أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - ادم الحر - فينيزويلا الجزائر و سيناريو كسر العظم















المزيد.....

فينيزويلا الجزائر و سيناريو كسر العظم


ادم الحر

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 23:35
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


لم تعد الهيمنة الإمبريالية احتمالًا نظريًا أو خطابًا أيديولوجيًا يعود إلى زمن الحرب الباردة، بل أصبحت واقعًا عمليًا يُدار بأدوات اقتصادية وطاقوية ومالية أكثر فتكًا من الجيوش.
ما جرى في فنزويلا، مهما اختلفت السرديات حول تفاصيله، كشف الحقيقة العارية: الموارد الاستراتيجية في عالم اليوم لا تحمي سيادة أصحابها، بل قد تتحول إلى سبب مباشر لسقوطهم إن لم تسندها قوة داخلية حقيقية واقتصاد منتج وشرعية شعبية صلبة.
الإمبريالية المعاصرة لا تحتاج إلى احتلال مباشر.
يكفيها التحكم في تدفق النفط، في الأسعار، في القروض، وفي شروط “الإنقاذ”.
يكفيها أن تُغرق السوق حين تريد، وأن ترفع الأسعار حين يخدم ذلك مصالحها، فتُكسر ميزانيات الدول الريعية، ويُدفع الداخل الاجتماعي نحو التوتر، ثم تُطرح “الحلول” الجاهزة: إصلاحات مفروضة، خصخصة، فتح القطاعات السيادية، والتنازل الصامت عن القرار الوطني.
هكذا يتم كسر الدول لا بالجيوش، بل بالأرقام.
في هذا السياق، لم يعد النفط نعمة خالصة، بل صار سلاحًا ذا حدّين. الدول التي تعتمد عليه كمورد شبه وحيد، دون اقتصاد منتج موازٍ، تصبح هشّة أمام أي صدمة سعرية متعمدة.

وما يُسمّى بسيناريو “كسر العظم” ليس خيالًا، بل آلية مجرّبة: إغراق السوق، خفض الأسعار إلى ما دون عتبة التوازن، إنهاك الخزائن، إنهاك المجتمع، ثم فرض الأمر الواقع. من يصمد يُعاقَب أكثر، ومن ينهار يُعاد تشكيله.

الجزائر ليست خارج هذا العالم، ولا خارج هذا الصراع.
هي دولة ذات طابع اجتماعي، وريعية في جوهر اقتصادها، وهذا مكسب تاريخي من جهة، لكنه نقطة ضعف خطيرة إن لم يُدعَّم بإنتاج حقيقي وعدالة اقتصادية.
أي ضغط طويل على أسعار المحروقات لا يضرب الأرقام فقط، بل يضرب العقد الاجتماعي نفسه.

وحين يُمسّ هذا العقد، يصبح الاستقرار مهددًا، وتُفتح الأبواب لكل أشكال الابتزاز الخارجي تحت عناوين “الإصلاح” و”الضرورة” و”الواقعية”.

الحقيقة الحتمية هي أن الجزائر لن تُستهدف لأنها تعادي أحدًا، بل لأنها إن بقيت دولة ريعية هشّة، ستُستهدف تلقائيًا بحكم موقعها ومواردها.
وهذه الوضعية شتضع ثلاثية تُغلق المجال على الجميع:
النظام، والمعارضة، والشعب.

الطبقة الحاكمة، في لحظات الخطر الخارجي والضغط الإمبريالي، لا تدافع عن الوطن، بل عن امتيازاتها.

هي تعرف أن أي تغيير حقيقي، حتى لو كان وطنيًا وسياديًا، سيهدد مصالحها المتراكمة في الظل.

لذلك تلجأ دائمًا إلى نفس الحيلة القديمة: خلط الوطن بالنظام، والنظام بها. كل صوت ناقد يُصنَّف فورًا إما عميلًا للخارج أو فوضويًا، ويُشرعن تكميم الأفواه باسم “الاستقرار” و”الخطر الخارجي”.

هكذا يتحول التهديد الإمبريالي من عامل توحيد وطني إلى ذريعة داخلية للقمع.

و في المقابل، تجد المعارضة نفسها في فخ قاتل.
إن سكتت، خانت دورها. وإن تكلمت، ورفعت مطالب سياسية أو اجتماعية، وُضعت تلقائيًا في خانة “إسقاط النظام”، وهي خانة ملغومة في بلد مثل الجزائر، لأن إسقاط الدولة أو تفكيكها ليس خيارًا وطنيًا، ولا يريده أي صاحب روح ثورية حقيقية يعرف معنى الاستعمار والفوضى.
وهنا تصبح المعارضة بين نارين:

إما أن تُجرد من مضمونها وتتحول إلى ديكور،
أو أن تُستعمل – بقصد أو بدون قصد – في سيناريوهات لا وطنية.

أما الشعب، فهو الضحية الأكبر. يُطلب منه الصبر باسم السيادة، ثم يُطلب منه السكوت باسم الاستقرار، ثم يُحمَّل وحده كلفة الأزمات باسم “الواقع”.

في ظل غياب أفق واضح، يُدفع الناس إلى الانكفاء، أو اللامبالاة، أو الهجرة، أو الانفجار غير المنظم.

وهنا تكمن الخطورة القصوى: حين يُغلق المجال السياسي، لا تختفي التناقضات، بل تتراكم تحت السطح.

المعضلة الحقيقية إذن ليست فقط في الهيمنة الإمبريالية، بل في كيفية إدارتها داخليًا.
فالإمبريالية تراهن دائمًا على هذا النوع من الانسداد:
نظام خائف من التغيير،
معارضة محاصَرة بين الوطنية والتخوين،
وشعب منهك لا يجد قناة شرعية للتعبير.

الخروج من هذا المأزق لا يكون لا بالقمع ولا بالفوضى.
القمع يربح الوقت لكنه يخسر المستقبل، والفوضى تخدم الخارج ولو رُفعت لها ألف راية وطنية.

الحل الوحيد الممكن، وإن كان صعبًا، هو فتح مجال نقد وطني سيادي: نقد لا يستقوي بالخارج، ولا يُجرَّم في الداخل.

معارضة تقول بوضوح: نعم للدولة، نعم للسيادة، لا للأوليغارشية، ولا لاستمرار الريع والفساد.

وسلطة تميّز بوضوح بين من يهدد الوطن، ومن يريد إنقاذه من الانسداد.

اللحظة التاريخية التي نعيشها لا تسمح بالرماديات المريحة، لكنها أيضًا لا تحتمل المغامرات.

الجزائر اليوم بحاجة إلى شجاعة سياسية من نوع نادر: شجاعة تسمح بالكلام بدل الخنق، وبالإصلاح بدل الانفجار، وبالتغيير المنضبط بدل السقوط الحر.

وإلا، فإن أخطر ما قد يحدث ليس إسقاط النظام، ولا انتصار الإمبريالية المباشر، بل تعفن الداخل حتى يصبح قابلًا للكسر عند أول صدمة كبرى.

في عالم تحكمه القوة، الحياد لا يحمي الضعفاء، والسيادة لا تُصان بالشعارات.

ما يحمي الدول هو اقتصاد يقلّل من قابلية الابتزاز، ومجتمع يشعر أن الدولة له لا عليه، وسلطة تستمد قوتها من الداخل لا من تقلبات السوق.

مستقبل الجزائر لن يُحدده سعر البرميل وحده، بل قدرتها على الخروج التدريجي من فخ الريع دون كسر شعبها، وعلى حماية طابعها الاجتماعي دون تحويله إلى عبء قابل للاستغلال، وعلى بناء اقتصاد منتج حتى وإن كان بطيئًا، لكنه سيادي.

الإمبريالية لا تُهزم بالخطب، لكنها تفشل تلقائيًا أمام دولة يصعب كسرها من الداخل.

والخلاصة الواضحة:
العالم لا يتجه نحو عدالة دولية، بل نحو إدارة قاسية للموارد بالقوة. ومن لا يفهم ذلك، أو يرفض الاعتراف به، سيدفع الثمن.

أما من يراه كما هو، ويستعد له بعقل بارد وإرادة داخلية، فله هامش نجاة.
الجزائر اليوم أمام هذا المفترق، لا أكثر ولا أقل.

Adam El-Hur






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ما أهمية غرينلاند التي يريد ترامب السيطرة عليها؟
- ماذا نعرف عن -إعلان لانسينغ- الذي أيدت أمريكا فيه سيطرة الدن ...
- هدوء حذر يخيم على حلب وتعليق الدراسة والدوام والرحلات الجوية ...
- ترامب: فنزويلا ستسلم واشنطن قرابة 50 مليون برميل نفط
- توتر بحري روسي أميركي قرب فنزويلا.. موسكو ترسل غواصة
- واشنطن تضع وزير الداخلية الفنزويلي على رأس أهدافها
- -فنزويلا ستسلّم أمريكا ما بين 30 و50 مليون برميل نفط-.. ترام ...
- سوريا تعلق الرحلات الجوية في حلب مع اندلاع اشتباكات بين الجي ...
- لماذا يبدو النظام الإيراني في أضعف حالاته؟
- قتيل ومصابون في مظاهرة للحريديم بالقدس


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - ادم الحر - فينيزويلا الجزائر و سيناريو كسر العظم