قلب التّجربة الشّعرية المعاصرة تبرز قصيدة ( وأُغادِر ) كميتافيزيقا حيّة للمغادرة حيث ينكسر العقد الخفيّ بين الإنسان والعالم فتنهار رموز الانتماء وتتحوّل الذّات إلى مشروع انسحاب حر من كون لم يَعُد يبادِلها المعنى إنّها تجربة فكريّة وجمالية تبني تصوّرا وجوديا وتصوفيا للحظة يفقد فيها الكائن مبرّر البقاء الرّمزي فيختار المغادرة استعادة لسيادته على مصيره وتحصينا لكرامة حضوره الوجودي ..
المغادرة هنا ,فعل وعي واعٍ واستجابة للتوتر الداخلي بين الرغبة في الانتماء وإرادة التحرر وتحمل في آن واحد إعلان أصالة الذات وتجربة تصوفية ترتقي بالروح نحو الفناء في المطلق
من منظور الفلسفة الوجودية يعيش الإنسان توترا دائما بين الحاجة إلى الانتماء وإرادة تشييد الذات وبين وعي عميق بالاحتمال واللايقين وهو ما يولّد القلق الوجودي بوصفه انكشافا لحقيقة الحرية كما يصرّح جان بول سارتر:
«الإنسان محكوم عليه بالحرية»
فالقلق هنا علامة مسؤولية وكل لحظة مغادرة تصبح فعل اختيار واعٍ في النص تتجسّد هذه الحالة في صور الرحيل فتغدو المغادرة استعارة كبرى لتحمّل عبء القرار في عالم مفتوح على الإمكان ويظهر القلق عبر تآكل الروابط وفقدان الصدى وتحول المكان إلى فضاء صامت وانقطاع الاتصال بين الذات والموضوعات التي تمنحها معنى
يفتتح الشاعر نصه بسلسلة الجمل الشرطية المتكررة (عندما …) ليبني مناخا تصاعديا يقود إلى نقطة الانكسار حيث تتوالى رموز الانهيار:
(الأرض التي تُهمِلني)
(الطريق الذي يستوحش أقدامي)
(الصدى الذي يأبى ترديد أغنيتي)
(المآذن الساقطة صامتة)
(الليل الضرير)
(الشاطئ الذي يفتقد زواره)
(تهجره الطيور قبل الرحيل)
(براءة تهجر أثداء الأمل)
تشكل هذه الصور شبكة العلاقة بين الذات والعالم وكلها خيوط للمعنى وعندما تنقطع يُعلِن المتكلم قراره بالمغادرة بوصفه استجابة وجودية لانسحاب العالم من الحوار فالصدى الذي يرفض الأغنية تمثيل للعالم الذي لا يجيب والمآذن الصامتة أخفت البعد الروحي الجماعي والشاطئ الخالي والطيور الراحلة إشارات إلى فراغ المكان والكائنات الأقدر على استشعار الخطر تهجر قبل الإنسان وهذا البُعد يعكس حالة القلق الوجودي التي تفتح الباب للتحرر الروحي
يتقاطع هذا المشهد مع التصور الكينوني عند مارتن هايدغر حيث يشكّل القلق تجربة كشف تعيد الإنسان إلى أصالته بعيدا عن الذوبان في اليومي يقول هايدغر:
«القلق يكشف الكائن لذاته ويحرّره من السقوط في العادة»
فالعالم حين يفقد بداهته يكشف حقيقة الكينونة ويصبح المغادر مدركا لاختياراته مسح آثار الأقدام في الأفق الختامي يقارب هذا المعنى بوصفه انفصالا عن الانغماس القسري في المألوف وعودة إلى وجود يتحقق بالفعل الواعي والاختيار الأصيل
وحين يقول الشاعر:
«لا تُرسَمُ اللوحاتُ العظيمةُ بفرشاةٍ واحدة وهكذا أنا مجموعةُ تفاصيل» فهو ينتقل الخطاب من وصف انهيار العالم إلى تفكيك بنية الذات فتظهر الهوية كصيرورة متعددة من الانفعالات والتجارب والتناقضات وهذا يتقاطع مع الفلسفة التجريبية عند دافيد هيوم الذي يرى أن الذات:
«ليست سوى حزمة من الإدراكات المتعاقبة»
وأن الهوية بناء نفسي يتشكل عبر الخبرة والذاكرة وتفاصيل الشاعر تمثل هذا التعدد وتمنح الذات حق التحول والتغير مؤكدين على حرية الكائن في تشكيل ذاته بما يتجاوز التقييد المفروض
"اما عند العهد وثيقة من طرف واحد اسم آخر للإذعان»فهي وقفة تكشف وعيا نقديا ببنى السلطة في العلاقات الإنسانية حيث يتحول الالتزام إلى أداة إخضاع رمزي ويُنسف الشاعر شرعية أي رابطة تقوم على أحادية القرار وهذا الموقف يلتقي مع فريدريش نيتشه الذي دعا إلى تجاوز أخلاق القطيع وإعادة تقييم القيم فيقول:
«الإنسان الخلّاق هو من يمتلك شجاعة الانفصال عن المسارات المفروضة»
المغادرة هنا فعل تحرري يعيد صياغة القيم وينقذ الذات من الامتثال القسري موضحا دور المغادرة كفعل أصالة وإبداع و«يومًا سأصحبُ هذه الطيور وأمسحُ آثارَ الأقدام وأُغادِر» فهي تمرس في استعمال الرمزية فالطيور في الموروث الصوفي رمز للأرواح السائرة نحو المطلق كما في منطق الطير واصطحابها يشير إلى عبور روحي من عالم الأثر إلى أفق المعنى ومسح الآثار يحمل دلالة الفناء ومحو الأنا الاجتماعية وعند محيي الدين ابن عربي يتحقق السير الروحي عبر:«الترك والتخلّي»حيث الفناء يفتح أفق البقاء ويحرر الكائن من التعلّق بالعلامات والآثار ويؤسس للحرية الروحية كضرورة وجودية
التحليل السيميائي في القصيدة
تقدّم القصيدة شبكة من الرموز والصور التي تُفكّك العلاقة بين الذات والعالم فتصبح كل صورة دلالة على أبعاد الوجود والروح ...*الأرض والطريق والصدى والمآذن... تمثل الغياب والفراغ والانعزال *والشاطئ والطيور ...رمز لعبور الروح والتحرر التصوفي يمكن قراءة هذه الرموز بوصفها نصا سيميائيا يوضح الصراع بين الالتزام بالعالم المادي والتطلع إلى المطلق الروحي حيث كل عنصر صوري يعمل كدليل على القلق الوجودي والتمرد على الثوابت وعلى مسار الروح نحو الفناء والتحرر
أخيرا يجوز القول إن في قصيدة ( وأُغادِر) قد تضافرت المقاربات الوجودية والكينونية والتجريبية والنقدية والتصوفية والسيميائية لتقدّم المغادرة فعلا أصيلا يعيد بناء العلاقة بين الذات والعالم فالقلق الوجودي يكشف هشاشة المعنى الجاهز و يبرز سيولة الهوية ونيتشه يفتح أفق التمرّد الخلّاق والتصوف يمنح المغادرة بعدها الروحي الأقصى والسيميائية توضح أن الرموز والصور الشعرية تجسد رحلة الكائن نحو الحرية هكذا تتحول المغادرة إلى ضرورة وجودية تحافظ على كرامة الروح وتؤسس أفقا جديدا للعيش عبر الحرية والاختيار والمسؤولية
نص القصيدة
وأُغادِر
عندما تُهمِلني أرضي،
وتستوحشُ أقدامي الطريق،
عندما يأبى الصدى أن يُردِّدَ أُغنيتي،
عندما تسقطُ المآذنُ صامتةً،
ويتخبَّطني ليلٌ ضرير،
عندما يفتقدُ الشاطئُ زوّاره،
وتهجره الطيورُ قبلَ الرحيل،
عندما تهجرُ البراءةُ أثداءَ الأمل،
عندها سأُغادِر.
لا تُرسَمُ اللوحاتُ العظيمةُ بفرشاةٍ واحدة،
وهكذا أنا… مجموعةُ تفاصيل.
العهد؟
وثيقةٌ من طرفٍ واحد،
اسمٌ آخرُ للإذعان.
…
يومًا سأصحبُ هذه الطيور،
وأمسحُ آثارَ الأقدام،
وأُغادِر…
--------------------------
المراجع
جان بول سارتر الوجود والعدم ترجمة إبراهيم حامد دار الشروق القاهرة 2005
2. مارتن هايدغر الوجود والزمن ترجمة محمد البهي مكتبة وهبة القاهرة 2003
3. دافيد هيوم بحث في الطبيعة البشرية ترجمة مصطفى سعيد دار النهضة العربية بيروت 2001
4. فريدريش نيتشه هكذا تكلم زرادشت ترجمة عبد الله القصيمي دار الطليعة
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟