أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود عباس - حين وقفت على حافة مقبرتي وصافحت عظامي














المزيد.....

حين وقفت على حافة مقبرتي وصافحت عظامي


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8304 - 2025 / 4 / 6 - 09:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تأملات في الزمن والموت ومأساة الوعي الإنساني.
لا شيء يُجبر الإنسان على النظر في عيون الفناء، كما تفعل لحظة نادرة نقف فيها على تخوم الذات، لا لنحدّق إلى الغد الذي لا نعرفه، بل لننقّب فيما تبقى من الأمس الذي لم نفهمه.
لحظة صمت داخلي، تتكثّف فيها كل تجاربنا، وتتحوّل فيها الحياة من سلسلة أيام إلى سؤال واحد:
ماذا كنّا؟ وماذا تبقّى منا؟
منذ أيام، وقفت على حافة مقبرتي:
لا، لم يكن الأمر مجازًا، بل شعورًا حقيقيًا، وجوديًا، نفضتُ فيه عن ذاتي جسدي اللحظي، ورأيتني من علٍ، عظامًا لا تزال دافئة بما مضى، وبقايا (محمود) يسأل عن المعنى.
هل نبدأ بالموت منذ اللحظة التي نعيين فيها الزمن؟ أم أن الوعي بذاته هو الفقد الأول؟
كما كتب باسكال:
"كل مآسي الإنسان تبدأ من عجزه عن الجلوس وحيدًا في غرفة".
لكنني جلست وحيدًا، لا في غرفة، بل على حافة مقبرتي، وكنتُ أكثر من عظم، كنت فكرة، وماضٍيا، وخوفًا، وأملًا لا أعرف له وجهًا.
هناك، فهمت أن الزمن ليس تتابعًا، بل حيلة الوعي ليقنع نفسه بالثبات، وأننا لا نموت فقط حين نُدفن، بل نموت مرات، كلما هدمنا قناعة، أو فقدنا حلمًا، أو تغيّرنا في العمق دون رجعة.
تخيلت عظامي منزوعة من لحمها، هامدة من صخب الحياة التي كانت تسري فيها، وحاولت أن أتذكّر، من كان هذا الذي يُدعى "أنا"؟
فما وجدت إلا ضياعًا بين شعاب التجارب، ووهجًا من الذكريات التي خفت ضوؤها، وفكرةً ملحّة:
أحقًّا كنا؟ أم أن كل شيء مجرد قصة سيحملها التراب في طيّاته دون أن يُدوِّنها؟
الفيلسوف الروماني سيشرون (Cicero) قال ذات مرة:
"التأمل في الموت هو أعظم تمرين على الحرية."
لأن الموت لا يوقف الحياة فقط، بل يُجبرنا على التفكير في جدواها، وهنا، عند حافة المقبرة، لا تعود الأسئلة مجرد تسلية عقلية، بل صرخة من عظمٍ لا يزال يحتفظ بصدى الصوت الذي كان.
ألم يكن ابن سينا نفسه من قال في "النجاة":
"إن النفس تتيه إن لم تربط وجودها بما هو أسمى من الحواس."
لكن، وماذا إن لم نجد ما هو أسمى؟ ماذا لو كانت الحياة بالفعل هي كل ما نملكه، والموت ليس إلا استكمالًا لتيهٍ بدأ بولادتنا، وسينتهي بانطفاء آخر شمعة في وعينا؟
كنت أظن أنني أكتب لأوثّق الحياة، لكنني اليوم أكتب لأحفظ شيئًا من العدم، ذلك الفراغ الذي يُرعبنا، لأننا لا نعرف كيف نعبّر عنه إلا بصمتٍ يشبه الموت.
هيدغر، في تأملاته عن الموت، وصف الإنسان بأنه "الكائن الوحيد الذي يعرف أنه سيموت، ويواصل مع ذلك بناء حياته كما لو أنه خالد."
وهذا هو التناقض الجوهري في وجودنا، أننا نُحب ما نعلم أنه سيزول، ونسعى لما نعلم أن نهايته تحت التراب.
حين وقفت هناك، على طرف مقبرتي، لم أكن أتأمل فقط ما مضى، كنت أتأمل ما لم يأتِ، وما قد لا يأتي.
فسألت، هل نحن من نكتب أعمارنا، أم أنها تُكتب لنا، سطرًا بعد سطر، ونحن نقرأها ظانّين أننا نؤلفها؟
أفلاطون آمن بأن النفس خالدة، لكنني، في لحظة صدقٍ قاتل، لم أبحث عن الخلود، بل عن الجدوى، عن المعنى الذي يجعل هذا التيه يستحق أن يُروى، ويُعاش، ويُدفن، لا لأنه مجيد، بل لأنه إنساني.
هذه ليست نبرة تشاؤم، كما قد يظن من لم يذق طعم التأمل الحقيقي، بل لحظة صفاء مع الذات، لحظة تصافح فيها الحضور مع الغياب، وصمتت الكلمات احترامًا لعظمة الصمت.
نعم، لم أنشر تلك الفكرة سابقًا،
خشيت أن يُقال عني "متشائم". لكنني اليوم، أراها أكثر شجاعة من أن تُكتم، لأننا إن لم نعترف بهشاشتنا، لن نعرف يومًا كيف نمنح للحياة قيمتها.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
5/4/2025م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجغرافيا لا تكذب، الكورد أصل الأرض قبل أن تُسمى سوريا
- هل الله جريمة؟
- أسعد الزعبي صدى البعث المُتعفّن في زمنٍ يطلب الكرامة
- زيارة الشرع إلى إسطنبول رسائل مشفّرة من واشنطن عبر أنقرة
- تسليم الساحل السوري لقوات قسد خطوة إنقاذ لسوريا من التقسيم
- في حضرة الغياب الإلهي مجازر شنكال وسوريا بين التكفير ورايات ...
- الكورد والثورة السورية تحذير من تكرار الخطيئة الإيرانية
- نوروژ بين الدين والقومية، بين الثورة والطمس
- إلى أي درك كارثي تتهاوى سوريا؟
- حين يتقيأ الحقد، العروبة المشوهة في مواجهة الحقيقة الكوردية
- إعادة قولبة سوريا
- سوريا نحو الاستبداد الدستوري
- صناعة الشعوب المشوهة
- قراءة سياسية في اتفاقية مظلوم عبدي وأحمد الشرع
- سوريا على طريق التقسيم بين إرهاب الدولة واستبداد الإسلام الس ...
- سوريا بين المركزية القاتلة والفيدرالية المنقذة
- بين ضرورة الإصلاح ومخاوف التفكك في سوريا
- القضية الفلسطينية بين واقع التاريخ وخطاب الأنظمة العروبية
- أردوغان في قبضة ترامب هل يواجه مصير زيلينسكي أم يراوغ بذكاء؟
- تحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والم ...


المزيد.....




- أمريكا تنشر نص الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان
- يريدون خنق روسيا في البلطيق
- الحزب الجمهوري لا يزال يخسر بعض أعضائه بسبب إيران
- حزب جديد في الولايات المتحدة – ماذا يجري في الأوساط السياسية ...
- Lava الهندية تعلن عن أحدث هواتفها
- هل تقبل كازاخستان باستقبال المُرحّلين من أوروبا؟
- لا مصلحة لإسرائيل في هدنة طويلة مع لبنان
- ترمب: هجمات إيران على السفن انتهاك أحمق لوقف النار
- روبيو: لبنان وإسرائيل يتوصلان ‌إلى ‌اتفاق ‌إطاري بعد محادثات ...
- ارتفاع عدد ضحايا الزلزالين في فنزويلا إلى 920 قتيلا وأكثر من ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمود عباس - حين وقفت على حافة مقبرتي وصافحت عظامي