سليم سليمان سليمان الحشاش
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 22:57
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
ارتبط تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية منذ بدايات القرن التاسع عشر بنمطٍ واضح من التدخل السياسي والاقتصادي والعسكري، الذي استند إلى تصوّر أمريكي يعتبر القارة مجالًا حيويًا لنفوذها الاستراتيجي، وقد تبلور هذا التصور مبكرًا مع إعلان مبدأ مونرو عام 1823م، الذي رفع شعار “أمريكا للأمريكيين” في مواجهة التدخلات الأوروبية، لكنه تحوّل لاحقًا إلى أداة تبرّر للولايات المتحدة حق التدخل في شؤون دول أمريكا اللاتينية بحجة حمايتها من القوى الخارجية.
خلال القرن التاسع عشر، أخذ التدخل الأمريكي طابع التوسع الإقليمي المباشر، كما تجلّى في الحرب الأمريكية المكسيكية بين عامي 1846م، و1848م، التي انتهت بضم مساحات شاسعة من الأراضي المكسيكية إلى الولايات المتحدة، في خطوة عكست عقيدة "القدر المتجلي" التي برّرت التوسع بالقوة، وقد نشأت فكرة "القدر المتجلي" على يد الصحفي الأميركي جون أوسوليفان، في عام 1845م، الذي دعا الأميركيين إلى اعتبار أنفسهم شعبًا مختارًا من قبل العناية الإلهية، ومكلَّفين بنشر الحضارة (وفق الرؤية الغربية البروتستانتية الأنجلوسكسونية) عبر القارة الأميركية، ومن ثم إلى العالم بأسره.
وفقًا لهذا التصور، فإن "القدر" قد حدد غايته واختار"البيض الأنجلوسكسون البروتستانت" كحاملي هذه الرسالة، ومكّنهم من الهيمنة على الأراضي الهندية أولًا، ثم التوسّع خارج الحدود الجغرافية الطبيعية. إن "القدر"، كما رآه أوسوليفان، يجب أن يُرسم بخط مستقيم يقود نحو مستقبل تتسيّده أميركا كقوة مُخلِّصة ومهيمِنة.
على الرغم من صياغتها بخطاب سياسي وعلماني، حملت هذه العقيدة جوهرًا استعلائيًا عرقيًا ودينيًا، إذ قدمت فكرة أن الرب فضَّل "البيض الأنجلوسكسون البروتستانت"، وجعلهم "شعبًا فوق كل الشعوب"، مما ساهم في تبرير الإبادة ضد السكان الأصليين، والتوسعات الأميركية مثل شراء لويزيانا 1803م، وضم تكساس 1845م، والحرب مع المكسيك 1846-1848م، وضم كاليفورنيا، وأريزونا، ونيو مكسيكو، وصولًا إلى غزو الفلبين، وهاواي، وبورتوريكو في أواخر القرن التاسع عشر آنذاك
هكذا أصبحت هذه الفكرة غطاءً أيديولوجيًا يخفي الطموحات التوسعية خلف ستار أخلاقي، يجمع بين التفوق العرقي والإرادة الإلهية. وفي الوقت نفسه، بدأت واشنطن بفرض نفوذها الاقتصادي والسياسي في دول أمريكا الوسطى والكاريبي، مدفوعة بحماية مصالحها التجارية وشركاتها الكبرى، خاصة في مجالات الزراعة والنقل.
مع مطلع القرن العشرين، دخلت التدخلات الأمريكية مرحلة جديدة أكثر تنظيمًا، حيث أعلن الرئيس ثيودور روزفلت ما عُرف بتعديل روزفلت على مبدأ مونرو عام 1904م، والذي منح الولايات المتحدة حق التدخل المباشر في دول أمريكا اللاتينية للحفاظ على “الاستقرار”. وقد تُرجمت هذه السياسة عمليًا عبر سلسلة من التدخلات العسكرية والاحتلالات، مثل دعم انفصال بنما عن كولومبيا عام 1903م، والسيطرة على قناة بنما، إضافة إلى الاحتلالات الطويلة في هايتي وجمهورية الدومينيكان ونيكاراغوا، التي هدفت إلى ضمان النفوذ الأمريكي وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
بعد الحرب العالمية الثانية، اتخذت التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية طابعًا أيديولوجيًا واضحًا في سياق الحرب الباردة، حيث أصبحت مكافحة الشيوعية المبرر الرئيسي للتدخل. وفي هذا الإطار، دعمت الولايات المتحدة انقلابات عسكرية وأطاحت بحكومات منتخبة ديمقراطيًا، كما حدث في غواتيمالا عام 1954م، وكوبا بعد الثورة عام 1959م، عبر الحصار ومحاولة غزو خليج الخنازير، وتشيلي عام 1973م، بدعم انقلاب الجنرال بينوشيه ضد حكومة سلفادور أليندي. وقد أسهمت هذه السياسات في إشعال حروب أهلية دامية، خاصة في دول أمريكا الوسطى خلال ثمانينيات القرن العشرين، مثل نيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا.
ومع نهاية الحرب الباردة، لم تتوقف التدخلات الأمريكية، بل تغيّرت أدواتها وأساليبها. فبدل الاعتماد الواسع على التدخل العسكري المباشر، لجأت الولايات المتحدة إلى وسائل أكثر مرونة، مثل العقوبات الاقتصادية، والضغط السياسي والدبلوماسي، ودعم قوى المعارضة الداخلية، و يُعدّ غزو بنما عام 1989م عملية عسكرية شنتها الولايات المتحدة في 20 ديسمبر 1989م، تحت اسم "عملية القضية العادلة" بهدف الإطاحة بالرئيس البنمي مانويل نورييغا الذي كان مطلوبًا أمريكيًا بتهم تهريب المخدرات، وقد أسفر الغزو عن اعتقاله ووضع حد لحكمه العسكري ونقل السلطة إلى حكومة موالية للولايات المتحدة الأمريكية، بينما شكّلت حالات كفنزويلا وكوبا في العقود الأخيرة نماذج واضحة للتدخل غير العسكري عبر الحصار الاقتصادي والعزل الدولي.
وتُعدّ فنزويلا إحدى أبرز حالات التدخل الأمريكي العسكري في أمريكا اللاتينية بشكل مباشرة اليوم، وتاريخياً ونظرًا لما تمثّله فنزويلا من أهمية استراتيجية واقتصادية، ولا سيما في مجال الطاقة، فقد شكّل النفط الفنزويلي، الذي يُعد الأكبر عالميًا من حيث الاحتياطي المؤكّد، عامل جذب رئيسي للسياسة الأمريكية، إلى جانب الموقع الجغرافي الحيوي لفنزويلا في منطقة الكاريبي، ومن هنا، ارتبطت العلاقات بين البلدين تاريخيًا بمسألة المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.
أواخر تسعينيات القرن العشرين، اتسمت العلاقات الفنزويلية–الأمريكية بالاستقرار النسبي، إذ كانت فنزويلا حليفًا تقليديًا لواشنطن، وتتبنّى نموذجًا اقتصاديًا ليبراليًا منفتحًا على الاستثمارات والشركات الأمريكية، خصوصًا في قطاع النفط. ولم تشهد هذه المرحلة تدخلات أمريكية مباشرة تُذكر، بسبب توافق التوجهات السياسية والاقتصادية بين الطرفين، غير أنّ هذا الوضع تغيّر جذريًا مع وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999م، حيث دشّن مرحلة جديدة عُرفت بـ«المشروع البوليفاري»، القائم على مناهضة الهيمنة الأمريكية، وتعزيز السيادة الوطنية، وتأميم الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط، كما عمل تشافيز على بناء تحالفات إقليمية ودولية بديلة، شملت كوبا وروسيا والصين، وسعى إلى تقوية التكامل بين دول أمريكا اللاتينية بعيدًا عن النفوذ الأمريكي، وقد اعتُبر هذا التحول تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية في المنطقة.
في هذا السياق، جاءت محاولة الانقلاب في نيسان/أبريل 2002 لتشكّل محطة مفصلية في تاريخ التدخل الأمريكي في فنزويلا. فعلى الرغم من فشل الانقلاب وعودة تشافيز إلى الحكم بفضل الدعم الشعبي، فإن العديد من المؤشرات دلّت على وجود دعم أمريكي غير مباشر لقوى المعارضة السياسية والإعلامية، وهو ما عكس انتقال واشنطن إلى أساليب تدخل غير تقليدية تعتمد على التأثير السياسي بدل التدخل العسكري المباشر.
بعد عام 2002م، اعتمدت الولايات المتحدة جملة من الأدوات للضغط على فنزويلا، أبرزها العقوبات الاقتصادية التي تصاعدت مع تولّي نيكولاس مادورو الرئاسة بعد وفاة تشافيز عام 2013م، استمرت السياسة الأمريكية في الاتجاه نفسه، بل شهدت تشديدًا إضافيًا للعقوبات ومحاولات متواصلة لعزل النظام الفنزويلي دوليًا. ورغم حدة الأزمة الاقتصادية والانقسام الداخلي، لم تنجح هذه السياسات في إسقاط الحكومة، لكنها أسهمت في تعميق الاستقطاب السياسي وإضعاف مؤسسات الدولة، و منذ عام 2014م، زادة العقوبات على قطاع النفط والمؤسسات المالية وشخصيات حكومية، أدّت العقوبات إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانخفاض قيمة العملة، ونقص السلع الأساسية، ما انعكس سلبًا على الأوضاع المعيشية للسكان، إلى جانب ذلك، مارست الولايات المتحدة ضغطًا سياسيًا ودبلوماسيًا من خلال التشكيك في شرعية الانتخابات ودعم قوى المعارضة، وصولًا إلى الاعتراف بـخوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا عام 2019.
اليوم تتجدد اتهامات الولايات المتحدة بعد اعتقال نكولاس مادور وزوجته، كوبا والمكسيك وكولومبيا، بنفس مصير الرئيس الفنزويلي، قال ترامب "نحن نستعيد ما سرقوه ونتولى زمام الأمور"، مضيفا أن شركات النفط ستعود إلى فنزويلا وتعيد بناء قطاع النفط. وتابع قائلا "سينفقون مليارات الدولارات وسيستخرجون النفط من باطن الأرض". وقد كشف هذا الجديث الوجه الحقيقي للتدخل الأمريكي في فنزويلا، مؤكداً إنه قد يأمر بشن ضربة أخرى إذا لم تتعاون فنزويلا مع المطالب الأمريكية لفتح قطاع النفط ووقف تهريب المخدرات.
تكشف التجربة التاريخية للتدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية عن نمط مستمر من السعي إلى الحفاظ على الهيمنة الإقليمية، وحماية المصالح الاقتصادية، ومنع بروز أنظمة سياسية معارضة للنفوذ الأمريكي، وقد خلّفت هذه التدخلات آثارًا عميقة على دول المنطقة، تمثلت في عدم الاستقرار السياسي، وتعثر المسار الديمقراطي، وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن ترسيخ مشاعر العداء تجاه الولايات المتحدة. وعليه، فإن دراسة هذا التاريخ تُعدّ مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة العلاقات الأمريكية–اللاتينية وتوازنات القوة في القارة حتى اليوم.
#سليم_سليمان_سليمان_الحشاش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟