|
|
مراجعة أدبية لرواية -ابنة آدم- للكاتبة الأردنية نسرين المشاعلة
طارق بنات
كاتب
(Tariq Banat)
الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 08:24
المحور:
الادب والفن
المقدمة لا تُقرأ رواية ابنة آدم للكاتبة الأردنية نسرين المشاعلة بوصفها نصًا سرديًا يسعى إلى الإقناع أو التسلية وفق معايير جاهزة، ولا بوصفها حكاية مكتملة العناصر يمكن تطويقها بحبكة واضحة أو رسالة محددة. في جوهرها، هي نص إشكالي، يتخذ من القلق أساسًا أكثر من اليقين، ويكتب التجربة الإنسانية من داخل هشاشتها، لا من موقع الاطمئنان. ومن هنا، فإن أي قراءة نقدية تتعامل مع هذه الرواية بمنظور اختزالي أو توصيفي صرف، قد تخاطر بإفراغ النص من طاقته الدلالية، وتحويله إلى مادة تقريرية لا تُنصف طبيعته السردية. تنطلق هذه الدراسة من افتراض أساسي: أن ابنة آدم لا تقدم خطابًا مكتملًا عن الهوية، ولا تصوغ موقفًا نهائيًا من العالم، بل تكتب التردد ذاته، وتبني نصها في المسافة الفاصلة بين الرغبة في الانتماء والعجز عن تحقيقه. لذلك، لا تعتمد هذه القراءة على منهج نقدي واحد مغلق، ولا تخضع النص لإطار نظري مسبق، بل تستعين بعدة أدوات تحليلية بحسب ما يفرضه النص نفسه. إنها قراءة سردية بالدرجة الأولى، تركز على البنية، والزمن، والصوت، والشخصية، لكنها في الوقت نفسه قراءة فكرية تتوقف عند الأسئلة الوجودية التي يطرحها السرد، وقراءة لغوية تهتم بالإيقاع والأسلوب والاقتصاد البلاغي. تنبع ضرورة هذا المنهج من طبيعة الرواية نفسها؛ فـابنة آدم لا تقدم مادتها السردية في خط مستقيم، ولا تراكم الأحداث كوحدات سببية واضحة، بل تراكم الإحساس والذاكرة والانحناءات الداخلية للشخصيات، بحيث يصبح الحدث الخارجي هامشيًا مقارنة بما يحدث في وعي الشخصية. وهذا يفرض على الناقد إعادة ترتيب أدواته، والتعامل مع النص بوصفه بنية للمعنى، لا مجرد سلسلة وقائع. كما تنطلق الدراسة من قناعة أن الرواية لا تُقرأ خارج سياقها الثقافي والفكري، لكنها في الوقت نفسه لا تختزل فيه. النص يغذي نفسه من واقع عربي مأزوم، من خيبات جماعية، ومن شعور عام بالاقتلاع وعدم الاستقرار، ولكنه لا يتحول إلى بيان اجتماعي أو خطاب احتجاجي مباشر. إنه يحول هذا السياق إلى تجربة فردية مكتوبة، تفكك أثر العالم في الذات، لا العالم نفسه. وعليه، تهدف هذه القراءة إلى تفكيك الرواية من داخلها، مع احترام منطقها الداخلي، وعدم فرض خلاصات جاهزة عليها. إنها قراءة تراهن على القارئ الواعي، وتعامل النص كشريك في إنتاج الدلالة، لا كمادة مغلقة للفحص. ومن هنا، لا تدعي الدراسة الإحاطة النهائية بالرواية، بل تفتح أفقًا نقديًا يسمح بإعادة قراءتها، والاختلاف معها، ومساءلتها كنص حي قابل للتأويل.
السياق الثقافي والفكري تنبثق رواية ابنة آدم من سياق ثقافي عربي معاصر يتسم باضطراب عميق في منظومات المعنى، وانكسار واضح في الثقة بالسرديات الكبرى التي شكلت مرجعًا للهويّة والانتماء والتاريخ. تُكتب الرواية في زمن تتراجع فيه اليقينات الجماعية، ويزداد فيه الإحساس بالهشاشة الفردية، بحيث يصبح السؤال الوجودي، لا الحدث السياسي المباشر، مركز التجربة الإنسانية. لا تقدم الرواية نفسها كاستجابة ظرفية لحدث تاريخي محدد، ولا تنخرط في خطاب توثيقي أو احتجاجي مباشر، لكنها تحمل آثار الواقع في نسيجها السردي، وفي مزاجها العام، وفي طبيعة الأسئلة التي تلح على شخصياتها. فالسياق هنا ليس خلفية خارجية، بل شرط داخلي لتشكّل الوعي السردي ذاته. يظهر هذا السياق في الإحساس الدائم بالاقتلاع، وبالعيش في مساحات غير مكتملة الانتماء؛ مدن تُستخدم ولا تُسكن، أماكن تُعبر ولا تُحتضن، حدود تُرسم كعوائق لا كضمانات. إنه عالم عربي يعيش توترًا حادًا بين خطاب معلن عن الحرية والانفتاح، وواقع يضيق على الفرد ويقيد حركته ويُفرغ مفهوم الهوية من طاقته الإنسانية. ويتجلّى البعد الثقافي في العلاقة الإشكالية مع مفهوم الهوية نفسه. فالهوية هنا ليست معطى موروثًا أو رابطة ثابتة، بل سؤالًا مفتوحًا، وحملًا ثقيلًا، وأحيانًا عبئًا وجوديًا. هذا التصور يتناغم مع تحولات فكرية عربية معاصرة تعيد التفكير في مفاهيم الأصل والانتماء والذاكرة، لا من موقع التمجيد، بل من موقع المساءلة. في هذا الإطار، تقيم الرواية حوارًا ضمنيًا مع نصوص سردية عربية حديثة اهتمت بتفكيك الذات في مواجهة العالم، وبالكتابة عن الاغتراب والسفر والمنفى الداخلي، دون الوقوع في التكرار أو الاستنساخ. فهي تستفيد من هذا المناخ السردي العام، لكنها تعيد صياغته من زاوية شخصية حميمة، تجعل التجربة الفردية محورًا لكل مساءلة فكرية. أما على المستوى الفكري، فتبدو ابنة آدم نصًا واعيًا بتحولات الخطاب الإنساني المعاصر، وبالتناقض بين الشعارات الكونية عن الحرية، وواقع الإقصاء والتصنيف والمراقبة. غير أن الرواية لا تحول هذا الوعي إلى أطروحة نظرية صريحة، بل تتركه يتسرب عبر التفاصيل، والاختيارات السردية، وحالات الصمت والانكسار والتردد. من هنا، يمكن القول إن السياق الثقافي والفكري في ابنة آدم ليس عنصرًا خارجيًا يُستحضر للشرح، بل نسيج داخلي يتغلغل في اللغة، وفي بناء الشخصيات، وفي رؤيتها للعالم. إنه سياق يُنتج رواية تدرك زمنها، لكنها ترفض أن تختزل فيه، وتفضل تحويله إلى سؤال إنساني مفتوح على التأويل.
العنوان ودلالاته الرمزية والفكرية يشكّل عنوان الرواية ابنة آدم عتبة نصية ذات كثافة دلالية عالية، لا يؤدي وظيفة التسمية فقط، بل يفتح منذ اللحظة الأولى أفقًا تأويليًا واسعًا يلازم القارئ طوال القراءة. العنوان، رغم بساطته اللغوية، يحيل إلى مرجعية إنسانية كونية، تستدعي الأصل الأول والسلالة والاشتراك في الجذر، لكن خلف هذه البساطة توتر دلالي عميق بين ما يوحي به العنوان من شمول إنساني، وما يكشفه النص من تجربة فردية مثقلة بالاختلاف والقلق. الإحالة إلى آدم لا تأتي هنا كاستدعاء ديني تقليدي أو رمز لبداية الخليقة فقط، بل كإشارة إلى الإنسان في حالته الأولى، قبل تراكم الهويات الفرعية، والحدود، والتصنيفات. أما إضافة "ابنة" فتعيد تشكيل هذه الإحالة، وتنقلها من المجرد إلى المتجسد، ومن الكوني إلى الذاتي، بحيث تصبح الابنة كيانًا يعيش التناقض بين انتمائه إلى أصل إنساني واحد، واصطدامه بواقع يجزئ هذا الأصل ويقيّده. العنوان لا يقدم وعدًا بالانتماء، بقدر ما يلمح إلى إشكاليته. أن تكون الشخصية ابنة آدم لا يعني أنها ستحظى باعتراف إنساني كامل، بل قد يعني العكس: أن تحمل أصلًا كونيًا، وتعيش في عالم يعترف فقط بالتصنيفات الضيقة. وهكذا، يتحول العنوان إلى صيغة مفارقة تجمع بين الشمول النظري والإقصاء العملي. العنوان لا يسمي الشخصية باسم علم، ولا يحيل إلى مكان أو حدث، بل يختار تعريفًا نسبيًا قائمًا على العلاقة، لا على الهوية المستقلة. هذا الاختيار يعكس فكرة الذات المعلقة، التي تُعرف بانتمائها إلى أصل أكبر، دون أن تتمكن من تثبيت نفسها في الواقع. الاسم الغائب يقابله حضور رمزي طاغٍ يثقل الشخصية بدل أن يحررها. وعلى مستوى التلقي، يمارس العنوان نوعًا من الإغواء الهادئ؛ إذ يدفع القارئ لتوقع نص عن الإنسان بوصفه كائنًا مشتركًا في المصير، لكنه سرعان ما يكتشف نصًا يكتب الخصوصية، والجرح الفردي، والتجربة الذاتية العميقة. هذا التوتر بين توقع القارئ ومسار السرد يشكّل قوة العنوان، ويجعله جزءًا فاعلًا من البنية الدلالية للرواية. بهذه الطريقة، يصبح العنوان مفتاحًا تأويليًا أساسيًا، يختزل في تركيبه البسيط الإشكاليات الكبرى التي تعالجها الرواية: سؤال الهوية، والانتماء، والإنسانية المعلنة مقابل الإنسانية المنتهكة. إنه نص مصغر يضيء الرواية ويعقدها، وينزع من القارئ شعوره بالطمأنينة.
البنية السردية العامّة رواية ابنة آدم لا تتخذ السرد التقليدي طريقها المعتاد؛ فهي لا تتبع تسلسلاً سببيًا واضحًا للأحداث، ولا تبني تصاعدًا دراميًا يصل إلى ذروة محددة، ولا تنهي بصيغة اختتام تقليدية. على العكس، الرواية تفكك فكرة الحبكة نفسها، وتقدم السرد بوصفه مساحة مفتوحة للتجربة الإنسانية، لا مجرد وسيلة لتوجيه القارئ نحو نتيجة مسبقة. البنية هنا تنشأ من الداخل، عبر تراكم الانطباعات والمشاعر، وتجاور المقاطع، وتداخل الأصوات، وانكسار الخط السردي المستقيم. المنطق الذي يحكم الرواية هو منطق التراكم الشعوري لا منطق التصاعد الحدثي. المشاهد والوقائع تتوالى كحلقات شعورية، بحيث تصبح أهميتها مرتبطة بتأثيرها النفسي على الشخصيات أكثر منها بمجرد كونها أحداثًا خارجية. بهذا الشكل، تتحوّل الرواية إلى مساحة يهيمن عليها التحول الداخلي، بينما يصبح الفعل الخارجي خلفية دلالية تكمل المعنى. يتجلى هذا الاختيار في التقطيع المشهدي الذي تعتمد عليه الرواية. المقاطع غالبًا لا تُفصل بفواصل زمنية أو مكانية واضحة، بل تتجاور وفق منطق التداعي والذاكرة. هذا الترتيب لا ينتج تشظيًا عشوائيًا، بل يعكس طبيعة التجربة نفسها: تجربة مترددة، غير مكتملة، وعصيّة على الانضباط في خط سردي متسلسل. ميزة أخرى واضحة هي تعليق الاكتمال؛ فالرواية لا تحاول تقديم إجابات جاهزة عن مصائر الشخصيات أو دلالات الأحداث. هذا التعليق ليس ضعفًا بنيويًا، بل خيار جمالي وفكري يتماشى مع رؤية الرواية للعالم كفضاء مفتوح على الاحتمالات، لا كهيكل مغلق يمكن حصره وفهمه بالكامل. كما أن الرواية لا تعتمد على المفاجأة أو الانقلاب الدرامي التقليدي، بل على التوتر البطيء والمتراكم، الذي ينشأ من تكرار الإحساس باللاجدوى، والاغتراب، والرغبات المؤجلة. هذا التوتر الصامت يخلق إيقاعًا داخليًا فريدًا؛ قد يبدو بطيئًا للوهلة الأولى، لكنه عميق الكثافة، لأنه يحاكي حركة الوعي الإنسانية، لا مجرد حركة الأحداث. يمكن القول إن بنية ابنة آدم تعكس موقفًا فلسفيًا من السرد ذاته؛ موقفًا يرفض اختزال التجربة الإنسانية في مسار سببي بسيط، ويصر على كتابة التردد، والانقطاع، وعدم الاكتمال كعناصر جوهرية لتشكيل المعنى. إنها بنية تتطلب من القارئ صبرًا وانخراطًا، وتكافئه بإحساس أعمق بتعقيد التجربة الإنسانية، بدل الحلول الجاهزة والمفاهيم المبسطة.
الشخصيات الرئيسية ابنة آدم: هذه المرأة التي نلتقيها أولًا في المطار ليست مجرد مسافرة عابرة، بل هي عقل متسائل يبحث عن مكان له في كونٍ يبدو متناقضًا. تبدأ رحلتها بالانتظار في المطار، وهناك تظهر أولى طبقات شخصيتها المتعددة: فهي تنظر إلى المسافرين حولها وتراهم كأبناء آدم جميعًا، لكنهم يتصرفون كغرباء لا يعرف أحدهم الآخر. هذا التناقض بين الأصل المشترك والغربة الحالية يشكل الصراع الأساسي في نفسيتها. تحمل جنسيات متعددة في لسانها – فهي تجيد خمس لغات – لكنها لا تجد لغة واحدة تفهم بها العالم من حولها. كتابتها ليست مهنة تمارسها ولا هواية تستمتع بها، بل هي وسيلة وجودية لمحاولة فهم ذاتها وفهم الآخرين، تخلق عوالم في مدونتها لأن العالم الحقيقي يرفض أن يكون مسكنًا لها. حبها لصاحب الظل الطويل ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو محاولة أخيرة للالتصاق بشيء ثابت في حياتها المتنقلة، لكن حتى هذا الحب يتحول إلى مصدر جديد للاغتراب حين تكتشف أنه يحمل ظلالًا أطول من قدرتها على الاحتواء. في النهاية، ابنة آدم هي المرأة العصرية التي تحمل في داخلها كل تناقضات عصرها: تريد أن تكون حرة لكنها تخشى الحرية، تبحث عن الحب لكنها تهرب منه حين يقترب، تكتب لتخلق معنى لكنها تشكك في معنى ما تكتب، تسافر بحثًا عن وطن لكنها تكتشف أن الوطن الوحيد الممكن قد يكون داخل صفحات ما تكتبه، في تلك المسافة بين الحرف والهوامش. صاحب الظل الطويل: يبدو لنا هذا الإعلامي الناجح كشخصية واثقة من نفسها، تقدم برنامجًا ثقافيًا طموحًا وتمتلك عائلة تبدو مثالية، لكن تحت هذا السطح تتدفق صراعات عميقة. هو رجل يؤمن بأن عليه مهمة نبيلة في زمن يزداد سطحيةً – يريد إنقاذ الثقافة من براثن التافهين – لكن هذه المهمة تتحول تدريجيًا إلى عبء نفسي ثقيل. علاقته بابنة آدم لا تمثل خيانة زوجية في نظره، بل هي تمرد على النموذج المثالي الذي حبس نفسه داخله، في عينيها يرى صورة نفسه الحقيقية التي أخفاها حتى عن نفسه: الرجل الحالم، غير الراضي، الباحث عن عمق حقيقي في علاقة إنسانية. مع ذلك، فإن هذه العلاقة تكشف ضعفه النفسي أكثر مما تمنحه قوة، فهو لا يستطيع الاختيار بين الواجب الأخلاقي نحو أسرته والرغبة العاطفية نحو امرأة تفهم جنونه الخفي. حين يصل تهديد الفضائيين، تنهار كل هذه التناقضات لتكشف النواة النفسية الحقيقية: رجل خائف يهرب إلى أحضان أسرته، يتخلى عن حلمه وعشقه في لحظة الخطر، ليكتشف أن كل مثاليته كانت ترفًا نفسيًا لا يتحمل مواجهة الموت. صاحب الظل الطويل هو نموذج للإنسان المعاصر الذي يبني هويته على صورة مثالية في وسائل الإعلام ووسائل التواصل، لكن هذه الهوية تتصدع عند أول اختبار حقيقي، تاركة إياه وحيدًا مع سؤال مؤلم: من هو حقًا عندما تختفي الأضواء وتنكشف الحقائق؟ الرجل غير المرئي: يعيش هذا المهندس في غرفة مظلمة ليست مجرد مسكن، بل هي رحم صناعي يعود إليه كل يوم بعد رحلات فاشلة في عالم يرفض رؤيته. شخصيته هي دراسة عميقة للإخفاق المزمن الذي يتحول إلى هوية؛ فبعد سلسلة من الرفض لمشاريعه الهندسية الذكية، لم يعد يعرف نفسه إلا كـ"رجل غير مرئي"، عنوان يلخص مأساته النفسية: الوجود دون الاعتراف. أحلام اليقظة التي يعيش فيها – حيث يتخيل نفسه يحصل على جائزة نوبل أو يقدم مقابلة تلفزيونية ناجحة – ليست مجرد هروب من الواقع، بل هي محاولة يائسة لخلق واقع بديل يكون فيه مرئيًا، معترفًا به، محبوبًا. علاقته بأخته المتوفاة تشكل جرحًا نفسيًا لم يلتئم، فموتها ليس مجرد فقدان عزيز، بل هو فقدان الشاهد الوحيد على أحلامه الطفولية، الشخص الوحيد الذي كان يؤمن به دون شرط. غرفته المليئة باللوحات والرسومات ليست دليلًا على موهبته فحسب، بل هي خريطة نفسية لأحلامه المكسورة؛ كل لوحة تمثل جزءًا من ذاته لم يستطع إخراجه إلى العالم الحقيقي. الرجل غير المرئي هو ضحية عصر يحول الفشل المهني إلى فشل وجودي، حيث تصبح الهوية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإنجاز المادي والاعتراف الاجتماعي، وعندما يغيب هذا الاعتراف، تبدأ الذات في التلاشي والاختفاء خلقًا بعد خلق، حتى لا يتبقى سوى ظل يتراقص على جدران غرفة مظلمة. الشيخ المحارب: هذا العجوز الذي يختار العيش في صحراء وحيدًا ليس مجرد رجل عجوز عنيد، بل هو حارس لذكرى توشك على الاندثار. شخصيته تحمل كل تعقيدات الشيخوخة حين تتحول من مرحلة عمرية إلى حالة وجودية؛ فهو يعيش في صحراء لا لأنها جميلة، بل لأن المدينة لم تعد تتسع لذكراه الطويلة. حكاياته عن الحروب التي خاضها ليست مجرد تفاخر بالبطولات الماضية، بل هي محاولة يائسة لإثبات أن حياته كانت ذات معنى في زمن ينسى بسرعة. موت ابنيه قبله يشكل صدمة نفسية عميقة لا يتحدث عنها كثيرًا، لكنها تظهر في صمته الطويل ونظراته البعيدة؛ فالأب المفترض أن يموت قبل أبنائه يشاهدهم يذهبون قبله، وكأن التاريخ يرفض حتى هذه القاعدة الطبيعية البسيطة. صحراؤه ليست مكانًا جغرافيًا، بل هي فضاء نفسي يخلقه ليكون آخر معاقل كرامته؛ فيها هو المحارب القديم، القوي، صاحب القرار، بينما في المدينة يكون مجرد عجوز بحاجة إلى رعاية. مشهد جنازة ابنه حيث يسقط النعش في شاحنة الخردة ليس مجرد حادث مؤسف، بل هو رمز مروع لكيفية تعامل العالم المعاصر مع الموتى وحتى مع الأحياء الذين يحملون ذكراهم؛ فالموتى يصبحون خردة يجب التخلص منها بسرعة، والذاكرة تصبح حملًا ثقيلًا يجب التخلي عنه. الشيخ المحارب في النهاية هو صوت الماضي الذي يرفض الصمت، صوت الذاكرة التي ترفض النسيان، لكنه صوت يضيع في صحراء الصمت المعاصر. بائع الخردة: يبدو هذا الشاب الذي يقود شاحنته الخضراء كل يوم وينادي على بضاعته كشخصية هامشية بسيطة، لكن داخله يحمل عالمًا نفسيًا غنيًا ومعقدًا. الحب الذي في داخله ليس مجرد قصة حب غير متكافئ، بل هو استعارة لحالته الوجودية الكاملة: فهو يحب الحياة لكن الحياة ترفضه، يحلم بالانتماء لكن العالم يعامله كدخيل. شهادته الجامعية التي لا تفيده في عمله تمثل التناقض المؤلم بين التعليم والأمل، بين الاستثمار في المستقبل وخيبة هذا الاستثمار؛ فهو تعلم ليصبح محاسبًا، لكنه انتهى بائع خردة، وكأن المجتمع يقول له: "مهما تعلمت، ستظل خردة بيننا". علاقته بجدته المصابة بالزهايمر هي العلاقة النفسية الأكثر عمقًا في حياته؛ فهي تمثل التواصل مع ماضٍ مجهول، مع وطن مفقود، مع هوية ممزقة. المفتاح الذي تحمله الجدة حول عنقها ليس مجرد قطعة معدنية، بل هو رمز للأمل المعطل، للعودة المستحيلة، للذاكرة التي ترفض الموت رغم المرض. ضرب الناس له في مشهد الجنازة ليس مجرد عقاب على خطأ ارتكبه، بل هو تأكيد على موقعه الاجتماعي: إنه كبائع خردة، يمكن ضربه وإهانته دون تبعات، جسده ملك عام يمكن التعدي عليه. لكن داخل هذا الجسد المضروب يعيش حالم يكتب سيناريوهات لأفلام لن يراها أحد، يحلم بحب لن يتحقق، يتخيل حياة أخرى قد تكون ممكنة في مكان آخر. بائع الخردة هو الوجه الإنساني للفقر المزمن، ليس الفقر المادي فقط بل الفقر العاطفي، الفقر بالاعتراف، الفقر بالأمل، ومع ذلك، وفي وسط كل هذا الفقر، يظل قلبه غنيًا بأحلام بسيطة قد تكون، في النهاية، الأشياء الوحيدة التي لا يمكن لأحد أن يسرقها منه.
اللغة والأسلوب والتقنيات السردية في رواية ابنة آدم تحتل اللغة موقعًا محوريًا، فهي ليست مجرد أداة لنقل الأحداث أو وسيلة لتزيين النص، بل فضاء للتفكير ووسيلة لاختبار العلاقة بين الذات والعالم. اللغة هنا ليست استعراضًا بلاغيًا، ولا سعيًا لإبهار القارئ بأسلوب متقن، بل هي أداة وجودية تكتب التجربة الداخلية وتستكشف الوعي. كل كلمة، كل جملة، تُختار بعناية لتخدم المعنى النفسي العميق أكثر من خدمة تسلسل الحدث. تميل الكاتبة إلى لغة فصيحة، واضحة، بعيدة عن التكلّف، لكنها ليست سطحية. على العكس، فإن البساطة الظاهرية للغة تخفي دقة تعبيرية عالية، حيث يُصاغ كل تعبير لتقوية حركة الوعي، وليس لتسريع الحدث. الجمل غالبًا متوسطة الطول أو طويلة نسبيًا، تحمل نفسًا تأمليًا يسمح للمعنى بالتشكل تدريجيًا داخل ذهن القارئ، بدل أن يُلقى دفعة واحدة. هذا التأنّي في الصياغة يعكس طبيعة الرواية نفسها: سرد يبحث عن الوعي أكثر من البحث عن الحدث، ويكتب القلق الداخلي والارتباك النفسي أكثر من تسجيل الوقائع الخارجية. على مستوى السرد الداخلي، تعتمد الرواية أسلوبًا يحاكي التفكير الذاتي للشخصيات، بما يشمل التردّد، الانعطاف الذهني، وإعادة النظر في المواقف. هذا الأسلوب يُنتج إيقاعًا بطيئًا، قد يشعر بعض القراء بأنه متروك للهدوء والتمهل، لكنه متناسب تمامًا مع طبيعة النص الذي يركز على الحركة الداخلية للوعي، لا على الحركة الخارجية للأحداث. الصوت السردي غالبًا قريب من الشخصية الرئيسية، لكنه لا يذوب فيها تمامًا، بل يحافظ على مسافة تمكّن من التأمل والتحليل، وهو ما يمنع الرواية من الوقوع في الاعترافية المباشرة، ويضفي على النص توازنًا بين الذاتية والتحليل. أما التقنيات السردية، فتظهر في عدة عناصر متكاملة: التقطيع المشهدي: الرواية مقسمة إلى مشاهد قصيرة أو متوسطة الطول تتجاور دون روابط سببية صارمة. هذا التقطيع ليس عشوائيًا، بل يعكس تجربة الشخصيات التي لا تتحرك في خط مستقيم، بل عبر الذاكرة، التداعي الذهني، والانقطاع. الفجوات الزمنية والمكانية تصبح جزءًا من المعنى، وليس نقصًا في السرد. الصمت والفراغات الدلالية: الرواية تختار أحيانًا عدم الإفصاح عن كل التفاصيل، تاركة للقارئ مهمة الاستنتاج وربط المعاني. هذا الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء مؤجل، يزيد من كثافة النص ويمنحه عمقًا إنسانيًا بعيدًا عن المباشرة. الوصف النفسي المكثف: الوصف لا يُمارس كزينة أو امتداد خارجي للسرد، بل هو أداة للكشف عن الحالة النفسية للشخصيات. الأمكنة، الأشياء، التفاصيل الصغيرة كلها تتشكل لتعكس مشاعر الشخصيات الداخلية، وليس لتقديم صورة مكتملة للعالم الخارجي. الوصف يصبح امتدادًا للشعور، وسيلة لفهم الوعي، لا مجرد رسم خارجي. الحوار المحدود والمدروس: الحوار في الرواية مقتصد، موجّه نحو الوظيفة الدلالية. الشخصيات لا تتحدث لتعريف نفسها أو سرد الأحداث، بل لتكشف عن هشاشتها وحدود وعيها، وغالبًا ما يكون الصمت بين الجمل أكثر دلالة من الكلام ذاته.
التحليل السيميائي للرموز والثيمات أولًا: الرموز المركزية في ابنة آدم لا تعمل الرموز بوصفها علامات جامدة أو إشارات واضحة المعنى، بل هي بُنى دلالية مرنة تتشكل ضمن السياق وتكتسب عمقها من التفاعل بين النص والتجربة السردية. كل رمز في الرواية ليس ثابتًا، بل يتحوّل ويتغير مع حركة السرد، ويُعيد للقارئ تجربة إعادة اكتشاف المعنى من جديد. التكرار، الاختلاف، والتحول هي أدوات النص لإثراء الرمزية وجعلها حية داخل الوعي. أكثر الرموز حضورًا هي بطلة الرواية نفسها: ابنة آدم. وجودها يتجاوز كونها شخصية محورية، فهو اختزال للسؤال الإنساني الأكبر: البحث عن الانتماء في عالم فقد الاعتراف بالآخر. هي ليست مجرد امرأة، ولا نموذجًا جاهزًا للأنوثة، بل إنسان معاصر يواجه هشاشة الوجود، يجد نفسه مقيدًا بين الإرث البشري المشترك والواقع الفردي المعزول. الانتساب إلى آدم يتحول من مصدر طمأنينة إلى عبء رمزي؛ فالإنسان الواحد لا يوفّر الحماية من الإقصاء، بل يكشف هشاشته أمام الحدود والهويات المصنّعة. الظل الطويل، رمز آخر شديد العمق، لا يقرأ على أنه مجرد تفصيل عاطفي أو استعارة رومانسية، بل امتداد لما لا يُقال، وما يتأخر عن الجسد، وما يسبق الحضور أو يليه دون لقاء تام. الظل يمثل الحلم المؤجل، العلاقة التي تعيش في الذاكرة أكثر مما تعيش في الواقع، والماضي العاطفي الذي يلاحق الحاضر دون أن يمنحه خلاصًا. كلما طال الظل، ازداد الشعور بعدم الاكتمال، مما يعكس طبيعة الحب والعلاقات في الرواية: مستحيلة، متأرجحة، مليئة بالتناقض. الطائرة والتحليق، من الرموز المزدوجة في الرواية، تحمل معنى ظاهرًا وعمقًا داخليًا. على السطح، هي وسيلة عبور، لكنها في العمق تعبير عن الرغبة في الإفلات من ثقل الأرض والبحث عن رؤية كلية للعالم. الطيران ليس حرية مطلقة، بل محاولة مؤقتة لتعليق الوجع، وللتأمل من مسافة، بينما تظل الإجراءات والحدود تفرض نفسها، فيتحول التحليق إلى رمز لوهم الحرية. الأراضي السبع تمثل فضاءً تخييليًا مفتوحًا، إسقاطًا لرغبة الإنسان في مكان لم تُلوثه الصراعات ولم تنهكه الخيبات المتكررة. هي الوجه الآخر للجنة المفقودة، مجرد احتمال مفتوح على الاحتمالات، مكان للخيال وللسؤال المستمر. على الطرف المقابل، يظهر جامع الخردة بوصفه رمز الواقع المهمش والمهمل، لكن الرواية لا تراه بلا قيمة، بل كمخزن للذاكرة وأرشيف صامت لتجارب لم يلتفت إليها المجتمع. جامع الخردة يمثل الإنسان المهمش، الذي يعيش خارج دائرة الضوء، لكنه يحمل عمقًا إنسانيًا ووعيًا بالحياة لا يقل عن "الناجحين".
ثانيًا: الثيمات الكبرى الثيمات في الرواية متشابكة ومترابطة، تعكس التجربة الوجودية المركبة للشخصيات: الاغتراب الوجودي: أكثر الثيمات حضورًا، حيث الاغتراب ليس مجرد سفر أو هجرة، بل حالة دائمة داخل النفس؛ اغتراب عن المكان، عن الجسد، عن اللغة، وعن الذاكرة نفسها. الشخصيات تعيش شعورًا بأنها ليست في زمنها أو تعريفها الخاص، وأن العالم لا ينتمي إليها. البحث عن الهوية: صراع دائم بين هويات مفروضة وهويات مأمولة، بين الانتماء الضيق الذي يمنح الاعتراف ويقيّد الحرية، والانتماء الإنساني الواسع الذي يحرر نظريًا لكنه يترك الشخص عرضة للمخاطر. الهوية هنا سؤال مستمر، لا إجابة جاهزة. صراع الحلم والواقع: الأحلام بسيطة وإنسانية... الطيران، الحب، الكتابة، العودة، الاعتراف، لكن الواقع يواجهها بجدار الإجراءات، الروتين، الحدود، والخيبات الصغيرة. الحلم يُستنزف تدريجيًا، ما يمنحه طابعًا مأساويًا إنسانيًا، يحاكي الصراع اليومي للإنسان المعاصر. الذاكرة والنسيان: الذاكرة تمنح الشخصيات القدرة على البقاء النفسي، لكنها تُثقلها بالألم والمعاناة. النسيان وسيلة للهروب، لكنه مكلف، لأنه يقطع الروابط الإنسانية. الرواية تصوّر صراعًا بين ذاكرة تؤلم ونسيان يفرغ المعنى، فيكون النص فضاءً للحفظ والتفكر. الحدود والعتبات: الشخصيات دائمًا على الحافة: مطارات، مداخل، عتبات علاقات، حواف أماكن. لا استقرار نهائي، ولا عبور كامل، فالعتبة تصبح حالة وجودية دائمة، تعبيرًا عن الانتظار المؤلم بين الرغبة والواقع.
ثالثًا: الحقول الدلالية الرموز والثيمات تتكامل ضمن حقول دلالية متداخلة: حقل السفر والانتقال: يمثل عدم الاستقرار كأسلوب حياة، لا بوصفه وسيلة للوصول. السفر يخلق تعليقًا دائمًا، شعورًا بالانتظار المستمر. حقل الذاكرة والحلم: مساحة داخلية تلجأ إليها الشخصيات للهروب من قسوة الواقع، حيث تصبح الأحلام أدوات للبقاء النفسي. حقل الكتابة والكلمة: الفعل الوجودي الأخير للبطلة، تثبيت للذات، وسيلة للحفاظ على وجودها أمام عالم متفلّت. حقل الصراع والمواجهة: يبرز الجروح التاريخية والثقافية التي لم تُشفى، ويفضح العجز عن الاعتراف الإنساني. حقل الطبيعة والاصطناعي: يعكس التوتر بين عالم أصيل يتراجع وعالم تقني يزداد تسارعًا، ويؤكد الفقد التدريجي للأصالة.
رابعًا: الأبعاد الأسطورية والدينية والفلسفية الرواية لا تستخدم الأسطورة أو الدين أو الفلسفة كزينة، بل كجزء من بنيتها الدلالية. استحضار عباس بن فرناس يسائل فكرة الطيران، يحوّلها من إنجاز تاريخي إلى تجربة رمزية للفشل والنجاح الفردي. البعد الديني يظهر عبر الأصل الآدمي، ليس كيقين، بل كمرآة لتناقض الوحدة الإنسانية والمصير المتشظي. البعد الفلسفي: الأسئلة الوجودية والعبث، والاغتراب، غثيان الحياة المتجسد في التجربة، دون إعلان المفاهيم صراحة. البعد الصوفي: الطيران تجربة بحث عن تجاوز ومعرفة أعلى، لكنه يبقى معلّقًا بين الرغبة والسقوط، بلا خلاص نهائي.
خامسًا: التناص التناص في الرواية ليس زخرفيًا، بل أداة لبناء معنى متصل بالذاكرة الإنسانية والتجربة الفردية: الأدب العربي والعالمي: استحضار محمود درويش، الطيب صالح، دوستويفسكي، ساراماغو، ليس لتزيين النص، بل لخلق حوار مع الغرباء والمعاناة المشتركة، لتسليط الضوء على هشاشة الإنسان المعاصر. الثقافة اليومية والإعلام: برامج تلفزيونية، مقابلات عبثية، مطارات، خطوط إنتاجية... كلها تتداخل في التناص لتفكيك خطاب العولمة وإظهار الزيف البشري. الديني والخيالي: الأراضي السبع، الأصل الآدمي، رمزية الطيران، كلها تتحوّل إلى مساحة تأملية مفتوحة، لا مرجعية مغلقة، تعكس البحث المستمر عن معنى وجودي هشّ.
القيمة الجمالية والفنية لا تكمن القيمة الجمالية في رواية ابنة آدم في براعة لغوية منفصلة أو في تقنيات سردية مجردة تُعرض لذاتها، بل في التناغم العميق بين الرؤية الأدبية والفعل الكتابي. الجمال هنا ليس فذلكة أسلوبية أو شكلية، بل أثر ناتج عن كتابة واعية بهشاشة التجربة الإنسانية، مخلصة لقلقها، صادقة مع ضعفها، دون تهدئة مصطنعة أو تزييف. تعمل الرواية على جماليات البطء والتأمل، في زمن سردي يفضّل الإيقاع المتأنّي على سرعة الأحداث. هذا البطء ليس ترهّلًا، بل ضرورة فنية: النص لا يكتب الحدث وحده، بل ما يتركه الحدث في وعي الشخصيات. ومن هذا المنطلق، تتحول التفاصيل الصغيرة مثل الانتظار في المطار، وحركة الجسد، والصمت بين الجمل إلى لحظات غنية بالدلالة، مليئة بالمعنى، قابلة للتأمل. تنبع جمالية اللغة من اقتصادها ووعيها، لا من فيضها أو زخرفتها. النثر يميل إلى التأمل والصورة، دون الشعرية المجانية، بحيث تُصوّر الصور لتخدم الفهم والوعي الداخلي للشخصية، لا للدهشة فقط. هذه اللغة تمنح النص شفافية خاصة: قريب من القارئ، لكنه عميق في الوقت ذاته، يتيح له التأمل والانغماس في التجربة الإنسانية. على مستوى البناء السردي، يظهر جمال الرواية في التشظي المنضبط. الرواية لا تسير في خط سردي واحد، لكنها لا تفقد وحدتها. هناك نسق خفي يربط المقاطع ببعضها، يقوم على تكرار الثيمات، تجاور الرموز، والعودة المستمرة إلى الأسئلة ذاتها من زوايا مختلفة. هذا البناء يعكس تشظي الذات المعاصرة، دون أن يسقط النص في الفوضى. تتجلى القيمة الجمالية أيضًا في تحرير الشخصية الأنثوية من القوالب الجاهزة. البطلة ليست عاطفية محضة، ولا رمزًا نضاليًا مباشرًا، بل كائن مفكر، قلق، يخطئ، يتردد، ويعيد النظر. هذا التمثيل يمنح الرواية بعدًا إنسانيًا صادقًا، ويبعدها عن خطاب تقريري أو دعائي، ويجعلها مساحة للتجربة الحقيقية، لا مجرد سرد للأحداث. ومن أبرز نقاط قوة الرواية أيضًا عمقها الفكري دون تجريد. الأسئلة الكبرى عن الهوية، والانتماء، والمعنى والتي تطرح من داخل تفاصيل الحياة اليومية، لا من برج نظري بعيد. القارئ لا يواجه أطروحات جاهزة، بل يعيش التساؤلات عبر الشخصيات، فيصبح جزءًا من البحث عن معنى وجوده الخاص. كما تتميز الرواية بالصدق العاطفي؛ المشاعر تُعرض كما هي: ناقصة، مترددة، أحيانًا متناقضة، دون تضخيم أو تجميل. هذا الصدق يمنح النص مصداقية عالية، ويجعل القارئ شريكًا في التجربة الإنسانية، لا مجرد متلقٍ. ومن سمات الرواية كذلك الجرأة في الطرح؛ فهي تتساءل بهدوء عن الخطابات السائدة... الوطنية، الإعلامية، الاجتماعية دون أن تتحول إلى خطاب احتجاجي مباشر. النقد فيها هادئ لكنه نافذ، ينبع من كشف التناقض لا من رفع الصوت، ما يمنح النص ثقلًا وجدلية ناضجة. رغم تعدد الرموز، كثافة الثيمات، وتنوع المسارات، تحافظ الرواية على تماسكها الفني ووحدتها الرؤيوية، مما يجعل القارئ يشعر بأنه أمام مشروع فكري وجمالي متكامل، وليس مجرد شذرات سردية منفصلة.
تتقاطع الرواية مع تجارب روائية عربية وعالمية معاصرة، دون الاستنساخ: عربيًا: تلتقي مع أحلام مستغانمي في الحسّ اللغوي المشبع بالعاطفة والتأمل، لكنها أقل ميلًا للرومانسيّة الخطابية وأكثر انغماسًا في السؤال الفكري. تتقاطع مع صنع الله إبراهيم في النزعة النقدية تجاه السلطة والخطاب الرسمي، لكنها تعتمد التجربة الذاتية بدل الوقائع التوثيقية. ومع علاء الأسواني، تظهر اهتمامًا بالهامش والشخصيات غير المرئية اجتماعيًا، لكنها تبتعد عن البناء الواقعي التقليدي وتوظف التشظي والتأمل بدل الحبكة الكلاسيكية. عالميًا: يمكن ملاحظة ظلال دوستويفسكي في التركيز على الوعي القلق، وسارتر في طرح إشكالية الحرية والعبث، وساراماغو في النظرة الإنسانية الكونية والشك تجاه السلطة والمعنى، دون محاكاة أسلوبية مباشرة.
خاتمة في ختام قراءة رواية ابنة آدم، يتضح أننا لسنا أمام نص يبحث عن إجابات جاهزة، بل أمام عمل أدبي يحمي السؤال من التبسيط. الرواية لا تقدم مصالحة سهلة بين الإنسان والعالم، ولا وهم الخلاص، بل تكتب التجربة الإنسانية في لحظتها الهشة: لحظة الوعي المؤلم، البحث الذي لا يكتمل، والانتماء الذي يُراد له أن يكون أوسع من الحدود وأضيق من الحلم. الاغتراب يتحول إلى تجربة وجودية، مفاهيم مثل الهوية، الوطن، الحرية، الحب تُساءل من داخل التفاصيل اليومية: المطار، الجسد، الذاكرة، اللغة. الرواية تصبح مرآة لقلق إنساني معاصر، يعيش التناقض بين كونه “ابن آدم” من حيث الأصل، وموضع شك دائم من حيث الواقع. قوة الرواية تكمن في شجاعتها على خوض المنطقة الرمادية، بلا بطولة نهائية أو هزيمة حاسمة، مؤمنة بأن الأدب وعي، والكتابة مقاومة للنسيان والقسوة، وهذا ما أبدعت في كتابته الروائية نسرين المشاعلة.
#طارق_بنات (هاشتاغ)
Tariq_Banat#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مراجعة أدبية لمجموعة -مذاقات مختلفة- القصصية للكاتبة التونسي
...
-
مراجعة أدبية لرواية - في المطار أخيرًا- للكاتبة السورية لجين
...
-
5 قصائد هايكو
-
غواية
-
رقص
-
صوت
-
انتباه
-
حنين
-
مرآة
-
قامة
-
باب
-
افعلي
المزيد.....
-
جائزة دولية مرموقة للفنان العراقي ضياء العزاوي
-
قبل كورونا وبعدها: كيف تغير مزاج جمهور السينما؟
-
شولة.. حكاية ريشة يابانية أبهرتها الفنون الإسلامية
-
الفنان سمير جبران: الموسيقى هي السلاح الأجمل لحماية الهوية ا
...
-
سمير جبران: الموسيقى سلاحنا الأجمل لحماية هويتنا الفلسطينية
...
-
كتاب -بعد الهمجية-: غزة هي -كاشفة الحقيقة- التي فضحت عرقية ا
...
-
كائن فضائي ورديّ اللون أضافه فنان إلى لوحاته يُشعل الإنترنت.
...
-
سفير فلسطين لدى لبنان يعزّي الفنانة فيروز بوفاة نجلها
-
فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط
...
-
عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|