|
|
مراجعة للكتاب الأكثر جرأة في تاريخ المسلمين: الكراس كتاب ما بعد القرآن
زينب إبراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 18:59
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
هذه المراجعة ليست إلا رحلة في عمق مضامين أجرأ كتاب في تاريخ المسلمين يُكتب على طريقة الآيات القرآنية بشكل رصين ومن منطلق الدفاع عن القرآن الكريم وليس من باب التحدي له، ويهدف إلى الإصلاح الديني في "فكر وفقه المسلمين" وصولا إلى المقاصد الحقيقية للإيمان برب الرحمة للعالمين. رحلتنا هذه ستأخذنا إلى أعماق "الكراس: كتاب ما بعد القرآن"، والمؤلف هو محمد علي(صاحبُ الكراس)، واللافت أن المؤلف نفسه هو رجل دين سابق كان أمضى سنوات طويلة في قلب المؤسسة الدينية التقليدية، ويأتي اليوم لتوجيه النقد إليها بهدف الإصلاح وليس الهدم. ولأنه ليس مجرد نقد من الخارج، وهذه هي النقطة التي يمكن أن تكون أهم نقطة لفهم الكتاب، فإن الحديث سيكون أشبه بخوض غمار رحلة فكرية واجتهادية معمقة. بمعنى أن مهمتنا هنا ليست فقط عرض وتلخيص لهذا الكتاب، بقدر ما هي محاولة لفهم المنطق الداخلي لرسالة الكتاب الذي هو مشروع متكامل لإعادة بناء الفكر الإسلامي أو بالأحرى "فكر المسلمين"، وباللجوء إلى استخدام الأسلوب والبيان القرآني. الكتاب يدعو لشيء يشبه عملية إعادة هيكلة إدارة المصنع. بمعنى العودة للنص القرآني وحده وتحدي كل التراكمات التي حلت عبر 14 قرنا من تقاليد فقهية و سلطة دينية وتفاسير ومفاهيم وإضافات بشرية أثقلت الدين الإسلامي وحرفت مساره ومنهجه واتجاهاته. وقبل الخوض في غمار كتاب "الكراس" دعونا نتعرف على المؤلف، فمن هو محمد علي صاحب الكُراس؟ ذلك لأنه، ومن خلال التعرف على رحلته الشخصية، سنتمكن من امتلاك مفتاح فهم كل شيء يتعلق بالموضوع. فالمؤلف كان ولد في كربلاء بالعراق في بداية ستينات القرن الماضي، ثم انتقل، وبعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، للدراسة في الحوزة الدينية في طهران التي تعتبر بمثابة المركز الأكاديمي الأعلى لرجال الدين الشيعة. فإن تكن أنت آتيا من هذه الحوزة فيعني أنت تأتي من قلب هذا النظام الذي سوف تنتقده وتبتكر طرقا جذرية لإصلاحه. فالمؤلف يذكر أنه كان جزء من الإسلام السياسي الشيعي، وبعدها مرَّ، في العام 2014، بتحول فكري جذري، نتيجة غزوة تنظيم الدولة الإسلامية(داعش)، لثلاث محافظات عراقية، أدت إلى عمليات قتل واختطاف وسبي ونهب باسم الدين والإله. وهذا التحول هو الذي أدى به، في النهاية، إلى خلعه لثياب المشيخة الدينية، وحسب تعبيره فهو قد ارتأى أن ينزع عن نفسه ثياب "المشيخة" وسرابيل "الهيمنة والسلطة الدينية" بعد أن وجد أنها تضفي على مرتديها هالة من "القدسية الإلهية" المزيفة، ونوع من "التمييز الطبقي" الذي يحاول إحتكار فقه الدين ويجعله محصورا في فئة معينة وقليلة من الناس. كما لو أن "بيان المبين" قد أصبح وكأنه حرفة أو علما واختصا او طلسما لا يعرف غموضه إلا من كان يتَزَيَّا بزيِّ المشايخ الدين الذين هم، في الأغلب الأعم، أبعد الناس عن فقه الدين، بل وأكثرهم ضررا عليه، وذلك من بعدما جعلوا "الفتوى البشرية" التي يصدرونها بمنزلة "وحي الله" العظيم". ولهذا فالأفكار التي يطرحها ليست مجرد تنظير، بل هي خلاصة تجربة ومعاناة حياتية عايشها رأي فيها اختلاط المفاهيم البشرية بالمباديء الدينية ومفاهيم الفقه وهي تختلط بدماء الأبرياء تحت مسميات الردة والكفر ونشر الإسلام. وهذا ما يفسر النبرة الثورية(الإصلاحية) التي اتسمت به أفكاره في هذا الكتاب. لكن الشيء الأهم والمثير للجدل والإهتمام، حتى قبل الدخول إلى محتوى الكتاب، هو الأسلوب. فالمؤلف لا يكتب كتاب عادي. بل هو يجاري ويحاكي الأسلوب القرآني نفسه، وقد نجح وإلى حد كبير في هذه المهمة، وهذه كانت خطوة جريئة جدا. نعم هي خطوة جريئة ومقصودة تماما. فالكتاب يضم 86 بيِّنة(سورة) بدلا من الفصول، وثلاثة آلاف وثلاثمائة وستة وثلاثون إشراقة(آية). وهذا الأسلوب الذي اعتمده الكاتب، ليس مجرد تقليد فارغ أو زخرفة أدبية، بل هي رسالة بحد ذاتها، كأنه يقول لأجل أن نُصْلح الفكر الديني للمسلمين لابد لنا من الرجوع حتى للغة القرآن وجماليته، ونتخلى عن اللغة الجافة والمعقدة لكتب الحديث والفقه والتراث عموما. لكن مع ذلك فإن أسلوب الكتاب أصبح يثير خوفا وخشية لدى الكثيرين وخصوصا في أوصاط السلفيين والتكفيريين والمقلدين في دينهم، من الذين يظنون أن مثل هذا الكتاب إنما يريد ربما أن يتحدي بذلك القرآن، أو أنه يحاول أن يأتي بقرآن جديد؟ فهذا هو أول شيء يمكن أن يخطر على بال القارئ. لكن المؤلف كان استبق مثل هذا النقد بوضوح، وأكد في مقدمة كتابه مصرحا أن مثل هذا العمل ليس تحديا للقرآن الكريم، بل هو ما كان إلا اقتداء وعشقا بجمالية أسلوبه، خصوصا وأن الكتابة على طريقة الآيات القرآنية تعيد لجمال النص القرآني بريقه الذي يكاد ينطمس تحت طبقات كتب الحديث والتفسير واللغة الفقهية الجامدة. وإذن فمحاولته هذه، كما يتضح، هي استعادة لروح ولجمالية البيان القرآني واستخدامها كأداة لنقد التراث نفسه. لكن إن كان هذا الأسلوب الفريد هو المركبة فما هي الحمولة؟ ما هو جوهر النقد الإصلاحي الذي يحمله كتاب "الكراس كتاب ما بعد القرآن"؟ بمثل هذا السؤال نكون قد وصلنا لصلب مراد المشروع. فالمؤلف يرى أن الإسلام كرسالة سماوية أضيفت إليه زوائد بشرية خطيرة، وهذه الزوائد شوهت جوهره وحولته من رسالة تحرير إلى أداة هيمنة وسيطرة، وذلك من خلال أربعة أعمدة رئيسية يعتبرها من صنع البشر، ويجب العمل على هدمها من أجل أن يرجع "الدين الإسلامي" لنقاوته وأصالته بدون شوائب. فماهية هذه الأعمدة الأربعة؟ العمود الأول ويتمثل في كتب الحديث والتراث. فالمؤلف يجادل بأن هذه الكتب التي دونت وجُمعت بعد أكثر من قرنين من وفاة الرسول، اختلط فيها الصحيح بالمكذوب والموضوع والمدسوس، وهي مليئة بالتناقضات والانحرافات. وبالتالي، هو يرى أنها بذلك قد فقدت حُجِّيتها كمصدر للتشريع الإسلامي يمكن الاعتماد عليه. بمعنى واضح أن ما يصطلح عليه بالسنة النبوية، المشتملة على كتب الحديث والتي يعتبرها أهل الحديث أنها هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن لمعظم المسلمين، قد أصبحت في حكم الملغاة أو هي خاضعة لسلطان القرآن والعقل. منطق المؤلف يقول ما لنا وهذه الأحاديث التي تتعارض مع آيات قرآنية صريحة، أو مع مبدأ عقلي أساسي، أو قيمة أخلاقية مثل العدل والحق والرحمة والحرية والكرامة الإنسانية التي يؤكدها القرآن؟ وهو يرى أن تقديس هذه الكتب أدى لقبول روايات تبرر العنف أو تنتقص من المرأة فقط لأنها موجودة في صحيح البخاري أو غيره من كتب التراث وبالتالي فلا يجوز الرجوع إليها باعتبارها وحيا موازيا لوحي القرآن. إذن، العمود الأول هو عدم اتخاذ كتب الحديث مرجعا دينيا، فما هو الثاني؟ العمود الثاني هو كتب الفقه والفتوى، فالنقد هنا يتركز على أن هذه المذاهب الفقهية الواسعة ليست إلا أحكاما ظنية مبنية على أحاديث "ظنية الصدور" وناتجة عن اجتهادات بشرية لمشايخ دين عاشوا في عصور وظروف معينة مختلفة عن عصور وظروف وأمكنة الزمن الراهن. ويعتبر إن أدواتهم الرئيسية، مثل القياس والإجماع، ما هي إلا أدوات ظنية. وللتوضيح يجب التنويه إلى أن الإجماع يعني اتفاق مشايخ الدين أو جمهور المشايخ على حكم معين، فيما "القياس" يعني تطبيق حكم حالة معينة على حالة جديدة مشابهة لها، تماما. فالمؤلف يرى أن هذه الأدوات البشرية أدت لتراكم هائل من الأحكام والقوانين التي ما كانت جزء من الرسالة الأصلية بمعنى أنها لم تنزل من السماء، ومع الوقت تحولت إلى "دين موازي" إذ أصبح الناس يقولون قال الشافعي أو قال أبو حنيفة أكثر مما يقولون قالت الآية الفلانية والآية الفلانية، وبذلك أضحت آراء أئمة المذاهب تكاد تعادل سلطة النص القرآني. ولهذا وجبت الدعوة للتحرر من هذا التراث الفقهي. وهذا ما يقودنا بشكل منطقي للعمود الثالث الذي ينتقده المؤلف، وهو "الدولة الدينية"، وتحديدا مفاهيم الحكم والسلطة كالخلافة والإمامة الدينية. المؤلف يرى أن فكرة الدولة الدينية(الثيوقراطية) كانت السبب المباشر والأكبر في الانقسامات والحروب الأهلية الدامية في التاريخ الإسلامي، من معركة الجمل وصفين وصولا للصراعات المذهبية حتى اليوم. وهنا علينا أن نتساءل: هل المؤلف هو ضد أي دور للدين في الحياة العامة؟ أم إنه ينتقد نموذج تاريخي معين؟ الجواب هو أن المؤلف يعتبر الدين والإيمان شأنا فرديا وعلاقة روحية تربط الإنسان بخالقه وتعاليم الدين إنما هي لأجل تشذيب النفوس وتطهيرها من كل الشوائب والأهواء وبالتالي "صناعة الإنسان الصالح"، ولهذا فنقده موجه بالأساس للنموذج التاريخي الذي تحولت فيه السلطة لمشروع سياسي باسم الدين. وجدليته تذهب إلى أن الخلافة ما كانت نظاما إلهيا مقدسا، بل تجربة بشرية تاريخية؟ تجربة تحولت بسرعة إلى ملك عضوض، يعني حكم وراثي استبدادي قائم على القوة والغلبة. ولذلك فإن ربط الدين بالدولة أفسد الإثنين أفسد الدين من جهة، لأنه صار أداة بيد الحاكم، وأفسد السياسة من جهة أخرى، لأنه أعطاها قداسة زائفة تمنع النقد. وهذا الأمر يؤدي بنا إلى مناقشة العمود الرابع والأخير، والذي يبدو أنه نتيجة طبيعية للنقاط الثلاث السابقة تماما. العمود الرابع هو سلطة رجال الإفتاء (المؤسسة الكهنوتية). فمؤلف الكراس كتاب ما بعد القرآن، يرى أن الإسلام في جوهره لا يعترف بوجود طبقة كهنوتية تحتكر فهم الدين وتفرض وصايتها على الناس. هذه الطبقة من مشايخ الدين حسب رأيه استمدت سلطتها من الأعمدة الثلاث السابقة، احتكارهم لفقه الدين ولتفسير القرآن، وخدمتهم للدولة الدينية. ولذلك يدعو صراحة إلى إيقاف مهزلة الإفتاء بالضبط، وإنهاء سلطة هؤلاء الوسطاء بين الإنسان وربه. لكن ما الذي سيحدث لو تم تجاوز هذه الأعمدة الأربعة، الحديث، الفقه، الدولة الدينية، وسلطة رجال الدين؟ هل هذا سيترك فراغا هائلا؟ ألا يبدو الأمر وكأنه دعوة لهدم البناء كله؟ وما الذي يقترحه ليحل محله؟ بالطبع لا يمكن أن نكون قد تركنا(المؤلف) مع القرآن فقط، فالبديل الذي يطرحه الكتاب بسيط في كلمته، وعميق جدا في معناه ألا وهو العقل الذي خلقه الله تعالى. هو يرى أن الله أعطى الإنسان القرآن ككتاب هداية وذكرى وموعظة، وأعطاه العقل كأداة لفهم هذا الكتاب، ومن ثم لفهم العالم وامتلاك رؤية أو نقطة ضوء في خوض غمار هذه الحياة. فالدعوة هنا موجهة لكل فرد مسلم، من أجل أن يمارس الاجتهاد بنفسه، يعني يفكر ويحلل ويستنبط الأحكام بنفسه، نعم متحررا من أي وصاية بشرية. هو يقتبس معاني من القرآن ليؤكد أن الدين ليس طلسما لا يفهمه إلا المختصون، بل هو رسالة واضحة ومبينة للناس كافة. لكن ألا يحمل هذا النهج خطورة كبيرة؟ ترى ماذا سيحدث لو أن كل شخص بدأ يفسر الدين على هواه وبعقله فقط؟ ألا يؤدي ذلك إلى فوضى عارمة، وإنتاج آلاف المذاهب المختلفة بدلا من وجود دين واحد؟ هذا هو النقد الكلاسيكي لكل دعوات الإصلاح الفردي. لكن المؤلف يرد على هذا السؤال من زاويتين: الأولى، فهو يرى أن الفوضى والانقسام المذهبي موجودين أصلا، وبشكل دموي أحيانا، بسبب المذاهب الفقهية والسياسية المختلفة. فيما العقلانية لن تخلق فوضى جديدة، بل قد تكون طريقا للخروج من الاحتراب المذهبي والفوضى الفقهية القائمة. ثانيا هو لا يدعو إلى فهم حسب الأهواء، بل إلى فهم عقلاني منضبط بالقيم الأخلاقية الكبرى التي يطرحها القرآن نفسه، مثل العدل، الرحمة، الحرية والكرامة الإنسانية. هو يثق بأن العقل الإنساني السوي عندما يقرأ القرآن بتدبر وببصيرة نافذة، سوف يصل لهذه القيم المشتركة. وهذا التحول من التقليد إلى العقلانية لا بد أن يكون له انعكاسات ضخمة على مفاهيم محورية، كانت دائما مصدرا للجدل بالطبع. والكتاب لا يتردد أبدا في الغوص في أكثر هذه المفاهيم حساسية. دعونا نأخذ مثال الغزو والقتال وهو موضوع شائك جدا، فالكتاب يجادل بأن مفاهيم مثل غزو البلدان الأخرى لنشر الدعوة والسبي والنهب كلها مفاهيم تأسست في مرحلة ما بعد التنزيل. يعني في عصر الإمبراطوريات العربية (الأموية والعباسية) إضافة إلى الامبراطوريات التركية والفارسية، التي ليس لها علاقة بجوهر الرسالة الإسلامية. وبذلك فالمؤلف هنا يضع خطا فاصلا وواضحا بين جهاد الدفاع عن النفس والوطن، وبين حروب التوسع والسيطرة، خط فاصل وحاسم، هو يرى أن تلك الحروب كانت مشاريع سياسية إمبريالية بحتة تم توظيف الدين لتبريرها، ويرى أن آيات القتال في القرآن يجب أن تفهم كلها في سياقها الدفاعي المحدد، وليس كدعوة مفتوحة لقتال العالم واخضاعه لهيمنة المسلمين. ويقول إن فكرة إجبار الناس على الإسلام بالسيف تتناقض بشكل صارخ مع آية لا إكراه في الدين. وماذا عن حد الردة؟ هذه قضية لها تداعيات حقيقية على حياة الناس اليوم، فهي من أبرز النقاط في الكتاب. هو يهاجم الحديث المنسوبة للنبي: "من بدل دينه فاقتلوه" بشكل مباشر، ويرى أنه يتناقض مع أكثر من آية في القرآن تتضمن حرية الاعتقاد مثل "يا أيها الذين آمنوا لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" والآية التي تقول: "فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر". وإضافة إلى ذلك فإن المؤلف يعتبر حد الردة إنما هو "سنة فرعونية" كما توضح الآية القرآنية: "وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد" سورة غافر 26 فالحديث النبوي، الآنف الذكر، حسب وجهة نظر المؤلف، إما أن يكون مكذوبا، أو أنه تعرض لبعض التغيير في النقل، فربما كان الحديث يقول:"من غير دينه فاحترموه"، وهذا الاحتمال هو الاكثر صوابا. ويؤكد أن تعميم هذا الحديث واستخدامه لكبت حرية الفكر هو من أكبر الجرائم التي ارتكبت باسم الدين، وهذا يمثل جوهرة منهاجه. فالعودة للقرآن كحاكم أعلى، واستخدام العقل لفهم السياق أو حتى رفض النصوص التي تتعارض مع المبادئ والاحكام القرآنية الأساسية، هو المنهج العام للكتاب، وبذلك ينطبق نفس هذا المنهج على كل شيء آخر كمفهوم الخلافة والسلطة الدينية، ليؤكد أنها كانت مجرد تجربة بشرية وصراع عليها هو الذي فجر الطائفية التي ما زلنا نعاني منها. هو يقوم بعملية تجريد للقداسة عن كل ما هو بشري وتاريخي، وإعادتها فقط للنص الأصلي، وللعقل. وإذن، وبعد تفكيك كل هذه الطبقات، ما هي الصورة النهائية التي يريد المؤلف أن يصل إليها؟ ما هو شكل الإسلام الذي يدعو إليه؟ المؤلف يصف أن ما يريده هو "إسلاما رشيقا"، بلا ترهل، دينا أكثر يسرا، وأقل حرجا وعسرا. فالرؤية النهائية هي التحول من دين يتمحور حول الأحكام الفقهية التفصيلية الصارمة التي يراها مرتبطة بزمان ومكان معينين، إلى دين يتمحور حول منظومة قيم أخلاقية عالمية مثل الحرية والعدل والمساواة والرحمة والكرامة الإنسانية، دين يكون دافعا للتقدم العلمي والأخلاقي، وليس عائقا أمامه. وهذا يتركنا مع فكرة أخيرة قوية للتفكير فيها، فالكتاب كله هو دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بالحديث والفقه الذي هو ليس إلا مفاهيم وتقنين لأعراف مجتمع صحراوي كان بسيطا في القرن السابع وما تلاه من القرون. وهذا يثير سؤالا عميقا للمستمع ليفكر بعمق وما إذا كانت القوانين مرتبطة بهذا الشكل الوثيق بسياقها التاريخي والاجتماعي، فما هي الطريقة الأكثر أمانة فكريا وأخلاقيا للتعامل مع هذه النصوص القديمة في عالمنا الحديث؟ عالمنا المختلف جذريا؟ أين يقع الخط الفاصل بين المبدأ الإلهي الخالد وبين الأثر التاريخي أو الفهم البشري الذي ربما تجاوزه الزمن؟ ومن الأمور اللافتة في كتاب "الكراس" هو التركيز على مصطلح "المسالمين والمحاربين" الذي يحاول المؤلف تجذيره كعنوان وكتوصيف جديد في تقسيم وتصنيف المسلمين إلى قسمين هما: "المسالمون" و "المحاربون" بدلا من التوصيفات التقليدية التي تقسم المسلمين الى شيعة وسنة وزيدية واسماعلية ومعتزلة وما إلى ذلك من مسميات قديمة أو حديثة. فالمسالمون هم أهل العقل والعلم والتفتح والاجتهاد الذين يجعلون الانسانية هدف الأديان ويجعلون الاصلاح في الارض مقصد الإله وتقبل الآخر المختلف في العقيدة والمذهب جوهر الإيمان بالأديان. ولهذا فهم يدعون الى عدم الإكراه وإلى نبذ العنف والإرهاب. وأما أصحاب المذهب الثاني من المسلمين وهم "المحاربون" الذين هم أهل الهيمنة والسلطة والخلافة من الذين يؤمنون بأن الاسلام دين إكراه وحرب وغزو وسبي واستئصال للآخر وتكفير الناس والسيطرة عليهم بالقوة لاقامة الدولة الدينية (دولة الخلافة) المستبدة باسم الإله العظيم، والذين هم أهل التقليد والإتباع الأعمى لمشايخ الدين الذين هم ضد العقل والعقلانية وضد التفكر والتفتح والاجتهاد من الذين يؤمنون بأنهم هم "الفرقة الناجية" التي بيدها مفاتيح الجنة والنار ومن يعارضها او ينتقد فكرها ومعتقدها ومذهبها فهو كافر وزنديق لايؤمن بالله حتى ولو تشهد بالشهادتين وقال إنه من المسلمين. ملاحظة: الكراس متوفر للقراءة او التحميل على الرابط التالي: https://thekurras.blogspot.com
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن: أول كتاب يماثل القرآن ولا يتحداه!
...
المزيد.....
-
فيصل بن فرحان يطمئن واشنطن: الخلافات مع الإمارات تكتيكية ولا
...
-
مفرح: خطاب الإقصاء يغذي استهداف المسيحيين في حرب السودان
-
كيف تفككت السردية الإسرائيلية داخل الكنائس والمؤسسات الأميرك
...
-
آلاف النازحين يحتمون بالمساجد والكنائس مع تصاعد وتيرة الاشتب
...
-
مسيحيو السودان.. بين الإيمان و-الكيزان-
-
سلطات الاحتلال تستولي على 694 دونما من أراضي قلقيلية وسلفيت
...
-
الإسلام والسيف
-
احتجاجات لليهود الحريديم ضد قانون التجنيد تنتهى بمقتل مراهق
...
-
مقتل فتى بعد صدم حافلة لحشد من اليهود المتشددين في القدس
-
مستوطنون صهاينة يقتحمون المسجد الأقصى المبارك بحماية من قوات
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|