أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آية مصدق - امرأة من طراز الزهور














المزيد.....

امرأة من طراز الزهور


آية مصدق

الحوار المتمدن-العدد: 8457 - 2025 / 9 / 6 - 16:51
المحور: الادب والفن
    


كانت، وبطريقةٍ ما، تزهر حتى في أكثر فصولها جفافًا. يقولون إن الأشياء غير المتوقعة لها سحرها الخاص، وكانت تلك مهارتها: تنمو من جديد حتى من عمق الجليد. كانت حتمًا من نوع الزهور البرّية، تعرف طريقها إلى الشمس مهما اشتدت العاصفة. تلك هي صفية، امرأة في الثلاثينيات من عمرها، تحمل في عينيها صمتًا أكثر مما تحمله ليالي أيلول. يطلق عليها أهل الحي "العانس الماعز". في السابق، كان اللقب يزعجها جدًا، ويذكّرها بحقيقة أنها تأخّرت في الزواج وطبعها العنيد. لكنها لم تعد تهتم. تعوّدت. في النهاية، الإنسان يتعوّد حتى على أكثر الأشياء ألمًا.
في ذلك الصباح، استيقظت بنشاط من لم تدهسه الحياة البارحة. أعدّت الخبز والشاي لنفسها، ونظّفت باحة المنزل الذي لا يسكنه غيرها، ثم جلست على كرسيها الهزّاز، تخيط ثوبًا من قماش السنين المهترئة، وتراقب طرقات المطر على زجاج نافذتها المطلّة على شجرة الياسمين.
ظلّت واجمة، تمرّر أيامها في ذلك الزجاج. لا يمرّ يوم دون أن يذكّرها أحدهم بأن القطار قد فاتها، ولم يسأل أحد إن كانت هي من رفضت ركوبه.
تأملت ملامحها، بشرتها الشاحبة، عيناها العسليتان، وبعض التجاعيد المزعجة التي بدأت تتسلّل إلى وجهها، كلّها كانت تذكّرها بما تكرهه المرأة أكثر من أي شيء: لقد بدأت تكبر فعلاً، ولم تعش يومًا لأجلها. كانت بمثابة شمعة تحترق لتنير غيرها: عائلتها، أصدقاءها، زملاءها في العمل، والشخص الذي أحبّته وتركها. لقد أضاءت حياة الجميع، وها هي الآن تحتضر وحدها. أجالت بنظرها إلى الياسمين، وعادت بها الذاكرة إلى ذلك اليوم الذي زرعت فيه البذور مع أحمد، الذي كانت ستتزوجه… لو لم يتركها يوم زفافها. لم تستطع تجاوز خيبتها، ولم تثق بعدها بأي رجل.
ومع كل زهرة ياسمين تتفتح، تتذكر خيبتها. فلم تكن ماهرة في النسيان، بل أكثر الفاشلات فيه. غشت عينيها دموع أوشكت أن تذرفها، غير أنها مسحتها سريعًا. فالبكاء بعد هذه السنوات جريمة في حق نفسها.
في تلك اللحظة، وخزت إصبعها، فتقاطر الدم قانيًا على القميص الأبيض. ابتسمت عندما تذكرت قصة بياض الثلج. في الواقع، كانت تكره تلك القصص الخيالية، خاصة قصة سندريلا. لم تكن تحب فكرة أن تتحمل امرأة كل ذلك العناء، ثم تتعلّق أمانيها على رجل. لو كانت محل سندريلا، كانت ألقت بالحذاء الزجاجي وتمردت على زوجة أبيها وابنتيها.
ضحكت مرةً أخرى على خاطرها الأخير، وفكرت في المسافة بين التفكير والفعل. هي أيضًا ظلّت تنتظر رجلاً دون أن تعلن هدنة جديدة مع الحب.
أغلقت كل الأبواب والمنافذ، ورفضت كل من حاول تخطّي بوابتها. كانت أميرة مسجونة.
فجأة رن الهاتف الأرضي، رفعت السماعة بضجر، إلى أن لمعت عيناها وفغر فاها دهشة. انقطع الخط وظلت على حالها، ثم قفزت فرحًا. لم تفرح هكذا منذ مدة.
لقد كان خبر فوز روايتها بمسابقة دولية، جعلها تحلق كفراشة. جمعت حقائبها وأخذت نسخة من روايتها، ثم ركضت إلى محطة القطار، حيث تسافر من أجل حفل التكريم. لأول مرة، لم تهتم بوشوشات النسوة من خلفها، ولا ضحكات الأطفال. ظلّت تحثّ الخطى تحت ثقل حقيبتها، إلى أن وصلت المحطة
تنفست الصعداء على الأقل قطار النجاح لم يفتها.
جلست إلى النافذة، كانت تنظر إلى ملامحها برضًا، وكأنها لم تكن تتحسر قبل ساعات على نفسها. تنفست بعمق، ثم أخرجت روايتها، نظرت إليها طويلًا مبتسمة، وقرأت بصوت خافت:
"امرأة الياسمين"
"كانت ياسمينًا، امرأة من طراز الزهور، تعرف كيف تزهر حتر في أكثر فصولها جفافًا".
انتهت صفية آخر سطر من روايتها الجديدة بعنوان "العانس الماعز، امرأة من طراز الزهور"، والتي حملت بين دفتيها قصتها ثم رشفت آخر ما تبقى من كوب القهوة، وظلت تراقب ندف الثلج تحتج من خلف الزجاج
لقد كانت باريس تحمل دائمًا الثلج في مثل هذا الوقت من السنة. تعودت على ذلك بعد العيش فيها لمدة ثلاث سنوات، وقد أصبحت كاتبة مشهورة.
ألقت نظرة أخيرة على زهور الياسمين في المزهرية، قبل أن تبتسم وتذهب للنوم.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- رسام الكاريكاتير اليمني كمال شرف: جئنا إلى طهران للمشاركة في ...
- تقرير: تدهور مفاجئ في صحة الفنان فضل شاكر وأنباء عن إخلاء سب ...
- صبا مبارك على رأس القائمة.. نقابة الفنانين الأردنيين تطرد 21 ...
- إسرائيل تدمر الحياة الثقافية والفكرية في لبنان
- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آية مصدق - امرأة من طراز الزهور