أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير صارم - لامرئيات.. دمشق في سردية المنسيين














المزيد.....

لامرئيات.. دمشق في سردية المنسيين


عبير صارم

الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 08:48
المحور: الادب والفن
    


حينها، كان المطر يتساقط بغزارة، بينما كانت أحذيتنا تنهش أزقة دمشق المعبدة بالهموم. على جانبي الطريق، أبنية غير فريدةٍ لكنها مرتبة، غير جميلةٍ لكنها شامخة، تنظر إليّ من علٍ، وأنا صغيرة.
صعدنا درجاً طويلاً، ورغم أنه صعود، بدا كأننا ندخل فوهةَ حفرةٍ. وهنا انتهى مشهدٌ، وبدأ آخرُ نقيضٌ له تماماً. بدأت طريقٌ جديدة، ترابية، فوضوية، مهملة، تعجّ بالحفر، والبيوت العشوائيةِ المكدسة، بعيدة عن أيِّ تنسيقٍ.
مشينا طويلاً في ذلك الطريق، مروراً بالزقاقِ الضيقِ المؤدي إلى ممراتٍ أخرى، لولبيةٍ ومغبّرة. لم نشعر يوماً بالدوارِ رغم مرورِنا اليومي، فقد كنا مشغولين بالسيرِ لا بالسقوط. ثيابنا المدرسية الزيتية اللون بدت كبقعٍ على التراب.
كثيراً ما مررنا بجانب بيتٍ يسكنه ثلاثةُ مجانين وأمهم. وُلدوا خارج إيقاعِ العالمِ، في كونِهم الخاصِ. كانوا مرتاحين، سعداءَ بعزلتهم عن البشرِ، لكن أمهم كانت شقيةً. أذكر ملامحها جيدًا، وجهها المتغضنَ بالخطوط رغم صغرِ سنِها.
تُفيء شجرةُ الصفصافِ على المنزل، تحمي المجانينَ وأمهم. فضولُنا دفعنا إلى اقتحامِ هذه القلعة، ثم أحببنا الصفصافةَ لاحقًا، وشعرنا بالدفء والأمان كلما مررنا بجانبها.
اعتادت أحذيتنا أن تهترئَ بسرعةٍ، تتثقبَ دائماً، وكنا نشعر بالحرج من زملائنا الذين "يعيشون". أما نحن، فكنا ميتينَ تقريباً.
لكن رائحة اليخنة التي تفوح من المنزل البسيط، المؤلف من غرفٍ ذاتِ سقوفٍ طوبيةٍ وأخرى خشبيةٍ، كانت كفيلةً بأن تعيد إلينا بعض الحياة. هناك، كنا نفترش الأرض، ننام ونحلم. رائحة اليخنة، دفء مدفأة المازوت، وبعض الكرتون المليء بالقصصِ المثالية، جميعها أنستنا أننا ميتون أصلاً.
نبدل ملابسنا بسرعة، نغسل أيدينا، ثم ننغمس في لذةٍ صوفيةٍ مع طبق اليخنة.
في الخلفية، كان صوت التلفاز يصدح بقصة بائعِ الحليب، ذلك الطفلِ الذي فقد والده وجدَّه، وغرقت حياته في مأساة. المأساةُ نفسها التي قُدِّمت لنا على طبقٍ يومي في برامجِ الأطفال، حتى تبنّيناها. أصبحنا نرتدي مأساة بائع الحليب، نجسدها، ونريد أن نكونَه.
باتت جزءاً من شخصياتنا. لسنا متفائلين. نحن جيلٌ متشائم.
بعد ذلك، كنا ننجز دروسنا، نحاول أن نعيش.
وحين كبرنا قليلاً، وشعرنا أننا كياناتٌ شبهُ مستقلة، بدأنا نبحث عن الحب. لكن الحبَّ قُدِّم لنا في مسلسلاتِ الطبقةِ المتوسطةِ، في وجباتٍ دراميةٍ دسمة، مُعدّةٍ بأفكارٍ وأوهامٍ مرتبةٍ بعناية.
ها هي عائلةُ سعيدٍ في الشام، تعيش في أحدِ الطوابقِ الأنيقةِ، أمامها شوارع مرصوفةٌ، وثيابٌ مرتبة، وقصةُ حبٍّ بين شابٍّ وفتاةٍ، تتغلّف بأغنيةٍ حنينيةٍ. حواراتٌ عن الحبِّ، عن الآمالِ والأحلامِ، كلها كانت بعيدةً عن عالمنا، مجرد حلمٍ بالنسبةِ لنا، نحن أبناء بيوت الصفيح. نحن اللامرئيين.
لاحقاً، فهمت أن تلك الدراما لم تكن إلا وسيلةً لتخفيفِ ألمنا، وسيلةً تجعلنا نحلم بدلاً من أن نتمرد. تعلمنا الهروب إلى الخيالِ، فباتت شاراتُ المسلسلاتِ ترنّ في آذانِنا حتى وقتٍ متأخرٍ من الليلِ، وأصبحت الأغاني ملاذاً من الحرمان.
ثم فهمت.. كانت سياسة، سياسة تبقينا خامدين، بعيدين عن الواقع، هاربين إلى عوالمَ حالمة.
إذا لم يشبهْنا الوطن، فنحن، بالمجملِ، لا ننتمي إليه. نظل مثقلين بأسبابِ الرحيلِ، نرى أنفسنا غرباء عن هذه البقعة، بينما تبقى الصورة التي رسمها الإعلام لدمشق بعيدة مسافاتٍ ضوئيةً عن واقعها الحقيقي، على الأقلِ في عالمي أنا.
لا طرقَ مرصوفةً، لا منازلَ مرتبة، لا لوحاتٍ ترسم في الأسواقِ، لا مقاهٍ تغرق في ضبابِ التبغِ، لا كتبَ مبعثرةً تحت جسرِ دمشقَ.
كنت، وكنا جميعاً، نعيش في عالمٍ موازٍ.. عالمان لدمشقَ: واحدةٌ كما يحبون أن تكون، كما يحبون أن يروها.. وأخرى، قاحلةٌ، باردةٌ، عشوائيةٌ، مريضةٌ.. ولئيمة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...
- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير صارم - لامرئيات.. دمشق في سردية المنسيين