سوتيريس ميترا ليكسيس
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 10:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أهم الخلاصات
تقوم سياسة ترامب الخارجية على دخول درامي ثم انسحاب مبكر وترك المشكلة بلا حل مع تغطية مسرحية واعلان نصر مبكر على طريقة صندوق فضلات القطط. ظهر ذلك في فشل وقف اطلاق النار في غزة وتقادم حرب الرسوم مع الصين وادعاء تدمير البرنامج النووي الايراني بما يفتح الباب لجولة ثانية ضد ايران. والآن فنزويلا.
في فنزويلا خطفت الولايات المتحدة مادورو من دون تحقيق تغيير للنظام. الحكومة مستمرة بقيادة نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز. ترامب يهدد بمزيد من الخطوات ويزعم ان الولايات المتحدة ستدير فنزويلا في المستقبل المنظور رغم استحالة احتلال كامل.
العملية خرق صارخ للقانون الدولي. لا قرار اممي ولا مبرر دفاع عن النفس. ترامب يستحضر مبدأ مونرو لهيمنة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي لكنه يناقض ذلك باستئناف وتوسيع التدخل العالمي. النفط دافع محوري واحتمال تحول فنزويلا الى حرب دائمة لترامب. مخاطر على غرينلاند وتسارع فك الارتباط في الجنوب العالمي وتفاقم الفوضى الدولية.
الاتحاد الاوروبي يراقب بشكل سلبي بما يهدد موقفه من اوكرانيا. رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس يؤيد الغزو متجاهلا الشرعية رغم اعتماد اليونان على القانون الدولي في مواجهة تركيا.
هذه المرة مجرد الخروج من صندوق الفضلات لن يكفي
بدأ عام 2026 بحرب جديدة: غزو الولايات المتحدة لفنزويلا واختطاف رئيسها. تحمل سياسة دونالد ترامب الخارجية شبها لافتا بطريقة تبرز بها القطط حاجتها. تصل بقدر كبير من الاستعراض وتخدش الارض كما لو ان شيئا عظيما على وشك الحدوث ثم تترك اثرا صغيرا لكنه نفاذ الرائحة وتبذل جل طاقتها في تغطيته مسرحيا قبل ان تمضي مرفوعة الذيل معلنة الانتصار وان المهمة انجزت. تماما كما في اعلانات ترامب عن النصر لا يكون ما تبقى محلولا ولا محسنا بل مجردا من الرؤية ومهيأ للعودة للظهور فور دخول اي شخص آخر الى الغرفة. وفوق ذلك لا تكون الرائحة طيبة. العرض اهم بكثير من العواقب التي يتركها للآخرين لتنظيفها.
قبل فنزويلا كانت غزة والشرق الاوسط الاوسع. خرج ترامب منتصرا من صندوقه واعلن وقفا لاطلاق النار لم يلتزم به وخطة سلام لن ترى النور. تواصل اسرائيل ما تنظر فيه محكمة العدل الدولية حاليا بوصفه ابادة جماعية وحماس ليست في وارد نزع السلاح ورئيس الوزراء نتنياهو يستعد علنا لجولة ثانية مع ايران فيما يتعمق زعزعة استقرار لبنان. ثانيا حرب التجارة مع الصين والرسوم وما سمي يوم التحرير. تقادمت بسرعة حتى كدنا ننساها. ثالثا ادعاء تدمير البرنامج النووي الايراني بما يزيل سبب الوجود العسكري الاميركي ضد ايران كليا. والآن يناقش نتنياهو وترامب علنا جولة ثانية رغم اعلان نصر كامل وحاسم في الصيف. المنهج نفسه لصندوق الفضلات يستخدم الآن مع فنزويلا عبر اعلان نهائية لا وجود لها.
بداية وحتى وقت كتابة هذه السطور لم يحدث تغيير للنظام في فنزويلا بل استمرارية للحكم. فنزويلا وليست ايران ايضا نظاما شخصيا او سلاليا ينهار بسقوط فرد واحد مثل كوريا الشمالية او ليبيا القذافي تاريخيا. السلطة متجذرة في المؤسسات والاجهزة الامنية والهياكل الحزبية وشبكات الرعاية الدولية. تماما كما ان اختطاف المستشار ميرتس لن يجعل النظام السياسي والحوكمة في المانيا يذوبان فان ازالة الواجهة لا تذيب النظام. وعليه تستمر حوكمة فنزويلا تحت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز وهي شخصية تشافيزية مخضرمة. قال ترامب ان هذه الضربة اولى ويأمل الا تكون هناك ثانية وان على رودريغيز ان تفعل الصواب اي تلبية مطالب الولايات المتحدة والا ستدفع ثمنا كبيرا ربما اكبر من مادورو. بمعنى آخر يهدد ترامب بالعودة الى صندوق الفضلات. كما قال ايضا ان ادارته ستدير فنزويلا لفترة من واشنطن وهو امر غير قابل للتحقق فيما تدار فنزويلا حاليا من حكومة مادورو من دون مادورو وليس من الولايات المتحدة واتباع ترامب. وادعى ان رودريغيز وافقت على تنفيذ مطالبه وهو ما نفته علنا. كل ذلك يبدو اشارة كبرى ادائية هدفها اقناع الفنزويليين بان كل شيء انتهى على امل ان ينتهي سحريا. لكن ماذا لو لم يحدث ذلك؟ هل سيغزو رئيس السلام فنزويلا عسكريا وهي دولة مساحتها 912050 كيلومترا مربعا ويزيد سكانها على 31 مليونا؟ ام سيضاف مزيد من الرمل الى الصندوق على امل ان ينسى العالم كما نسي يوم التحرير وحرب التجارة مع الصين؟ قد نكون امام بداية لا خاتمة للملحمة الفنزويلية. واسوأ سيناريو للولايات المتحدة ان تتحول الى اوكرانيا ترامب او عراقه او افغانستانه او حتى فيتنامه.
علاوة على ذلك يطلب منا تصديق ان القوات المسلحة الاميركية التي فشلت تماما في هزيمة الحوثيين مرتين مرة في عهد بايدن ومرة في عهد ترامب قد نفذت اختطاف مادورو خلال ساعات وبمقاومة محدودة. ستتكشف التفاصيل لاحقا بشأن ما اذا كان ثمة ترتيب خلف الابواب المغلقة.
القانون الدولي واوروبا ومبدأ مونرو وغرينلاند
لم يعد ثمة جدوى تقريبا من التذكير بان ما جرى خرق فاضح للقانون الدولي وبالاخص المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الامم المتحدة التي تنص على امتناع جميع الاعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد السلامة الاقليمية او الاستقلال السياسي لاي دولة. ولا توجد اي طريقة لتأطير الاختطاف العابر للحدود لرئيس دولة بوصفه عملا قانونيا. بطبيعة الحال لم يكن هناك قرار من مجلس الامن ولا دفاع اميركي معقول عن النفس ضد عدوان مسلح يهدد سيادتها فضلا عن مسؤولية حماية قانونية ومعقولة. من المهم التذكير بان اشخاص النظام الدولي هم الدول وسياداتها مصونة من دون تمييز بين ديمقراطيات ليبرالية وغيرها او دكتاتوريات او نظم سلطوية. لكل دولة مقعد في الامم المتحدة بصرف النظر عن حكومتها. في هذا السياق ما يظنه المرء في نيكولاس مادورو لا اهمية له امام استخدام القوة ضد سيادة فنزويلا.
المفارقة الصارخة ان ترامب يستحضر او يدفع غيره لاستحضار اطارات ايديولوجية اميركية سابقة تعهد بالقضاء عليها وهي نظرية العلاقات الدولية الليبرالية والنظام الدولي القائم على القواعد بدلا من القانون الدولي الذي يميز اساسا بين ديمقراطيات واوتوقراطيات. وبما ان فنزويلا تصنف ضمن الاخيرة يجري تصوير ازالة الدكتاتور على انها امر صائب. هذا خطاب تبنته المفوضية الاوروبية بحماسة رغم ان منطقها في حرب اوكرانيا كان نقيض ذلك طوال نحو اربع سنوات. ومن اللافت ان وزير خارجية اوكرانيا اندريه سيبيها ايد ايضا غزو فنزويلا ذات السيادة في مفارقة مريرة. كثرة بيانات المسؤولين الاوروبيين التي تقول نراقب الوضع في فنزويلا عن كثب ولدت نكتة على الانترنت مفادها ان الاوروبيين بلغوا مستويات غير مسبوقة من مراقبة الوضع. لخص البروفيسور البرتو اليمانو مأزق اوروبا بالقول ان قبول اوروبا بافعال الولايات المتحدة ضد نظام مادورو يضعف الاسس القانونية لمعارضتها غزو روسيا لاوكرانيا وان ادانتها لتلك الافعال تخاطر بتنفير ضامن امنها الاساسي وتوتير الوحدة العابرة للاطلسي في لحظة حرجة. هذا المأزق موجود فقط لان القانون الدولي طُبق بشكل انتقائي لعقود. على اوروبا ان تختار بين المبدأ القانوني والضرورة الاستراتيجية بما يكشف ما اذا كان النظام القائم على القواعد يمتلك محتوى معياريا حقيقيا ام كان دائما مجرد خطاب يشرعن الهيمنة الغربية. بعبارة اخرى الاتحاد الاوروبي يسقط مرة اخرى.
في المقابل لمح ترامب الى ان غرينلاند التالية لان الولايات المتحدة تحتاجها للامن القومي. وغرينلاند اقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع مملكة الدنمارك العضو في الاتحاد الاوروبي. يبقى ان نرى كيف ستوفق المفوضية بين ذلك.
ازالة دكتاتور يضطهد شعبه بحسب وزير الخارجية ماركو روبيو ليست سوى تبرير واحد. قال وزير الحرب بيت هيغسيث ان الامر يتعلق بالمخدرات التي تشكل تهديدا وشيكا كما يردد ترامب منذ البداية. وهو ترامب نفسه الذي قال صراحة الامر كله يتعلق بالنفط. فقد كتب علنا عام 2013 انه لا يزال لا يصدق انهم غادروا العراق من دون النفط. ويقول الآن النفط لنا بخصوص فنزويلا. في الحقيقة يلمح متجه النفط بوضوح في استراتيجية الامن القومي الجديدة التي تقول ان نصف الكرة الغربي يضم موارد استراتيجية عديدة ينبغي لاميركا ان تتعاون مع حلفائها الاقليميين لتطويرها. نظريا قد يُنظر الى السيطرة على نفط فنزويلا كوثيقة تأمين لهجوم مخطط على ايران تحسبا لاغلاق مضيق هرمز والحاجة الى مصدر بديل. لكن فنزويلا لا تدار حاليا من الولايات المتحدة بل من حكومة مادورو من دون مادورو وحتى لو تحقق مخطط ترامب فلن تتحول عائدات النفط والاحتياطات فورا وبسحر الى ايرادات اميركية بينما انتخابات التجديد النصفي قريبة في تشرين الثاني.
يرى محللون ان ما نشهده هو مبدأ مونرو اي ما تسميه الاستراتيجية الجديدة ملحق ترامب بمبدأ مونرو. وبموجبه ستعيد الولايات المتحدة الهيمنة الاميركية في نصف الكرة الغربي وتمنع المنافسين من خارج النصف من نشر قوات او امتلاك اصول استراتيجية فيه. اي الاميركيتان شمالا وجنوبا مع غرينلاند باعتبار ان النصف الغربي يبدأ من غرينتش غربا. الفكرة ان يكون باقي النصف الغربي حديقة خلفية للولايات المتحدة من دون منافسة قوى كبرى وان تسمح بدورها لقوى اخرى بحدائقها.
حتى لو قبلت القوى الكبرى الاخرى بهذا المخطط وهو ما لا تفعله كما يظهر من رد الصين وتذكير بدور البرازيل في بريكس+ فالمشكلة الجوهرية انك لا تستطيع الجمع بين امتلاك الكعكة واكلها. تريد الولايات المتحدة التركيز على نصفها بمبدأ مونرو مع ملحق ترامب وفي الوقت نفسه تشارك في حرب اوكرانيا وتتدخل في الشرق الاوسط على نطاق واسع بدءا بعلاقتها الخاصة مع اسرائيل وتسلح تايوان بكثافة وتتدخل في افريقيا وغيرها. لا صفقة تسمح بتقسيم العالم مع الاحتفاظ بحق التدخل في نصفه الاخر.
يبقى مسار الاحداث مفتوحا من مصير فنزويلا الى اضطرابات النظام الدولي وغرينلاند وتذبذبات الاتحاد الاوروبي وحوافز الجنوب العالمي لفك الارتباط مع الولايات المتحدة وعدد مرات لجوء ترامب الى صندوق الفضلات لتغطية مبادرة سريعة غير جذابة وغير محسوبة ثم اعلان الانتصار. في مرحلة ما سيصطدم كل ذلك بالحائط. لا سيناريو مرئيا تسود فيه النظامية اي السلام.
اليونانيون اخترعوا كلمات مثل الديمقراطية والتملق والنفاق
بينما انشغل معظم القادة الاوروبيين بالقول انهم يراقبون الوضع في فنزويلا برز قائد واحد على الاقل بدعم غير متردد لاستخدام القوة ضد سيادة دولة وبالتأكيد على ان الشرعية الدولية غير ذات صلة الآن وهو رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الذي قال ان نيكولاس مادورو ترأس ديكتاتورية وحشية وقمعية جلبت معاناة لا توصف للشعب الفنزويلي وان نهاية نظامه تفتح املا جديدا وليس هذا وقت التعليق على قانونية الافعال الاخيرة. السياق الاوسع ان اليونان تستدعي القانون الدولي باستمرار بسبب الاحتلال الجزئي لقبرص ونزاعاتها مع تركيا وكذلك لتبرير دعمها لاوكرانيا وكونها في حالة حرب مع روسيا دفاعا عن القانون الدولي. لذا تبدو العبارة صادمة. علّق تريتا بارسي من معهد كوينسي بان وصف ردود اوروبا الرسمية بالهزلية سيكون لطفا غير مبرر. لم تغب السخرية عن معلقين اتراك مثل راغب صويلو الذي قال ان ميتسوتاكيس بات على خط نتنياهو بالكامل ولا يجامل القانون الدولي بل يتجاهله فلماذا تشكون من انتهاكات تركيا للقانون الدولي. كما علقت حسابات تركية بالقول خبر رائع يبدو ان رئيس الوزراء اليوناني لن يشكو بعد اليوم من قانونية الافعال التركية في ايجه وتراقيا وقبرص. اثارت تصريحات رئيس الوزراء غضبا واسعا بما في ذلك من رئيس وزراء سابق من حزبه انطونيس ساماراس.
ولم يتوقف الامر هنا. فقد شدد سياسي بارز من الحزب نفسه وعضو برلمان منذ 2007 ووزير ست مرات والمحامي ماكيس فوريديس على تجاهل القانون الدولي ودعم ترامب بل خلط بوضوح بين العالم الغربي ونصف الكرة الغربي. غير ان اليونان تقع في النصف الشرقي كما الاتحاد الاوروبي كله باستثناء اسبانيا والبرتغال لان النصف الغربي يبدأ من غرينتش غربا. يبدو ان شريحة معتبرة من مصير اليونانيين موكولة الى ساسة لا يعرفون حتى في اي نصف كرة تقع بلادهم. ماذا يمكن ان يسير على نحو خاطئ؟
https://znetwork.org/znetarticle/venezuela-president-trump-emerges-victorious-from-his-litter-box/
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟