أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير صارم - لامرئيات2: دمشق تلك المدينة ابتلعت أصواتنا














المزيد.....

لامرئيات2: دمشق تلك المدينة ابتلعت أصواتنا


عبير صارم

الحوار المتمدن-العدد: 8270 - 2025 / 3 / 3 - 08:54
المحور: الادب والفن
    


دمشق مدينةٌ لا ترانا، وذلك مقعد يغرقنا حتى نذوب أو نصبح قطعة خشب.
في المدرسة الشبيهة بالسجن، كان الصباح ملبدًا بالغضب، ملبدًا بالخوف والملل والتعب. كنا في ربيع العمر، غير مقبلات على الحياة.
تعزف تحية الصباح ببدلات الكاكي، ونردد تحية العلم. يتقدمنا صوت جهوري لطالبة تجيد الصياح: "رتلن.. ترادف". ومن يجيد الصياح، تراه دمشق كثيرًا، تحبه. أما الخافتون، فلا صوت لهم. المدينة ابتلعت أصواتهم، واقتلعت حناجرهم.

في ساحة المدرسة، تصدح أصوات الضحك كأجراس ذهبية، لكننا كنا مجرد صدى منخفض، يتلاشى قبل أن يصل إلى أحد.

كنا في الفسحة، قوارب خشب تبحر في مسارات متوازية لا تلتقي. تقاسمنا ذاكرة مشتركة، لكنها لم تصنع انتماءً. في الحمامات، تبادلنا سجائر مسروقة، دخنّا معًا، ثرثرنا بشغف عن شبان وسماء، عن ممثلين وسماء، عن أحلام لا تشبه واقعنا. حملتنا أخيلتنا بعيدًا، غرقنا في سُكر حتى انطفأت سجائرنا، وما إن فعلت حتى عدنا غرباء، لا يجمعنا سوى الصمت.

ارتدينا جميعًا الكاكي، لكنه لم يكن يوحدنا. بعضنا غاص فيه حتى اختفى، وبعضنا الآخر ازدهر، شدّ قامته، وصار أخضرً أكثر. كان الخبز مختلفًا رغم أن الجميع امتلك الشطيرة والتفاحة نفسها. امتلكنا ذاكرة مشتركة عن الأغاني والأطعمة والكتب والأفلام والمسرحيات، رغم اختلاف أذواقها، لكن بقينا غرباء، ذاكرة خلبية لا تصنع انتماء.

كنا نغرق في مقاعدنا الخشبية، تمامًا كما ابتلعتنا المدينة، دون أن تترك أثرًا.

بعضنا ذاب في المقاعد الخشبية، نُسي تمامًا كقطعة أثاث مهملة، وبعضنا الآخر كان صاريًا يشدّ الأشرعة، يقود السفينة بلا خوف، مدفوعًا بالراحة المادية، متشجعًا من المدرسات.
نحن قطع الخشب، صمتنا. اعتدنا أن تُمنح المحاباة للصارية، أن نُنسى، حتى نسينا أنفسنا، إلى أن تذكّرنا مدرّسة اللغة الفرنسية بماهيتنا: "Vous êtes bêtes". لكن مدرّسة الفلسفة وحدها كانت ترمم أرواحنا، حين كنا نفهم أننا جميعًا حبات رمل أمام تعقيدات الوجود.

كنا موجودين بذاتنا، لكننا لم نكن مضطرين لنكون موجودين لذاتنا. كنا وحلًا ينتظر أن تجففه الشمس، لكنها لم تشرق يومًا. كنا وحلًا تدوسه الأقدام بلا اكتراث.
عندما يدق الجرس، نوضّب كراساتنا في حقائبنا على عجل، ونخرج بسرعة. وجهتنا الوطن. وجهتنا الأمان. لقد انتهت فقرة الخوف المؤقتة، بدأ الإبحار، نشق عباب البحر إلى منازلنا، إلى عائلتنا حيث الالتجاء.

أمام الباب الأسود الكبير، يرتفع منسوب اللانتماء. سيارات فارهة تنتظر بعضنا، وأخريات يستمتعن بالسير ضاحكات، غير مكترثات سوى بنظرات مراهقين لا مرئيين مثلهن.
دمشق لم تكن ترانا، ولم تكن يومًا لنا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لامرئيات.. دمشق في سردية المنسيين


المزيد.....




- متهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال... المخرج تيموثي بوسفيلد ي ...
- بالفيديو.. راموس يتدرب مع توبوريا بطل فنون القتال المختلطة
- من كان آخر سلاطين الدولة العثمانية؟
- الممثل الشهير كييفر ساذرلاند في قبضة شرطة لوس أنجلوس
- عبلين تستضيف مختارات الشاعر الكبير سميح القاسم “تقدّموا” وأم ...
- عن -قصة حقيقية-.. تركي آل الشيخ يكشف المزيد عن فيلم - العيون ...
- فيلم -الخادمة-… كيف تحول الحلم الأميركي إلى مصيدة؟
- رواية -أيتها القُبّرة-.. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة و ...
- فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير صارم - لامرئيات2: دمشق تلك المدينة ابتلعت أصواتنا