أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصار يحيى - قراءة لرواية وليمة لاعشاب البحر للروائي حيدر حيدر















المزيد.....


قراءة لرواية وليمة لاعشاب البحر للروائي حيدر حيدر


نصار يحيى

الحوار المتمدن-العدد: 7987 - 2024 / 5 / 24 - 17:50
المحور: الادب والفن
    


وهل يمتدُ الغسقُ؟
كان المكان يمتطي شاطئ الكلام
وليمة لأعشاب البحر /حيدر حيدر
عبارة لشاعر ألماني مجنون -ربما هولدرن. أو ريلكه-:
عندما نفسكَ المتلهفة تتخطى زمنكَ، تمكثُ حزيناً على شاطئ بارد بين اهلك ولا تعرفهم..اقتباس من الرواية.
من المعنى اللغوي والدلالي الى المحكى الروائي "البناء السردي"، تنطلق الرحلة:
/مهيار الباهلي ومهدي الجواد: "كل منهما كان يدرك أنه مكسور الجناح..واحد يهرب إلى أعماق حرارة فخذي امرأة..آخر يهرب إلى الخلجان الوهمية والاهوار السحيقة، التي رؤيت ذات ليلة حلماً أبيض في المستنقعات السومرية.."/
يخرجُ مهيار الباهلي ناجياً من موت محتم؛ يموت كل رفاقه الأحد عشر "رفيقاً" لربما "نجماً"، يتركهم وراءه في تلك المستنقعات "الاهوار" الجنوبية العراقية..
يتوجه الى الجزائر بلد المليون ويمكن النصف معه من الشهداء..
مهزوما كان هناك في "الاهوار"؟
خاض كفاحاً مسلحا، يقوده "ظافر" القادم من لندن المدافع عن المعتقلين السياسيين..
(ظافر) حملَ معه "صليبه الغيفاري" -كان قد مضى على اغتيال غيفارا قرابة السنة (1967).
علينا يا رفاق هكذا كان يخاطبهم أن نحمل السلاح ونعيد للحزب -الحزب الشيوعي العراقي- أمجاده تلك التي فرطت بها القيادة التحريفية "اللجنة المركزية، خط آب التصفوي". نحن هنا ورثة "فهد" القائد التاريخي؛ خطبة عصماء..
يبدأ "النشيد" صدى لهذا الموت ، يُقتلون ، يُذبحون، والمستنقعات تغمرهم بين أنياب تلك الأعشاب كي يكونوا وليمة مشتهاة..
(مهيار الباهلي) النجفي الأصل المسكون "بكربلائيته" كصرخة احتجاج على الظلم الذي وقع، في "كربلاء" وهزيمته على يد الجيش الجرار للخليفة الأموي (يزيد). بعد أن تخلى عنه من "نادوه كي يكون خليفتهم المغيبة"، الذين سيسمون بالتوابين، أسلاف "اللطم العاشورائي"..
(مهيار) لم يتقبل هذا "اللطم"؟
يجب أن تتوجه هذه المسكونات، الى "الظالم المستبد"، بالعمل الجماعي والانتماء لحزب ثوري، يدافع عن المقهورين، وإعلاء شأن "البندقية الثورية"؛ كانت "الموجة الثورية المسلحة" تحاول الدغدغة، لكل الحالمين بالتغيير: من كوبا الى المثل الفيتنامي، ثم حالة التوباماروس بالأوروغواي..
كان يعزف لحناً خاصاً، يذهب به للمأثور "الاسلامي المتمرد":
"لو كان لدي خمسة ثوريين من نمط أبي ذر، علي بن محمد، حمدان قرمط. لألهبتُ هذه الدنيا العربية بالحرائق..".
هذا هو (مهيار): رغم الهزيمة لم يزل يردد تلك "النغمات"؛ تجعل التوازن ممكناً، سعادة ما متخيلة، ستتحقق بارادة مثل هؤلاء "النجباء"؟!
الآن على تراب الجزائر: "يركعُ على الأرض ويلثمُ التراب"؛ تأكيدا على عظمة الانتصار..
يسأله (مهدي جواد): "قل لي وأنت تقبّل التراب، هل تأكدتَ من أنّ رائحة الدم لم تكن عطنة؟"
(مهيار) لم يزل مسكوناً بذاك "الفردوس المفقود". أحياناً تراه كما السلفية الاسلامية: في السلف الصالح خير منقذ، صدر الاسلام الاول..
/الحاضر الجزائري الآن (بداية السبعينيات)، انتصاراً عمّ هزيمة كانت في "أهواره"؛ بلد عربي تحرر من المستعمر الفرنسي بعد مائة واثنان وثلاثون عاماً..
لكنه سيتفاجئ بحقيقة أخرى ، بعد ذلك الانتصار، عندما تقصُ عليه الحكاية (فلة أبو عناب ) صاحبة البنسيون الذي نزل به
أما (مهدي جواد) رفيقه في الحزب، أيضا كان يخوض الكفاح المسلح، إنما في مكان آخر من "السواد" العراقي.
(مهدي) ينكسً أعلامه، أتى للجزائر ومدينة (بونه)، كي يعيش مهنته بعيدا عن الموت في سجون العراق: هو مدرس لغة عربية.
لطالما أيضاً كانت "تعشش" مخياله الدائم، بعض الايقونات: "بابك الخرمي، محمّد، سبارتاكوس.."
-"داخل غرفته في مدينة عنابة يكتب: الزمن القديم يضغط موجاً من الأشباح..هذا المنفى استراحة محارب مهزوم.."-
كذلك هو من "المسكونية الحسينية": "أخته ترفع القرآن في يد والاخرى صحناً من الطحين: اقسمْ..يضع راحة كفه، ينحني بقامته تحت قوس الطحين..أُقسم..أن لا أنسى في الغربة رائحة الارض والبيت وصلوات الأجداد..صرخةُ الحسين وهو يذبح بسيف الشِمْر".
قبل الوداع والرحيل، كانت تلك "الصرخة" مهماز خياره الكفاحي.
"أنا مهدي جواد الخارج من سجل الحطام، وأنقاض الخراب..فسأحني رأسي منغمراً في عمق هذا البحر..لا أنشدُ غفراناً ..لستُ في المطهر.."
ينبئنا الراوي العليم هنا بالمصير التراجيدي الذي سيتحقق؛ يلعب لعبة الاستباق، للبطل المهزوم..!
تأتي الصفعات بعد تلك "النبوءة":
تتهاوى قناعاته كما "جسده"؛ سرعان ماينهار أمام "الشدائد" الجديدة، في بونه الجزائر؟
في المرة الاولى، قام بمحاولة انتحار فاشلة؛ الحبيبة الآن (آسيا الأخضر) تغدو بعيدة المنال..
أما الثانية: يُطلب منه الرحيل؟
"من أين الطريق الى نوافذ قرطبة"؟
"ينحني (الجواد)، يضع الوردة الحمراء..يخطو نحو البحر..يصعد صخره..وباندفاعة طائر يقذف جسده إلى البحر.."
-تذهب معه وردته الحمراء الى انتحاره. كان البحر هو المبتدى والمنتهى-
/تأتي "استراحة الشخصيات، كمثل دقيقة صمت ايديولوجي"، من الراوي:
بعد الكلام عن انقسام الحزب الشيوعي العراقي. "كان رأس الحزب هو المطلوب، رأس يوحنا المعمدان، الذي تريده سالومي عاهرة القصر.."!!
تلك الاستشهادات هي من "مألوف تلك الساعة"، في التناول للتاريخ، بما فيها السرد الروائي، حيث ينبري "الواجب الأخلاقي" متدخلا كما سطلة خلف الضباب تسكن "الالتزام"
ظهور اللوياثان
كانت "مشارف الشرق ومغاربها" تنتظر "مهدياً منتظراً" ما، يخلّص هذا الزمن الممتد بالقهر والعسف لكل حي يرزق، كانت ترنو لهذا "المخلص" المفترض؟
" في غفلة من الزمن وضياع الوعي البشري. يظهر "اللوياثان"، أخذ اسما عربيا "متفق عليه": (عبيد الله بن أبي ضبيعة الكلبي).
"لوياثان" مجنون، ينشر الرعب بين القبائل والطوائف والأحزاب؛ هو من الماضي السحيق، يمتد للحظات الآن ومفرداته "الأحزاب"..خلف "الستارة": الزمن العراقي الدموي، المعمم عربيا مع منتصف الستينات واوائل السبعينات حيث تربعت على العروش حكاما من نمط خاص: بين القائد الملهم إلى الرئيس المفدى وما بينهما العقيد الذي لم تلد الأمهات كمثله مثيلا..
قبل الاسم كان وحشاً بحرياً "تنين"، في كهوف الأديان ومغاور الأساطير الأولى؟
"لوياثان الحية الهاربة..التنين الذي في البحر". العهد القديم/ إشعياء.
هل نجرؤ القول أنه يُعاود الانتقام من "شر هزيمة" وقعت هناك في غابات سومر وبابل، حيث كان "حارس غابة الأرز " الوحش "
واسمه "خمبابا" قد انتصر عليه حاملي الأمل بالخلود (أنكيدو. جلجامش)..
قد يكون مر من هذا التراب المكلوم "اللفياثان"، لصاحبه الفيلسوف الإنجليزي هوبز (1651)..
إنما(هوبز) أراده حاكما مطلقا، كما "اللوياثان" العربي، لكن برغبة ارادوية شعبية حيث الموت والحروب الاهلية، قد استوطنت عنق الزجاجة. عقد اجتماعي افتراضي بين الناس؛ يتخلون عن حريتهم الشخصية مقابل السلام والأمن.
-هذا هو اللفياثان الانجليزي-
"عبيد الله الكلبي" أتى على غفلة من تلك "الدمويات" خاصة العراقية..إنما كانت الناس في حالة "غفوة"؟
استيقظوا صباحاً -كان النهارُ خريفياً مصحوبا بغبار عتيق من "عجاج" الصحراء- سمعوا "المارشات العسكرية":
أنا المخلص الذي تنتظرون. أنا "مهديكم" لكنني لم أكن في قعر جبٍ عميق، أتيت من العجاج وطمي المستنقعات "الأهوار".
يسأل القارئ لماذا هذه النسبة "الكلبي"؟
تأخذ الدلالة هنا للكلبي، بغير ما متعارف عليه: الوفاء ، إنما الغدر والانتقام..
في سياق آخر وممكنات دلالة: أبي ضبيعة الكلبي؟
في الموروث العربي: أبو رغال الكلبي -قبل الإسلام- الذي دل أبرهة الأشرم" الحبشي" لهدم الكعبة.
والبعض يقول أنه ينتسب لقبيلة كلب. سكنت (نجران): توارثوا الغدر والخيانة..
بعد أن تستوطنَ "إنجازاته"، يُغلق الباب، يضع الحجاب ثم الحجاب، ويأتي متأخراً "الحاجب" أمير الظلام..
يتقدم "الجمهور" الى الخشبة الأخرى من "الطمأنينة"، متوجهاً نحو "المخلص، المنتظر"، يتلو صلاة الترجي والطاعة:
"أبانا الذي في الآبار..ليتمجد اسمكَ العظيم..لتترسخ بذور سلالتك المقدسة في أعماق الأرض: أيها القدوس الأبدي، آمين".
نشيد الموت
"لقد سجى الليل" على أكتاف "الأهوار العراقي"، غدا الموت صوت حلمٍ تراءى "لظافر" خالد أحمد زكي:
هناك في لندن "كان يرى الانهدام العميق ودمار الهيكل..". الذاكرة "السومرية" تتحدث عن " قصة غوديا" أحد ملوكها، عندما رأى حلما: عليه أن يشيد الهيكل..بعد ان غمرت الفيضانات الارض ودمرت الهيكل..
تماهى خالد مع "الحلم"، ينضم إليه أحد عشر "رفيق".
/الراوي يتدخل: "مسكونا بالروح البروميثيوسية تقوده بأشعة نيرانها"/
"سرنمت" لقياه "غوديا" أن يقبض على الجمر: "تدمير دولة العسكر الكلبية، تشييد الهيكل الشيوعي، غوديا القرن العشرين.."
تخرج "سيوف ظافر" على اسنة "طواحين هواء"، مدججة بأحدث الاسلحة الفتاكة والراجمات الصاروخية..
"ظافر زاحفاً يسقي العطاش بهدوء حزين..يدركُ في قرارته، كم كان الخطأ فادحاً..انفجرتْ سحابة من الأسى ، مزقت أحلام سييرا مايسترا/ كوبا.."
وكان النشيد الأخير للموت يتوارى خلف ظلال بعيدة..
للموت نشيدٌ كما (أحمد العربي) عند محمود درويش؛ كانتْ "السكاكين" مترامية "الجلخ"، شتى الجهات توجهت الى هناك "تل الزعتر"، بديلاً عن "كعبةٍ" متخيلة يأمّون وجوههم!!
كذلك "أهوار" ظافر ورفاقه، يتشابه هنا النشيد؟
يعترض القارئ" هذه رواية ونشيد الموت فصل من ثمانية فصول أخرى.
في حين تلك قصيدة: "ليدين من حجر وزعتر هذا النشيد..لأحمد المنسي بين فراشتين.."، رسالة محددة وزمن واقعي حيث القصيدة شكل من الملحمية لهذه "الأوديسة" الفلسطينية.
يخاطبها الشاعر في مكان آخر: عمَّ تبحثُ يا فتى؟
عن مركب الاوديسة المكسور!!
"نشيد الوليمة" محاولة الصدى لماضً يُسحق، وحاضر يُترى الموت أمامه، في مستقبل يتحقق..
فلة أبو عناب
قبل أن نذهب إلى البنسيون التي تمتلك، ربما يجدر بنا السؤال:
اسم العائلة/النسبة: أبو عناب؛ يعني تنتمي لمدينة عنابة، الاسم الحديث لمدينة بونه..؟
ربما تقصّد الكاتب كي يحيلنا الى "عنابة" تزامنا مع القهر، وهزيمة "الضحايا" على نياشين العهد الجديد..
هنا ينتبه القارئ أن (بونه) هي المكان، أيضاً هي الشخصية الرئيسية للوليمة؛ تختزن مونولوج هزيمة "الأهوار". عبث "المنتصرون" وحراس بوابة الفساد، سدنة الكواليس وعقد الصفقات..
في هسهسه أخرى صاخبة: "سأل الطلاب استاذهم مهدي جواد، عن رأيه في العنابيات؟"
بين الايهام الفني وزلة القلم؟
(فلة أو عناب) صاحبة الجسد الناطق؛ دون صومعة ومنظومات "الأنا الأعلى" ، سياط الضمير الأخلاقي..
تعيش وسط منازل مغطاة بالحجر الأسود، إلا ماندر وتمرد تماهياً مع "البوح الاستعماري الفرنسي"..
أطلقوا عليها صفة العاهرة، صاحبة البانسيون لكل العابرين، و الناطقين بالضاد والقاف والجيم المدغمة..
كانت متزوجة وهي في العشرين، من رجل سكير، أنجبت منه ولد..
تطلقه، تبدأ رحلة البحث عن "الحب والأمان" في العاصمة:
كان الاول الضابط الفرنسي: علاقة حب صادقة من جهتها، تتفاجئ باحدى أمسيات "العشق الممنوع"، أن "حبيبها" ينتهكُ جسدها مع "رفاقه" الضباط..
تنضم للثورة منذ انطلاقتها، دفاعاً عن جسدها المنتهك، ربما ملاذ الخلاص؟
إنما كما يقال: "من تحت الدلف لتحت المزراب"؟!
عاصرت النهايات وبدايات "الغنائم" للمنتصرين دعاة "الحرية والاستقلال"..
كان البانسيون تحد صارخ لكل "مغتصبيها"، ستعلق على "ساريتها" الخاصة..
أربعينية الشهوة والجنس "المعمم"..
بالصدفة غير "المشتهاة" يسكن عندها (الباهلي) بخبرتها الانثوية تدرك ماهية "الساكن الجديد":
"اسمع يا خويا.. أنا لستُ عاهرة، أنا امرأة حرة: أختار الرجل الذي يعجبني، لا أعتقد فيك ذلك الرجل"؟
"تمطى بصلبه" مهيار، تسعفه "طبول الايدولوجيا الجوفاء"، يتكأ على "الوفاء" لتلك الزوجة التي تركها هناك في العراق..
هل يشعر "بالخصاء" أمام هذا "الجنوح للجسد"؛ تمارس أقسى حالات الصخب أمامه "العادة السرية" بقلمه، بديلاً عن "عضوه الذكري"، يبكي يتألم. أنتهكتْ "ذكوريته"، يصرخ بصمت :"كصرصار زحف تحت الستارة"..
ثم يتذكر "الأهوار" والأحد عشر "كوكباً بين أغصان التيه لتلك المستنقعات..
ينقذه الراوي بعد حين: في الليلة الثانية بعد الألف؛ يخيب أفق توقعات القارئ هنا؟
إحياء "ألف ليلة وليلة" لكنها هنا بليلة جديدة، الإحالة للثنائية "شهرزاد وشهريار"، إنما كانت هناك شهرزاد تنتصر عبر الكلام والقص، لكي تروض شبق الشهريار. هنا شبق (فلة) ينتهك "بكارة" رجل متزوج، أعزل بعد أن خابت آماله في إحياء "اليوتيوبيا"..
"في الليلة الثانية بعد الألف، يعيش مهيار حالة من الهذيانات..الموت قادم..بهدوء تسللت قربه، اشتبكت به بفخذيها وبطنها..يتشبث بها كرضيع..بدأ التعرق والوهج لجسدين عاريين.."
سيقول لمهدي: نجوت من الموت بأعجوبة..لقد افتدتني كما افتدى الله إسماعيل بالكبش"
-تعاود "الإحالات" نصبَ أعمدتها "الافتداء"، دون غاية دلالية من النسق الروائي-
تجدر الاشارة الى الحالة المميزة "للوليمة" بإعطاء شخصية (فلة) شخصية الأنا المتكلم.
تكسر "التابوهات"، ليست ضمير غائب، كما تجري العادة بالتسلل لهكذا نمط من الجرأة؛ عاهرة أو المومس الفاضلة..
هنا "العاهرة" تستوي على جسدها باطلاق حريتها: كانت أحد الأصوات المعبرة عن نفسها، بمفرداتها "المحكية السوقية"؛ يلعب الراوي لعبته معها: باعتبارها صرخة احتجاج على واقع مهزوم "في الجزائر وملحقاته من نياشين الانتصارات"..
(آسيا الأخضر)
تُنطق باللفظ المحلي: آسيا لخضر..
التلميذة التي تبحث عن أستاذ لغة عربية..
تسمع بالاستاذ العراقي القادم من الشرق، لعله سيقوم بفك "عقدة" الرسوب..
بعد نصف سنة من التعارف، تظهر إشارات الحب..
سنتعرف لاحقا أنها تجد في "المهدي" البديل المتخيل عن ذلك الأب العظيم: يسميها الراوي "عقدة الكترا"؟
كان يمكن "التقاطها" دون الاشارة المباشرة..
(آسيا) التي افتقدت أباها وهي بعمر الخامسة؛ يموت تحت التعذيب في أوج المقاومة الجزائرية، يرفض الاعتراف، كان ينقل الأسلحة بسيارته للثوار.
في لحظة قهر، تسترخي مع حبيبها (مهدي) تسأل: لماذا يموت سي عربي (والدها)؟
حدق بهؤلاء الورثة..الحلاليف: شتيمة باللهجة المحلية..
تتابع اسئلتها ذات الطابع الوجودي: "لماذا التضحية بالحياة، ما دام الانسان لا يحصد إلا الموت في النهاية؟"
في "خلوات" أخرى، من الحوار "الساخن" بين التلميذة واستاذها، تظهر اللغة التقريرية بطابعها الأيديولوجي الصرف، "عارية" كما خلقتها كتب القومية الاشتراكية وأخواتها: "آسيا تتحدث عن الاستعمار الثقافي..العرب غزاة وفاتحين..استعمروا اسبانيا.."
مهدي تأخذه "يقظة الوعي": الاستعمار ليس العنف فقط، إنما التزوير والاستلاب والقطيعة مع الأنا الجماعي..
أن تحضر (آسيا) لابد من حضور (لالا فضيلة) الأم التي فقدت زوجها (سي العربي)..
تتزوج من (يزيد ولد الحاج). هل رمى الراوي حجراً ما من الاسم الأول (يزيد)؟
لربما..مع الابتعاد عن المقارنات الرمزية ذات "الأدلوجة" التي ترصف حجارتها من خارج النص..
الأب المفتقد، يغتصب "امرأته" عبر زواج شرعي هذا "اليزيد"..
(يزيد ولد الحاج) على العكس من (السي عربي)، كما الفرق بين آفّاق، وصاحب مبدأ وضمير مثقل..
يسردُ الرواي عن (لالا): "كانت ترى في آسيا صورة الأخضر-الأب- الذي كسرته الريح وهو ما يزال غضاً.."
بونه /عنابة
"مدينة مطوقة بالبحر..تكره الغرباء..مدينة الحزن والخوف والحب والذاكرة..
هذه البونه الملعونة، سادوم الزمن العربي المشظى..متدلية من سمائها مناديل ورايات شهداء، صعدوا الى سنوات الحلم الذي تناثر..".."سادوم"؛ سدوم وعمورة مكاني الخطيئة والإثم؟
هل تنتظرُ المدينة "العقاب": كما فعل الله في خسف تلك "المخطئات" من القرى؟
في أكثر من زاوية من الرواية يكرر أنها مدينة أوغسطين: الفيلسوف والقديس من أصول أمازيغية جزائرية..مع معاصرين من مثل أبو مدين..سي العربي..
تشهد في زمن المونولوج وزمن الحكاية (نهاية الستينات): شظايا الاعتراف لربما الرابط مع "أوغسطين" واعترافاته المبكرة، حضور السيرة الذاتية بالذاكرة الجمعية..
/عابرة فاصلة: "من خلال الأماكن نستطيع قراءة ساكنيه وطريقة حياتهم.."، بتصرف من (باشلار/جمالية المكان)
بونه وبحرها هي صدى صوت هذا "الانهدام" العام للشخصيات؛ الهبوط الى المطهر، حيث هناك "كرسي الاعتراف"، يتربع على "عرشه" الراوي: عليماً أحياناً، يترك لهم حرية الكلام، لكنه يتدخل كما "ملقن" المسرح، مع افراغ بعض "الاحالات التاريخية"..
في أماكن أخرى، يُصغي إليهم، إنما يضع بعض إشارات التوجيه نحو الذهاب الى ذاكرتهم، مونولوجهم الداخلي؛ ربما هنا يتماهى مع دور المحلل النفسي..سيتبين لاحقا هذا الدور المحاكي لما عرف بتيار الوعي: (جيمس جويس في عوليس. مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود)..
فصول الرواية ثمانية (زمن الحكاية او القصة): الخريف، الشتاء، الربيع، الأهوار، نشيد الموت، ظهور اللوياثان، الصيف.
المتتبع للفصول سيتعرف أنها اعتمدت الزمن الخطي: أبواب مواربة؛ تدخل "الغرف الداخلية" يتنحى الزمن الخطي المنطقي لصالح الزمن الدائري "المونولوج والذاكرة، بالحضور الطاغي للتداعي الحر"..
اعتماد المفارقة الزمنية بالعودة، مع الذاكرة الفردية والجمعية، من خلال تقنيتي الاسترجاع والاستباق..
-حالة من الزمن الوجداني/ زمن الديمومة كما يسميه الفيلسوف برغسون-
وحين الوقوف مع الزمن الخطي سنرى:
الافتتاح، مجيء الناجون من المقصلة العراقية..
تتوسطه تلك العلاقة التفاعلية بين الحواريين والحواريات: مهدي وآسيا حيث الام في الظلال، يقف "الفوهرر" الزوج يزيد، ممتطياً "حزام الفضيلة" وجارتها "عفة الفساد". مهيار وعلاقته "المنكوبة" مع فلة أبو عناب.
وكانت النهاية مع الطرد "للمهيار" وانتحار "المهدي"..
أما حينما تدعونا "الوليمة" للغوص في "أزقتها" الضيقة:
سنجد "الكوابيس" تخبرنا عن المستقبل، خاصة "كوابيس" مهدي؛ تتأسس فكرة الموت المحقق في المستقبل، لحاضر يحاكي "الماضي وقد كان جحيماً"..
لطالما تساءل القارئ عن اللغة واغراقها احيانا بالشاعرية؟
ربما هناك فصلين: نشيد الموت وظهور اللوياثان، كانت اللغة تنحو نحو الملحمية، تحاكي الحدث الدامي، لاتبتعد كثيراً "الكلمات عن الأشياء"؛ هل يمكن القول أن "الوليمة"هنا اقتربت أكثر من (تيار الوعي) المنوه عنه سابقاً..
على سبيل الخواطر؛ تقول بعض الحكايا: في البحث عن الزمن المفقود أطول جملة كتابية، وصلت 871 كلمة. دون أية "مَمَنْطقة"..
هنا في الوليمة: في الصفحة 225/ نسخة الكترونية..33 كلمة على خطى "الرحالة جويس وبروست"
كذلك الصفحة 207-208/ ..45 كلمة..
هل خرجتْ "الوليمة" عن عباءة "الأدب والأيديولوجيا"؟
كتبتْ الرواية (1974-1983)، يعني انتشار ذلك "الزي"، مع انتشار وصعود اليسار الجديد في "السياسة الثورية"، بما هي البحث عن البطل الصاعد "الحزب الثوري"..
أبطال الوليمة هُزموا، على مذبح "التطهرية الثورية" ونكران الواقع..
على العكس تماما: الشخصيات مسكونة "بالخصاء"، على الرغم من أنهم لم يستطيعوا قتل ذلك الأب "الحزب الأصلي" الذي انشقوا عنه، فقط في مخيالهم "رجموه". بقي يتربع على رأس "التحالف" مع (عبيدالله بن ربيعة الكلبي)..
بهذا المعنى، اعتمد الكاتب أسلوبا تجربيياً مختلفاً، عما "يجب أن يكون" من غلاة "الواقعية الاشتراكية"..
ولكن؟
وجود الكثير من "الاحالات التاريخية" في غير موضعها وخدمتها للنص روائياً: سالومي ورأس الحزب..كبش إبراهيم الخليل..تخلي ظافر للقيادة لصالح مهيار، كما تنحى خالد بن الوليد لعبيدة ابن الجراح..
مع مرحلة زمن كتابة "الوليمة"، انتشرت بقوة فكرة العودة للتراث والتاريخ، تحت عنوان "طبقي ايديولوجي": اليسار واليمين في الإسلام؟
يمكن بهذا "اللقش" قد غزا "الشيب" مفرق الراوي..شكل من أشكال الانحياز، كتعبير عن مصادرة مسبقة: الرهان على مشروع التغيير لهؤلاء "الثوريين"؛ حاملي حلم تغيير هذا الواقع المعتم..
قبل أن "نحتسي" الكأس الأخير مع "الوليمة"؟
كما تجري لوازم "المقبلات": تعدد الأصوات بتعدد كلماتها. حيادية الراوي باعتباره "الناطق الحاضر عن الغائبين والغائبات"..
استطاعت الشخصيات الرئيسة، التعبير عن نفسها بحريتها ولغتها الخاصة: فلة، مهيار، مهدي ، آسيا ووالدتها لالا فضيلة..
بهذا المعنى شكلت مايشبه "المنبر الحر"..
إنما؟
هنَّ "الضحايا" أبناء المظلومية المستدامة..أليس بالإمكان تسلل شخصيات أخرى بأصواتها الحقيقة وليس بالكلام عنها كضمير غائب..
يورد أكثر من مرة: "خط آب التصفوي والجماعة التحريفية"، دلالة سياسية على "المشروعية الثورية "لخط ظافر وجماعته..
هل كان بمقدور الراوي أن يجد شخصية، تتكلم ضميرها المخاطب بعيدا عن التسطيح وحكم القيمة المسبق، تحاور "الخط الثوري"؟
يمكن هنا قد يجد القارئ مُسعفاً له: حوارية دوستويفسكي ومدى "حياديته" حتى مع "شياطينه الروائية"!
ربما يتمنى القارئ أحيانا، أن يتعرف على "يزيد" زوج الام، من الداخل؟
-تجري العادة أن لا يُطلب من الكاتب: لماذا..أين..هل كان بالامكان..؟
تطوي "الوليمة" جرحها النرجسي، وقد تسامقتْ "نكبة الكترا، آسيا"، الى أن سكتتْ "شهرزاد عن الكلام المباح":
"على السرير مهدي يقرأ المسيح يُصلب من جديد/ كازنتزاكي..جميلة بونه وحزينة تحت هذا الضحى..الكترا جلاها الأسى..كأنما تودع عاشقاً يرحل أو أبا محمولاً إلى مدفن.."



#نصار_يحيى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هي مديح الكراهية / خالد خليفة
- شذرات.. مع جورج طرابيشي
- منمنمات تاريخية للكاتب السوري سعد الله ونوس


المزيد.....




- مصر.. رد صادم من شقيق الفنانة شيرين عبد الوهاب على اتهامها ...
- مصر.. نقيب المهن التمثيلية يكشف تفاصيل قضية ابتزاز لفتيات في ...
- دقائق والامتحان هيكون في جيبك !! .. حقيقة تسريب امتحان اللغة ...
- جروبات الغش رجعتلكم من تاني “الإجابات داخل المقال” تسريب امت ...
- Salah Addin “جزء ثَاني” موعد اذاعة مسلسل صلاح الدين الحلقة 2 ...
- تفاصيل سورية كبيرة.. الوثائقية والفانتازيا في رواية -داريا ا ...
- إعلان صادم لمحبي الفنانة السورية كندة علوش و-ولاد رزق 3- يحط ...
- مصر.. الفنانة شيرين عبد الوهاب تتقدم ببلاغ للنائب العام ضد ش ...
- الفنان المصري عمرو مصطفى: أوقفنا مشروع أم كلثوم بالذكاء الاص ...
- حملة -حبسوهم ليش؟- تشعل مواقع التواصل اليمنية بعد اعتقال فنا ...


المزيد.....

- خواطر الشيطان / عدنان رضوان
- إتقان الذات / عدنان رضوان
- الكتابة المسرحية للأطفال بين الواقع والتجريب أعمال السيد ... / الويزة جبابلية
- تمثلات التجريب في المسرح العربي : السيد حافظ أنموذجاً / عبدالستار عبد ثابت البيضاني
- الصراع الدرامى فى مسرح السيد حافظ التجريبى مسرحية بوابة الم ... / محمد السيد عبدالعاطي دحريجة
- سأُحاولُكِ مرَّة أُخرى/ ديوان / ريتا عودة
- أنا جنونُكَ--- مجموعة قصصيّة / ريتا عودة
- صحيفة -روسيا الأدبية- تنشر بحث: -بوشكين العربي- باللغة الروس ... / شاهر أحمد نصر
- حكايات أحفادي- قصص قصيرة جدا / السيد حافظ
- غرائبية العتبات النصية في مسرواية "حتى يطمئن قلبي": السيد حا ... / مروة محمد أبواليزيد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصار يحيى - قراءة لرواية وليمة لاعشاب البحر للروائي حيدر حيدر