أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - خولة جبار محمد الجنابي - السياسة التعليمية في العراق بعد عام 2003(السمات والخصائص)















المزيد.....



السياسة التعليمية في العراق بعد عام 2003(السمات والخصائص)


خولة جبار محمد الجنابي

الحوار المتمدن-العدد: 7807 - 2023 / 11 / 26 - 11:25
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


مثلت مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق أحدى المراحل المهمة في تأريخ العراق المعاصر بفعل التأثيرات التي تركتها والابعاد التي عكستها ،والعودة الى مرحلة ماقبل 2003 وابتداءً من العهد البريطاني كمنطلق تأسيس الحكم الوطني في العراق، ليس من شك ان العملية التعليمية عملية تراكمية لاترتبط بمرحلة زمنية او حقبة تأريخية محددة، وانما هي فعل تراكمي يتحدد تأثيره من خلال عمق المراحل التي مر بها الوعي السياسي التي ادت به الى مرحلته هذه من اجل ذلك فأن ادراك السياسة التعليمية بشكل كامل يفترض الرجوع بدرجة عميقة الى المراحل التاريخية التي سبقت 2003 من اجل تكوين تصور متكامل وادراك المراحل التي عرفتها السياسة التعليمية في العراق
1ـ عهد الاحتلال البريطاني للمدة (1914 – 1918)
بعد تمكن القوات البريطانية من كسبها الحرب ودخولها جنوب العراق في السنة الاولى ، كان لهذا الحدث اهمية كبيرة ، بوصفه السبيل في السيطرة على الاجزاء الاخرى من العراق ، وبذلك فأن السياسة البريطانية لابد لها من احكام وتيرة الحياة المدنية للناس وتحسينها وصيانتها فكان الامر يستدعي منها القيام بأمور عديدة لتلبية الاحتياجات البشرية. ولهذا كانت دائرة المعارف* من ضمن الدوائر التي منحتها القوات العسكرية اهتماماً ، حتى لا يساء الظن بها واتهامها بأنهاغير مبالية بالعمل على تسيير امور التعليم في العراق.
بيد ان اغلب المدارس تعرضت بعد انسحاب القوات العثمانية الى سلب ونهب للممتلكات فأغلقت ابوابها وعطلت الدراسة فيها وانسحاب معلميها مع القوات العثمانية المندحرة في البصرة وبغداد على عكس المدارس المسيحية ، فهي لم تتأثر بالحرب وبقيت مفتوحة ومنها ( المدرسة الامريكية في البصرة التي أنشأت على يد (المستر جون فان) فقد استطاعت الحصول على موافقة من السلطات العثماني عام 1909 بفتح المدرسة وكانت للبنين وكانت اللغة العربية هي لغة التدريس فيها وهي اول مدرسة ثانوية في العراق في العهد العثماني فأستمر العمل بها ولم تغلق ابوابها ألا (اسبوعاً واحداً) بسبب الحرب وتم تغيير اسمها فيما بعد الى (مدرسة الرجاء العالي عام 1921). )
لهذا سعت الحكومة البريطانية في اشاعة القوانين والمبادئ الادارية الهندية بالذات في القسم الجنوبي من العراق تمهيداً لضمه الى الهند ، ضمن مجموعة القوانين المسماة (قوانين مناطق العراق المحتلة كانت مستمدة من القوانين المعمول بها في الهند) .
لقد وجدت المس بيل عدم وجود عدد كافي من المعلمين الاكفاء في البصرة ، فضلاً عن الكتب المدرسية التي كانت باللغة التركية فكان هنالك خطة بعدم فتح أي مدرسة ابتدائية قبل الحصول على معلمين أكفاء ومقتدرين.
بيد ان وجهاء االبصرة كانوا يراجعون السير برسي كوكس والحاكم العسكري ويطالبونهم بإعادة فتح المدارس وانقاذ ابنائهم من التسكع في الطرقات ومساواتهم مع ابناء الطوائف المسيحية واليهودية كون المسلمين يتمتعون بالاكثرية.
وبذلك قام المقيم السامي البريطاني (السير برسي كوكس) بتكلفة المستر هنري دوبس ليصبح مسؤولاً عن شؤون المعارف في البصرة في كانون الثاني 1915 ، فتقدم هنري دوبس بدراسة المسألة ، مع (جون فان ايس) مدير المدرسة الامريكية كونه ملماً بهذه الامور وبدوره قدم مذكرة عن ملاحظاته عن التعليم ، ذكر فيها بضرورة تفادي الاخطاء التي ارتكبتها السلطات البريطانية في حق التعليم في الهند ويعني لها جعل الهدف من التعليم في المدارس خلق جماعة من الطلاب المحشوة ادمغتهم بالمعلومات الناقصة وليس لهم هدف في الحياة الا الحصول على وظيفة في دوائر الدولة وعلى هذا فقد فتم وضع خطة تم اقرارها من المسؤولين ووضعت موضع التنفيذ وقد نصت هذه الخطة أن يقوم (د.جون فان ايس) بالواجبات والاعمال الآتية :
1. اعداد المعلمين الذين تحتاج لهم المدارس الابتدائية المنوي فتحها عن طريق تنظيم دورات تدريبية في مدرسته مقابل منحة سنوية قدرها (2000) روبية.
2. ان تقوم بفتح مدرسة ابتدائية في البصرة واخرى في ابي الخصيب على ان تدرس فيها اللغة العربية والانكليزية وان تتبع في تصنيف الطلاب بنظام الجماعة بدلاً من الصفوف وان يتعاطى اجرة شهرية قدرها روبية واحدة من كل طالب.
3. ان تتولى المدرسة الامريكية (التعليم الثانوي) نظراً لما لها من مدرسين اكفاء واستناداً الى هذا الاتفاق تقرر ان تقوم المدرسة الامريكية بأعداد ثلاثة من طلابها المتقدمين سنوياً وتهيأتهم للعمل كمعلمين في المدارس التي تفتحها السلطة ، كل ذلك ادى بالنتيجة الى ان اصبح الدكتور (جون فان ايس) المسؤول المباشر عن فتح المدارس وسير التدريبات وتفتيشها بين الحين والآخر مقابل ان تدفع له السلطة المحلية منحة سنوية مقدارها (5000) روبية بما فيها (2000) روبية مخصصة لاعداد المعلمين. وبذلك بدأت عجلة التعليم بالحركة رويدافتم افتتاح مدرستين إبتدائيتين الاولى في البصرة وعين لادارتها احد تلامذة المدرسة الامريكية وهو (فتح الله داود ) ومدرسة ابي الخصيب وذلك في مطلع تشرين الاول عام 1915، لقد شهد الاول من حزيران فتح مدرسة ثالثة في الزبير فكانت مركز تعليمياً مهما لان الناس كانو متشوقون الى تعلم الانكليزية.
ان ونظام الدراسة كان في تلك المدارس نظام الجماعة ( croup system) ، كما ان اغلب الكتب يتم جلبها من مصر فيما يختص باللغة العربية ، وجلب من الهند فيما يختص باللغة الانكليزية ، وبدأ الطلاب دروسهم وفق منهج الدراسة المصرية ، بعدها تم افتتاح مدرسة في الناصرية في اوائل شهر آذار من عام 1917 ومدرسة القرية في شهر كانون الثاني عام 1918 ومدرسة سوق الشيوخ في نهاية عام 1917 ومدرسة قلعة صالح في حزيران عام 1917 .
اما في بغداد فالامر لا يختلف عنه في البصرة فقد شهدت مدارسها سلب ونهب للاثاث والتجهيزات وتخريب البنايات مما جعل السلطة البريطانية تعتقد ان التفكير في فتح المدارس امر لا يمكن تحقيقه في الوقت القريب بسبب النقص الحاصل في عدد المعلمين الاكفاء الذين يمكن الاعتماد عليهم بذلك.
وتقول المس بيل عن هذه المشاكل ((كان من الممكن ان تسبب المشاكل إزعاجا اقل لو كان في وسعنا ان نتبع الخطة المتخذة في البصرة ، وهي عدم فتح مدرسة قبل الحصول على معلمين متدربين ، غير أنهُ بينما كانت البصره تهتم بأمور التمور اكثر من اهتمامها بالتعليم ، فأن بغداد كانت فيها نسبة غير قليلة من الناس الذين يقدرون التعليم للتعلم ، وقد يكون ذلك من بقايا الزمن الذي كانت بغداد فيه مركزاً علمياً للعلم والتعليم)).
ليكلل ذلك بتشكيل (دائرة المعارف) في بغداد وتعيين المستر (بولارد) مشرفاً على شؤون المعارف بالوكالة ، بعدها تم استدعاء احد الاساتذة الفلسطينين(حسني بك عبدالهادي) ليصبح مديراً للمعارف ، الذي أسهم اسهاما في ادارة معهد اعداد المعلمين الذي سمي فيما بعد (دار المعلمين) وكان الاتفاق ان يكون النظام الاعداد السريع للمعلمين، نضمت الدورة الاولى في حزيران 1918 (81) طالباً لمدة 3 اشهر نجح في ختامها (24) طالباً ،وافتتحت الدورة الثانية ورغبة في تشجيع الطلاب من غير سكنة بغداد ، تقرر منح الطالب مبلغاً شهرياً قدره (50) روبية بينما يتقاضى سكان بغداد (30) روبية ودخل في هذه الدورة عدد مماثل للدورة السابقة نجح في ختامها (24) طالباً ، وبذلك شرعت ادارة المعارف بفتح المدارس في بغداد للاستفادة من الخريجين فتم الاعلان عن فتح ثمان مدارس بتاريخ 10/10/1918وهي :
1. مدرسة الحيدرية
2. مدرسة البارودية في جانب الرصافة
3. مدرسة الفضل
4. مدرسة الكرخ  في جانب الكرخ
5. مدرسة الاعظمية  في الاعظمية
ولم يكن للمعلمين منهج يسيرون بموجبه ، فتم الحل باستيراد كمية كبيرة من الكتب المدرسية من مصربالنسبة للموضوعات العربية ، في حين استوردت الكتب الخاصة باللغة الانكليزية من الهند واستمرت بالاستيراد لتلافي النقص الحاصل لاسيما ان عدد المدارس اخذ بالزيادة وعدد الطلاب بالارتفاع ، وصارت هذه الكتب العمدة في التعليم بينما كان المعلمون وادارات المدارس يجتمعون فيما بينهم لوضع مناهج تدريسية تلائم الظروف والاحوال وتوافق مستوى الطلاب.
وبذلك ازداد عدد المدارس الحكوميه (الابتدائيه والاوليه) في شهر كانون الاول لعام 1918 ليبلغ (42) مدرسة مقابل (2617) طالباً ، وعدد المعلمين (144) معلماً. وعلى الرغم من تعدد قنوات التعليم (حكومي ، اهلي ، اجنبي) فأن عدد المتعلمين في تلك الحقبة لم يتجاوز نسبة (1%) من مجموع السكان عند انتهاء الحرب العالمية الاولى ولم يتخرج من الجامعات الاجنبية بين عامي 1900 – 1917 سوى احدى عشر طالباً فقط تخصصوا في حقول الطب والصيدلة والقانون.
2ـ التعليم وَالوعي السياسي (1918 – 1921)
في عام 1917 طلب (السير بريسي كوكس) من وزارة المعارف في كل من لندن ونيودلهي والقاهره لترشيح خبير تربوي في وزارة المعارف المصرية للعمل في العراق ، وبناءاً على طلبه تم ترشيح الميجر (بومن) * ،إذ اخذ يقوم بجولات تفتيشية في مختلف ارجاء البلاد لمعرفة سير التدريسات وتوفير المعلومات عن المدارس الابتدائية والمعلمين والمعلمات ، وبالنظر لاتساع نطاق العمل وتزايد عدد المدارس قرر تقسيم البلاد الى اربع مناطق للمعارف وهي:
1. منطقة معارف بغداد :- وتضم (لواء الدليم ، سامراء ، الكوت ، ديالى) فضلاً عن بغداد ، وعين لنظارة المعارف فيها المستر (كلن).
2. منطقة معارف الموصل :- وتشمل (المنطقة الشمالية) وعين لادارتها الكابتن بيس.
3. منطقة معارف الحلة :- وتشمل الحلة والشامية في الديوانية ، وعين لادارتها الكابتن (ستو).
4. منطقة معارف البصرة :- وتشمل (البصرة ، العمارة ، الناصرية ) وعين لادارتها المستر(ماكرك).
اما المركز العام أي نظارة المعارف العمومية في بغداد فقد بقي فيه (كمساعدين له) كلاً من الكابتن جيروم فارل والكابتن رايلي.
وبسبب اختلاف الوضع بين مصر والعراق كون النظام في المدارس الاولية الموجود في مصر لم يكن موجود في العراق مما اضطر (بومن) الى اتباع هذا الاسلوب ، أي جعل الدراسة الابتدائية على مرحلتين هما :
1. الدراسة الاولية (ومدتها سنتان)
2. الدراسة الثانوية (مدتها اربع سنوات)
وقام برفع رواتب اجور المعلمين ، رغبة بتشجيع الانخراط في سلك التعليم من جهة ، ولمعالجة ارتفاع مستوى المعيشة الذي ارتفع بعد الحرب من جهة أخرى.
لقد واجه الفرد العراقي في تلك الحقبة فكرة الابعاد عن الوظائف المهمة في الدولة ليعني ذلك سيادة البطالة في تلك الفترة ، فكان الموظفون العاملون في سلك الادارة البريطانية في العراق من الانكليز انفسهم ومن الهنود اما الموظفون العرب فكانت نسبتهم ضئيلة جداً وثانوية.
مما سبق يمكن القول إن التعليم في المدارس الابتدائية والاولية التي قامت في مختلف المناطق المحتلة كان يجري بدون (منهج رسمي) وكان يتبع الى حد كبير نظام التعليم المصري ، ففي البصرة مثلا كانت المناهج المتبعة غريبة عن البيئة المحلية ولم يتناسب مع مدارك الطلاب قياسىا لاعمارهم ، وكذا الحال في بغداد ، فكانت كتب القراءة تتكلم عن الاهرام وابي الهول والنيل والفراعنة كونها الفت لابناء مصر ، اما ابناء العراق فقد تعرفوا على حضارة مصر والمصريين اكثر من تعرفهم على تاريخ وحضارة بلادهم أي عدم قدرة المناهج المتبعة على تنشئة جيل واعي بالاموروالقضايا الخاصة بالعراق وضعف الوعي السياسي في تلك المرحلة.
وبعد المام (الميجر بومن) بأمور التعليم في البلاد ، قرر وضع منهج خاص بالدراسة الابتدائية والاولية في شهر نيسان عام 1919 وتم طباعتهُ وتوزيعهُ في شهر مايس على جميع مناطق المعارف لكي يتم تطبيقه في مطلع السنة الدراسية أي سنة 1919 – 1920 وطبع على غلاف المنهج الداخلي والخارجي نظارة المعارف العموميه بـ مدارس الحكومة العراقية.
وتم اصدار تعليمات تخص مديري المدارس ، وكيفية تدبير أمور المدرسة الانضباطية وسميت هذه التعليمات بأسم (order and discipline Aguide to good).
لتصبح هذه التعليمات المرشد الذي يسير بموجبه مديروا المدارس في حل ما يعترض المدرسة من مشاكل تقوم بين الطلاب والمعلمين او بين المعلمين والمدير.
اما بالنسبة للمدارس الثانوية فقد تأخرت نظارة المعارف في فتح مدرسة ثانوية في بغداد ، وبسبب المنادة من بعض الغيارى من معلمين المدارس بضرورة فتح مدرسة ثانوية ، فقاموا بفتح مدرسة اهلية يقومون هم بالتدريس فيها ، وتم فتح صف في مدرسة الحيدرية وسجل فيها (15)طالباً وتم تدريسهم وفق منهج الثانوية في مصر ، وتبرع للتدريس فيها عدد من الاساتذة وهم :
1. الاستاذ عبد المجيد زيدان  رياضيات
2. الاستاذ ناجي القشطيني  اللغة العربية
3. الاستاذ هاشم الالوسي  الاجتماعيات
4. الاستاذ نجيب مشرفي (مصري)  اللغة الانكليزية
5. الاستاذ عبدالعزيز الباجه جي  الطبيعيات
6. الاستاذ ابراهيم العثمان  الدروس الدينية
وبعد معرفة السلطات بهذه المبادرة لم توافق وتم اغلاق الصف ، اما في الموصل فكان اآلامر مشابهلما قائم في بغداد فقد علق اللورد كيرزن في قوله ((ان الوقت غير مناسب ويجب التريث في تأسيس مثل هذه المدرسة في الموصل. وكذلك الامر في الحلة.ويتضح من ذلك ان نظارة المعارف لم تكن تفكر جدياً بفتح مدرسة ثانوية في العراق ، والتعليم لم يرتقِ الى المستوى المطلوب حيث كان عدد الطلبة الذين يرتادون المدارس الموجودة قليل جداً بإستثناء بعض ابناء العوائل المتيسرة. وبعد المطالبة الشديدة من الاهالي ورغبة في امتصاص غضبهم تم فتح صف ثانوي في بغداد اتخذ له غرفة في بناية (دار المعلمين) وضم (7) طلاب وكان مديرهُ الاستاذ داود نيازي سليم ، بعدها إرتأى الميجر بومن جلب اساتذة مختصين ومثقفين ثقافة مصرية في الجامعة الامريكية للعمل في العراق ، وقد وصلوا الى بغداد في صيف 1920 ، وتم افتتاح مدرسة ثانوية مستقلة وكان مقرها (بناية البعثات سابقاً) واستقلت في عام 1921 الى المدرسة بناية (مدرسة الاتحاد) وسميت بعد ذلك باسم (المأمونية) ، وفي الموصل تم فتح صف ثانوي في بناية (مدرسة الوطن) الابتدائية وبلغ عدد الطلاب فيه (27) طالباً وعين لادارته الاستاذ رزق اوغسطتين اما في البصرة فأفتتح صف ثانوي في المدرسة الابتدائية في قصبة مدينة البصرة.
3ـ تعليم الاناث في عهد الاحتلال البريطاني
لم تكن المرأة العراقية في عهد الاحتلال البريطاني بأحسن حال من اخيها الرجل. حيث لم تفتح السلطات مدرسة خاصة للبنات كونها لا تريد ان تقوم بعمل لا يرتضيه العلماء ورجال الدين كون الاعتقاد السائد بأنها ليست بحاجة الى بنات متعلمات مثل حاجتها الى شبان متعلمين ، فضلاً عن عدم وجود المعلمات اللائقات للتعليم فيها .
وقد وجد (بومن) ان الضرورة تقتضي بفتح مدرسة للبنات في بغداد . اذ ليس صحيحاً ان تحرم البنات المسلمات من التعليم دون غيرهن ، وقد ارتأى كخطوة اولى ان يستقدم احدى المربيات الانكليزيات ممن لديهم خبرة في التعليم لتتولى ادارة المدارس ووقع الاختيار على (المس كيلي) كونها تمتلك خبرة طويلة في التعليم في الهند ووصلت الى بغداد في شهر تشرين الاول لعام 1919 وباشرت عملها في وزارة الاوقاف ، وفي 26/1/1920 اعلنت نظارة المعارف فتح مدرسة رسمية للاناث في بغداد لتعليم وتربية البنات من جميع العناصر والاديان وكانت الفتيات الملتحقات بالمدرسة يذهبن الى المدارس محجبات حجاباً كثيفاً.
وكانت نظرة المجتمع لهن وخاصة الاوساط المتزمتة ترى في ذلك (تضليلآ وارجافاً وخروجاً بالفتاة عن الطريق السوي) ، وكان هذا رأي الاغلبية التي هاجمت تعليم الفتاة ، لان فيه افساداً للعقل وانتهاكاً للحرمات ومضيعة للاخلاق والابتعاد عن التقاليد فقد لعبت هذه الشريحة دوراً كبيراً في توجيه السياسة التعليمية في تلك الفترة. ، وقد تطورت مُقاومة تعليم الاناث من الشتائم والسباب والصاق التهم الشائنة الى الرجم بالحجارة واستخدام وسائل العنف من بعض الشباب مما اضطر السلطات الى اتخاذ تدابيرها لصيانة وسلامة المدرسة والطالبات ووضعت حرساً خاصاً للمرابطة في باب المدرسة.
ولم تلتحق في المدرسة للسنة الاولى سوى (8)طالبات. وهكذا نرى مما سبق ان عملية التعليم النسوي كانت تسير ببطء شديد بفعل عوامل عدة ، مما دفع وزارة المعارف العراقية عام 1921 ، وكان الوزير في هذه المرحلة هو (محمد هبة الدين الشهرستاني) الى فتح دورات تدريبية في بغداد والموصل ، وكانت مدة الدراسة فيها (3) اشهر ، بعدها أصبحت (6) اشهر وكانت مناهج الدورات تتضمن التربية واصول التدريس وتخرج من هذه الدورات للعام الدراسي 1921 – 1922 (93) معلمة تم توزيعهن على المدارس المفتوحة للبنات والتي لا تزيد عن (27) مدرسة في العراق ، وفي عام 1928 ، تم افتتاح دار المعلمات الابتدائية وكانت مدة الدراسة فيها (3) سنوات بعد الابتدائية اما بالنسبة لعدد التلميذات في مدارس العراق للعام الدراسي 1927 – 1928 هو (4879) تلميذة موزعات على (36) مدرسة و (192) معلمة ، بينما كان عدد التلاميذ الذكور لنفس العام (22263) تلميذاً موزعون على(233) مدرسة ، و (859) معلماً ، بالنسبة لبلد يبلغ عدد سكانه حسب تسجيل 1 /7 / 1927 يبلغ (2.968.054) وكان عدد الذكور (1.512.077) بينما كان عدد الاناث (1.455.977). ناصر فتح المدارس للبنات العديد من ارباب الفكر والمعرفة خلال تلك الحقبة ولاسيما جميل الزهاوي والجواهري الذي كتب قصيدة تأييدا لفتح مدرسة للبنات في النجف بعنوان "علموها"" وان كان موقفه هذا مخالفا لرأي رجال الدين في النجف المحافظ في معارضتهم لفتح المدرسة جاء فيها :ـ

ازدراء بالدين ان يحســـــــــــــــــب الدين بجهــــــــــــــــــــــــل وخـــــــــــــــــــــــــزية امارا
وبــــــــــــــــــــــلاء الاديان في الشرق هوج بأسمه ساموا النفوس احتكارا
تزدرى رغبة الجماهير في الشرق وتنسى ان خالفت انـــــــــــــــــــــــــــــفارا
اسلموا امرهم الى الشيخ عميــــانا وساروا يقفونه حيث ســـــــــــــــــــارا
وامتطاهم حتى اذا نال بغيــــــــــــــــــــــا خلع اللجم عنهم والعــــــــــــــــــــــذارى
واشتدت المعارضة لاقامة المدرسة في النجف وتثير قصيدة "علموها" الاصداء فيدفعه " اباؤه " الى كتابة قصيدة اخرى بعنوان "الرجعيون " يقول فيها مايهز كل الاوساط المحافظة في النجف وبغداد .جاء في مطلعها
ستبقى طويلا هذه الازمات اذ لم تقصر عمرها الصدمات
اذلم ينلها مصلحون بواسل جريئون فيما يدعون بواسل
سيبقى طويلا يحمل الشعب مكرها مساوئ من قد ابقت الفترات
قيودا من الارهاق في الشرق احكمت لتسخير اهلية ،لها حلقات
الم ترى ان الشعب جل حقوقه هي اليوم للافراد ممتلكات
غدا يمنع الفتيان ان يتعلموا كما اليوم ظلما تمنع الفتيات
وكانت المرأة تعاني من ضغوط أجتماعية ودينية واقتصادية جعلها لا تخرج من البيت الا ما ندر. وهذا يدلل لنا أن عملية تعليم الاناث كانت تسير ببطء شديد في تلك السنوات من تاريخ العراق فلم يرتقِ التعليم الى المستوى المطلوب؛ بسبب تلك الضغوط مما اآثر سلبا على مستوى التعليم والوعي السياسي للمراة في تلك الفترة.
ثانياً/ التعليم والوعي السياسي في العراق في عهد الانتداب البريطاني (1921 – 1932)
اثر تتويج الامير فيصل ملكاً على العراق في 23 / آب / 1921 القى السير (برسي كوكس) المندوب السامي البريطاني البلاغ الآتي.( لقد قرر مجلس الوزراء المناداة بسمو الامير فيصل ملكاً على العراق في جلستهِ المنعقدة في اليوم الرابع من شهر ذي القعدة من سنة 1329هـ الموافق ليوم (11تموز 1921) على ان تكون حكومة سموهِ حكومة دستورية ديمقراطية نيابية مقيدة بالقانون).
ولذلك عهد الى السيد عبدالرحمن النقيب مهمة تأليف اول وزارة في عهد الدولة الجديدة فالفها في اليوم نفسه واختار لمنصب وزير المعارف الشيخ (عبدالكريم الجزائري) الا انه اعتذر عن قبول هذا المنصب فأختار بدلاً عنه العلامة محمد علي هبة الدين الشهرستاني واستقالت هذه الوزارة في يوم 19 / 8 / 1922.
وخلال هذه الحقبة جرى تشكيل (13) وزارة وتم تسمية (18) وزيراً للمعارف او وكيلاً لها.
وقد اسندت وزارة المعارف خلال الحقبة الممتدة من (1921 – 1932) الى (13) وزيراً ويمكن اجمالها بالاتي :
1. السيد / محمد علي هبة الدين الشهرستاني / تولى منصب وزير المعارف يوم 27 / 9 / 1921 في وزارة النقيب الثانية وبقى في منصبهِ حتى استقال منه بتاريخ 14 / 8 / 1922.
2. الحاج / عبدالمحسن شلاس ، عهد اليهِ المنصب في الوزارة النقيبية الثالثة المتشكلة في 30 / 9 / 1922 الا انه اعتذر عن قبولهِ لانشغالهِ بأعمالهِ التجاريةِ.
3. الحاج / عبدالحسين الجلبي ، تولى المنصب بتاريخ 20 / 11 / 1922.
4. الحاج / محمد حسن ابو المحاسن ، عهد اليهِ المنصب بتاريخ 3/12/1923 وبقى في منصبهِ حتى استقالة الوزارة بتاريخ 2/8/1924.
5. الشيخ / محمد رضا الشبيبي ، عهد اليهِ المنصب بالوزارة الهاشمية الاولى في 4/3/1925 ، وبقي بالمنصب الى 14 / 3 / 1925.
6. حكمة سليمان ، تولى منصب وزير المعارف في الوزارة السعدونية الثانية بتاريخ 26 / 6 / 1925 ولم يبقى في منصبهِ هذا ، وعين بدلاً عنه في تاريخ 25 / 7/ 1925 الحاج عبدالحسين الجلبي.
7. السيد عبدالمهدي المتفكي ، اسند اليه المنصب جعفر العسكري في وزارته الثانية بتاريخ 21 / 11 / 1926 وظل في منصبه حتى استقالت الوزارة في 8 / 6 / 1927 فتولى وكالة وزارة المعارف رئيس الوزراء ثم تولاها وكالة ياسين الهاشمي.
8. محمد امين زكي ، تم عهد المنصب اليه يوم 6 / 8 / 1927.
9. السيد توفيق السويدي ، وعند تشكيل الوزارة السعدونية الثانية يوم 14 / 1 / 1928 عهد بالمنصب الى السيد توفيق السويدي وظل في منصبه حتى استقال منه في 19 / 9 / 1929.
10.الحاج عبدالحسين الجلبي ، وعند تشكيل وزارة عبد المحسن السعدون الرابعة عهد بالمنصب الى الحاج عبدالمحسن الجلبي وبقي فيه حتى 13/11/1929.
11. الحاج عبدالحسين الجلبي عهد اليه المنصب في وزارة ناجي السويدي الاولى بتاريخ 18 / 11 / 1929 وبقي فيهِ حتى استقال في 11/3/1930.
12. الحاج عبدالحسين الجلبي ، وعند تأليف نوري السعيد وزارته الاولى بتاريخ 23 / 3 /1930 عهد بمنصب وزير المعارف اليهِ.
13. الحاج عبدالحسين الجلبي ، وعندما الف نوري السعيد وزارته الثانية بتاريخ 19 / 10 / 1931 عهد بالمنصب الى الحاج عبدالحسين الجلبي ، وبقى بشغل هذا المنصب حتى دخول العراق عصبة الامم في 3 / 10 / 1932.
ما يلاحظ ان هولاء الاشخاص لم يكن لهم ادنى دراية بأمور الوزارة والمهام التي يقومون بها مما ادى الى عدم استقرار برنامج الوزارة لا سيما ان هذا التغيير السريع في الوزارة يتبعه تبديل في الخطط والوظائف ، في بلد حديث النشأة ولايمتلك رؤية سابقة او خطط مستقرة مما ادى الى عدم وضع خطة وطنية قومية للوزارة تسير عليها المعارف في تنشئة الجيل.
وعندما تولى ساطع الحصري وظيفة المعاون لوزير المعارف في عهد وزارة السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني ... بدأ بدراسة حالة المدارس في العراق ، فكانت المدارس الرسمية من أولية و ابتدائية نحو (40) مدرسة وكان عدد معلميها ومعلماتها (480) معلماً. ومجموع تلاميذتها (8193) تلميذاً وقد لاحظ (ساطع الحصري) ان ثلثي هذا العدد كان في لواء الموصل. واما الثلث الباقي فكان موزعاً بين سائر الالوية. ولاحظ ان عدد مدارس الخاصة بالمسلمين كان (6) مدارس ، اما المدارس الخاصة بغير المسلمين فكانت (17) مدرسة للذكور و (9) للاناث منها (2) للبنات المسلمات ومما زاد في استغرابه اكثر من هذا التوزيع ، انه رأى عدد نفوس المسلمين من سكان الموصل كان سبعة اضعاف السكان غير المسلمين فطلب الملك من حكومته (ان تبذل الاهتمام البالغ بأمور المعارف ، والعمل المتواصل لتزييد المدارس في جميع انحاء العراق ) فكان الملك مدركا لتوجهات الاحتلال في هذا الشأن حيث يقول في هذا الشأن ساطع الحصري (ان سياسة المعارف ازاء مدارس الطوائف غير الاسلامية في الموصل كانت من اسوأ الامور التي ورثتها وزارة المعارف العراقية من الادارة البريطانية اذ كانوا يقولون ان هذه السياسة مبنية على اتفاقية تم عقدها بين ادارة المعارف وبين رؤساء الطوائف الدينية في عهد الحكم البريطاني ، وكان الكثيرون وعلى راسهم ـ وكيل بطريركية السريان الكاثوليك ـ يسمون الاتفاقية المذكورة بأسم (الكونكرداتو) وكانت المعارف تتولى الانفاق على المدارس المذكورة اسوة بالمدارس الرسمية ـ غير انها لاتستطيع ان تنقل او تعين او ترفع او تعاقب احدا من مديري او معلمي تلك المدارس دون ان تحصل على موافقة الرئيس الديني، وكان الكثيرون يعتبرون النظام الذي تأسس بموجب الاتفاقية السالفة الذكر "نظام ادارة المعارف المشترك بين ادارة المعارف ورئاسة الطائفة ) وقد وجد لهذه الاحصائيات ان هذه المدارس اصبحت موزعة في سنة 1921 – 1922 على الالوية .
ونلاحظ من خلال دراستنا لواقع التعليم في هذا العهد ، ان السياسة التعليمية لم تسهم في بناء وعي سياسي لافراد المجتمع لافتقارها الى اهم الاسس او المعايير التي من شأنها ان تغرس روح المواطنة وتعزز الهوية الوطنية ، كون اغلب المناهج التي اعتمدتها الهيئات التدريسية في تدريس التلاميذ لم تخصص مناهجها لتنشئة الجيل الجديد بل كانت مخصصة لتلاميذ مصر أي انها تفتقر للاسس والقيم الوطنية وخاصة المناهج التي تم وضعها في عهد (بومن) ، اضافة الى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي مر بها الفرد العراقي في ظل الدولة العثمانية وزمن الاحتلال البريطاني ، كانت كفيلة بأن تجعل توجهات الفرد العراقي نحو المواضيع السياسية ضعيف جدآ فهو لايرتبط بأي طريقة أيجابية بالمؤسسات السياسية ولا القضايا الوطنية حيث يشعر بأنه غير مؤثر فيها وبالتالي كان تأثيره سلبياًفي الوعي السياسي للمواطن في تلك المرحلة ،ولكن مع تولي ساطع الحصري واعتماد منهج جديد للتعليم ولاسيماعام (1922 – 1923) حيث حذفت اللغة الانكليزية من مناهج السنوات الاربع الاولى في جميع المدارس ، وتم اضافة مواد تتضمن السياقات المدنية والاخلاقية الخاصة العراق ، فضلاً عن دعوتهُ الى الاهتمام بالطفولة المبكرة (رياض الاطفال ، والمناهج والاشراف التربوي ، ووضع اراء جديدة للتعليم وتطوير طرائق التدريس ليثمر ذلك تحقيق هدفين هما :
1. بناء المعارف على اسس متينة ودعائم قوية وفق خطط علمية وتربوية حديثة.
2. العمل على تقوية الشعور الوطني والقومي في نفوس ابنائه وتنشئة الجيل الجديد على الايمان بوحدة الامة العربية.
المطلب الثاني /التعليم والوعي السياسي في العراق في العهد الملكي(1932ـ1958)
في تشرين الاول من 1932 ، دخل العراق عضواً في عصبة الامم وانتهى نظام الانتداب على صورة رسمية ، وبقيت الهيمنة البريطانية تشرف على نظام الحكم الجديد لكن من وراء الستار. وخلال الحقبة الممتدة من 1932ـ 1941 وهي عهد الاستقلال تم تشكيل (16) وزارة ودخل فيها (30) وزيرا جديدا ، اما في عهد الاحتلال البريطاني الثاني للعراق تم تشكيل (6) وزارات من عام 1941ـ 1946 ،ومن عام 1946 لغاية انتهاء وصاية الملك عبد الاله على عرش العراق وهو اليوم الخامس من شهر آيار عام 1953 تم تشكيل (13)وزارة أما عدد الوزارات التي الفت في عهد الملك فيصل الثاني من عام 1953 ولغاية 13 تموز 1958وهو تاريخ انتهاء العهد الملكي في العراق . فكان (10) وزارات وبهذا يصبح عدد الوزارات التي آلفت ما بين 25 تشرين الاول سنة 1920 واعلان نظام الحكم الجمهوري في 14 تموز 1958 (59) وزارة واشترك فيها (175) وزيراً.
وان الافراط في تغيير الوزارات وتكرار شخوصها وتعطيل الدستور وفرض الاحكام العرفية وتعرض المجالس النيابية للحل وتردي الاوضاع الاقتصادية كل هذهِ كانت مؤشرات تميزت بها تلك المرحلة أسهمت في تأخر بناء الدولة الفتية ، حيث كان في اغلب الاحيان يتم اسناد المناصب التنفيذية والمقدمة في الدولة الى نفس الاشخاص ولاسيما كبار السن مما دفع الشباب الذين يتوقون ممارسة الحكم الى الانضمام لمقاومة النظام الملكي وتغييرهُ.
وعلى الرغم من هذهِ الاوضاع السياسية التي شهدتها تلك المرحلة فأن الوزارات المتعاقبة في وزارة المعارف اهتمت بالتربية والتعليم ففي 3 تشرين الثاني عام 1932 عند تعيين ناجي شوكت رئيساً للوزراء كان وزير المعارف في تلك الفترة(عباس مهدي)الذي تبنى منهاجاً للسياسة التربوية والتعليمية في البلاد من خلال :
1. توسع التعليم الاولي وجعله اكثر انطباقاً على الحاجات المحلية.
2. جعل مناهج الوزارة كافلة لتنمية روح الاعتماد على النفس والعمل.
وعند تعيين رشيد عالي الكيلاني 1933 رئيساً للوزراء واختيار السيد عبدالمهدي وزيراً للمعارف كان منهاج الوزارة فيما يخص التربية والتعليم هو ((رفع مستوى التهذيب في المدارس الثانوية والعالية وتوسيع نطاق التعليم الابتدائي والاهتمام بترقية المدارس الصناعية وزيادة الكفايات العلمية والفنية ، بزيادة البعثات العلمية وفتح المدارس القروية ، ومدرستي الهندسة والزراعة ، والعناية بمكافحة الامية ، وتقوية الكشافة يتوسع تشكيلاتها.
بيد ان هذه المناهج والدعوات الى الاصلاح بقيت حبر على ورق فلم يكون هنالك اهتمام حقيقي وواضح بالمواطن العراقي بسبب الاوضاع السياسية الاستثنائية والتغيير المستمر في الوزارات.
وعلى الرغم من الجهود الحقيقية في بداية الثلاثينات لدراسة واقع التعليم انذاك بواسطة لجنة امريكية ، ثم استقدامها الى العراق (1913) برئاسة (د.بول مونرو) شارك فيها بعض العراقيين الذين تخرجوا من الجامعات الامريكية مثل متي عقراوي ، محمد فاضل الجمالي ، اذ تم تحديد ورسم ملامح مستقبل التربية والتعليم والسياسة التربوية ،وعليه ففي عام (1937) عقد مؤتمر لتحديث التعليم وتم خلاله الدعوة لمحو الامية وفي عام (1946) اوصيت لجنة العشر سنوات الاستعانة ببعض الخبرات الاجنبية لوضع تصور شامل للتخطيط للتعليم العام.
وكان لكل وزارة جديدة منهاج جديد يرسم مستقبل البلاد الا ان هذه المناهج لا يتم تطبيقها بسبب التغيير السريع والمستمر بالوزارة حيث لا يستمر عمر بعض الوزارات سوى ايام او شهور ، كما موضح في الجدول التالي الذي يعطينا فكرة عن التعدد المبالغ فيه بالوزارات حيث تم تشكيل (46) وزارة خلال الحقبة الممتدة من 1936 – 1958م.
لقد ارتفع مستوى عدد التلاميذ للمدارس الابتدائية للعام الدراسي 1920 – 1921 من (8001) تلميذ الى (89482) في العام الدراسي 1939 – 1940 وخلال الحقبة نفسها ارتفع عدد طلبة المرحلة الثانوية من 110 الى (13595) وارتفع عدد طلاب الكليات الحكومية من 99 في العام الدراسي 1921 – 1922 الى (1218) في العام الدراسي (1940 – 1941). وفي العام الدراسي 1958 – 1959 كان العدد (8568) طالباً وكان ارتفاع طلبة الكليات مرتبطاً بارتفاع عدد مؤسسات التعليم العالي .
وهي عملية اشتدت وتيرتها بعد عام 1945 هذا التقدم في التعليم اقترن بتأسيس كلية القانون في عام 1921 وكلية التربية في العام 1923 وكلية الطب في العام 1927 وكلية الهندسة في عام 1952 ، وتم تأسيس تسع كليات اخرى خلال اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.
على الرغم من ارتفاع عدد الطلاب لكن الملك فيصل كان يرى ان النظام التعليمي في العراق متخلف وهذا سوف يؤثر في مستقبل البلاد حيث كان يسعي من وراء التعليم هو لتخريج طلاب للتوظف في دوائر الدولة ، وقد حاول الملك فيصل ادخال، بعض الاصلاحات . فرأى ان تدرس في مدرسة الموظفين بعض العلوم العسكرية ومبادئ هندسة الطرق والزراعة والهندسة المعمارية وموضوعات اخرى يحتاجها موظفو الدولة .
وبعد ان بدأ العراق بالاعتماد على امكانياته بشكل تدريجي ليكون دولة معترف بها، سعى الى دخول في عصبة الامم بمساعدة بريطانيا ، عندها عكف ساسة البلاد على تطوير التعليم والاعتماد على ابناء العراق في مسك دوائر الدولة العراقية ومؤسساتها وعندئذ تمكن من رسم الملامح الاساسية لقانون التعليم واسس التربية التي كانت معدمة في ظل حكم الدولة العثمانية.
وفي عام 1933 توسعت المؤسسات التعليمية في مختلف ارجاء العراق ولاسيما المناطق الجنوبية مما شجع الاهالي الى ارسال اولادهم الى المدارس فزاد عدد الشباب المتعلمين.
على ان اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين قد ادت سياسات التعليم العام والعصرنه الى ظهور طبقة وسطى حديثة التعليم ، واضعفت التغيرات الناتجة عن ذلك النسيج الاجتماعي التقليدي المتمسك بهويتهُ الدينية والقبلية واصبحت الطبقة الوسطى الاساس للتعرف على المفاهيم السياسية وطرق التفكير العصرية وتصاعد في وعي الشباب السياسي؛ ونتيجة لذلك ظهرت مواضيع جديدة تشغل اهتمام الناس مثل القومية ، المواطنة ، الامبريالية ، السيادة ، المساواة ، الحرية ، العدالة الاجتماعية ، والصراع الطبقي.
وبذلك ظهر الطلاب كقوة وطنية فاعلة في الشارع العراقي وطالبو بالتنظيم الطلابي لغرض توجيه الحركة الطلابية في المسار الصحيح ، كما تحسس الطلاب بمختلف مستويات التعليم ، مشاكل العراق وعملوا على استغلال جميع المناسبات الوطنية والقومية للمشاركة الفاعلة في الاندماج مع الجماهير للمطالبة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
المطلب الثالث/ التعليم والوعي السياسي في العهد الجهوري
اولاً/ التعليم والوعي السياسي في العهد الجمهوري الاول أعلن عبد السلام عارف من الاذاعة في بث مباشر في 14 تموز / يوليو 1958 ان الجيش قام (بالثورة ) ، ليصبح عبدالكريم قاسم وهو من والدين مختلطين من السنة ومن الشيعة الكرد، رئيساً للوزراء والجمهورية ، بينما تولى عارف منصب نائب رئيس الجمهورية ، وتم تشكيل حكومة جديدة يقودها مجلس سيادة مؤلف من ثلاثة رجال ومصمم ليمثل المجتمعات الثلاثة الرئيسة (الشيعة ، والسنة ، الكرد) وقد انعكس هذا التنوع العراقي في الوزارة الاولى المؤلفة من( ستة من السنة )و(خمسة من الشيعة) و(اربعة من الكرد).
وبالنظر لوجود التيار القومي بكثرة داخل مؤسسات الدولة ، فقد حاولوا احكام السيطرة على المؤسسات التربوية لخلق جيل موالي تمام الولاء للقومية والوحدة العربية لكنهم اصطدموا بالزعيم عبدالكريم قاسم الذي خرج عن خططهم واوضح لهم ان الولاء للعراق اولاً واخيراً. وكان الحزب الشيوعي معهُ في هذا الخط ، فكان الصراع كبيراً بين هذين التيارين التيار القومي وكادرهُ العسكري والتيار الشيوعي العراقي مسنوداً من الزعيم عبدالكريم قاسم ، وعلى هذا تم تعيين جابر عمر وزيراً للمعارف في 14 تموز 1958 كأول وزارة في العهد الجمهوري.
اكد عبدالكريم قاسم ان سياسة التعليم يجب ان تكون بعيدة عن الميول والاتجاهات وعلى وفق مصلحة الجيل الناشئ ، ورأى ان ينصهر جميع العراقيين في بودقة واحدة ، والحفاظ على كيان الدولة والالتفاف مع الدول العربية واضاف في مؤتمر التربية والتعليم – الذي كان خليطاً من مختلف المبادئ والعقائد والاجتهادات ، وان العراق جزء من هذه الامة وكان هدفه هو ان يعم الاستقرار والهدوء للنهوض بمؤسسات الدولة بعيداً عن الاممية.
وفي هذه الحقبة تزامناً مع ظهور المدنية والطبقة الاجتماعية المتوسطة ، وطموح رفع مستوى الطبقة الفقيرة ، ونتيجة مجانية التعليم ، ازداد عدد الدارسين ، وهو ما اضطر الدولة الى زيادة نسبة المدارس في مختلف اقضية العراق ونواحيه.
فقد ازداد عدد المدارس المتوسطة والثانوية الرسمية والاهلية خلال المدة ما بين (1957 – 1959) من 244 مدرسة الى 326 مدرسة ، وعدد المدارس المهنية من 34 الى 57 مدرسة ، وبعد ثورة 14 تموز تم فتح 77 مدرسة في الموصل و25 في ديالى و25 في اربيل و31 في بغداد و25 في الالوية الاخرى.
وقد شهدت هذه المرحلة (مرحلة التعارضات العقائدية) وهي المدة الممتدة من عام 1958 – 1963 حقبة حكم عبدالكريم قاسم صراعاً عقائدياً بين دعاة التوجه الوطني المتمثل بالحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي وبين الاحزاب ذات التوجه القومي العروبي الذي يدعو الى تبني هوية قومية عربية بدلاً من الهوية الوطنية العراقية.
ونلاحظ من خلال ما سبق كانت هنالك محاولات جادة نحو خلق جيل ناشئ مشبع بالروح الوطنية والانتماء والولاء للعراق وبخاصة في قطاع التعليم والحملة التي شنها عبدالكريم قاسم في توسيع المدارس ومجانية التعليم على عكس ما شهدته الفترة السابقة ، الا ان الصراع بين دعاة التوجه الوطني والتوجه العروبي أثر بالسلب في وعي الشباب السياسي المتأرجح بين الولاء للوطن و الولاء للعروبة .
ثانياً/التعليم والوعي السياسي في عهد عبدالسلام وعبدالرحمن عارف(العهد الجمهوري الثاني )
في الثامن من شباط / فبراير 1963 بدأ التدخل السياسي من جانب القوميين العروبيين بأغتيال قائد القوة الجوية جلال الاوقاتي تبعها هجمات جوية على وزارة الدفاع ، وفشلت محاولة اولية استهدفت حياة عبدالكريم قاسم ، وخوفاً من حمام دم وحرب اهلية رفض قاسم طلب الشيوعيين بتوزيع السلاح على الاف من انصاره الذين خرجوا الى الشوارع في الاحياء وبعد يوم من الخسائر الكثيرة من الجانبين استسلم قاسم وتم قتلهُ ميدانياً دون محاكمة من قبل فرقة أعدام ، وقاد الانقلاب ضباط قوميون عروبيون وبعثيون ، كما ولعب الجناح المدني للبعث دوراً حيوياً خلال مراحل التنظيم والتنفيذ ، تم تعيين عارف رئيساً للجمهورية ، واصبح احمد حسن البكر ، وهو ضابط بعثي ، رئيساً للوزراء ونائباً لرئيس الجمهورية ، وتم تعيين السعدي سكرتير البعث ، نائباً لرئيس الوزراء ووزير الداخلية.
وقد انتقد اول بيان اذاعي لزعماء الانقلاب عبدالكريم قاسم واعلن ان هدف الانقلاب هو ((تحقيق الوحدة العربية)) ووصف قاسم بأنه عدو الله وعدوكم وكانت الافكار القومية والعروبية تمثل ايدلوجية الماسك الجديد للسلطة.
الا انه بعد تمكن زعماء الانقلاب السيطرة على دفة الحكم فكانت سياستهم هي تصفية المدرسين الموالين للزعيم عبدالكريم قاسم واغلبهم من الشيوعيين فقامت الحكومة بتطهير المدارس من المعلمين المنتمين الى الحزب الشيوعي والمعارضين للمد القومي وقد سمي هذا القانون بقانون التطهير ، وبعد استتباب الامن قامت بإرجاعهم الى وظائفهم.
ومع التوسع الذي اعقب (ثورة 14 تموز 1958) واتجاه العراق نحو التحرر من الاستعمار والتخلف انفتح التعليم بشكل اكبر للاخذ بالاتجاهات التربوية الحديثة التي جسدها المؤتمر الاول للتعليم العام سنة (1961) وما جرى بعدهُ ولاعادة النظر وللمرة الاولى في فلسفة التعليم واهدافها لعام (1963) والانفتاح مع المنظمات الدولية للتربية والتعليم ولاسيما منظمات اليونسكو واليونسف حيث تم تحديد اربع وظائف هي :
1. تعيين الفلسفة التربوية التي نريد ان نقيمها ونستقر عليها ونهتدي بها.
2. وضع الاهداف التربوية لكل مرحلة من المراحل التعليمية المختلفة.
3. تشكيل لجان تنبثق من المجالس وتقوم كل لجنة بالعمل المناسب
4. رسم الخطط وايجاد الاساليب لتنفيذ تلك الاهداف.
وفي نهاية عام (1964) طبق مشروع الفرق التوجيهية بالتعاون مع اليونسكو اليونسيف وحددت للمشروع اهداف رئيسة تتضمن:
1. دراسة الاتجاهات الحالية التي تمارسها المدارس الابتدائية من الالوية والمحافظات.
2. تلمس المشاكل التي تعاني منها المدارس الابتدائية.
3. تشجيعهم على متابعة التطورات الحديثة في ميزان التربية والتعليم.
4. تنمية المجتمع بجعل المدرسة في العراق مؤسسه اجتماعية واعداد منهج تعليمي بمستوى عال واعادة النظر في تنظيمات المعلمين ومناهجها وكتبها وطرائق التدريس منها.
ان هذه التطورات السياسية في الساحة العراقية تبعها تطورات في ميدان التعليم وعلى مستوى الطلاب والمعلمين والمدرسين.
ثالثاً/التعليم والوعي السياسي في العهد الجهوري الثالث
حددت المادة (28) من الدستور المؤقت لعام 1970 اهداف التربية والتعليم ((يستهدف التعليم رفع وتطوير المستوى الثقافي العام وتنمية التفكير العلمي واذكاء روح البحث وتلبية متطلبات مناهج التطوير والانماء الاقتصادية والاجتماعية ، وخلق جيل قومي متحرر تقدمي قوي في بنيته واخلاقهُ ، يعتز بشعبه ووطنه وتراثهُ ويتحسس بحقوق قومياتهُ كافة ، ويناضل ضد الفلسفة الرأسمالية والاستغلال والرجعية والصهيونية والاستعمار من اجل تحقيق الوحدة العربية والحرية والاشتراكية)).
ونتيجة لتزايد التعليم في هذه المرحلة ولاسيما التعليم العالي مع بداية عام 1972 ظهرت الحاجة الى ايجاد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية والتعليم بدلاً من وزارة المعارف ، واطلق العراق عام 1976 التعليم الخاص لذوي العناية الخاصة ، ولعل االثورة التعليمية التي عاصرتها الدولة كان جلها بين عامي 1976 – 1986 اذ ازدادت نسبة المتخرجين بالمدارس الابتدائية نتيجة التعليم الالزامي بواقع (30%) كان (45%) منها للفتيات. وازداد عدد المدارس الابتدائية بواقع 44% في حين زاد عدد المدرسين في تلك الفترة بواقع 40% على ما كان عليه في الحقبة السابقة ، اما بالنسبة للمدارس الثانوية فقد ازدادت نسبة الطلبة بين عامي 1976 – 1986 بنسبة 46% تجاوزت نسبة الاناث فيها 55% في حين ازداد عدد المدرسين في المدارس الثانوية بواقع 67% على ما كان عليه في السابق.
وجاءت الحلقات الدراسية الثلاث (1970 – 1972) التي تمثل توجهاً جاداً وجديداً في النظر الى التعليم العام كفلسفة واهدافاً ومناهج تدريب المعلمين وطرائق التدريب واهم ما اهتمت بهِ هذه الحلقات هي :
في الحلقة الدراسية الاولى
1. تم النظر في الفلسفة والاهداف التربوية.
2. السياسة التعليمية.
3. تنظيم وزارة التربية والتعليم الهيكل الاداري.
4. خطة العمل التربوي المستقبلي.
في الحلقة الدراسية الثانية
1. دراسة مشروع قانون ونظام وزارة التربية.
2. وضع التعليم في اطار الادارة المحلية.
3. مواصلة بحث فكرة المدرسة الابتدائية ذات الصف الواحد والمدرسة ذات الصفوف الثلاثة والمدرسة الثانوية الشاملة لمعالجة مشكلات التعليم والتوسع فيهِ في البلاد.
4. بحث موضوع تعميم التعليم الابتدائي وكيفية التخطيط.
5. بحث موضوع محو الامية بين الكبار.
اما الحلقة الثالثة ، فقد تم دراسة تقرير الاطار العام لخطة تعميم التعليم الابتدائي والموافقة عليهِ وما تضمنتهُ من اهداف عامة ومبادئ واسس واتجاهات وتقديرات لاعداد التلاميذ والمعلمين ، وتلبية متطلبات تنفيذ الخطة وما هي تكاليفها ونفقاتها ، وتخصيص جهاز فني للتخطيط التعليمي في كل محافظة ، والتوجه نحو التوسع في التعليم المتوسط وتعميمه بعد عام (1980) والاستمرار في التوسع بالتعليم على المستوى الاعدادي ، وتشجيع مبادرات التمويل المجتمعيه للتعليم ، والاهتمام بالمناهج والكتب المدرسية ونظم الامتحانات وتطويرها.
لقد شارك في هذه الحلقات الدراسية مربون متخصصون من العراق والدول العربية ومنظمات اليونسكو واليونسيف والمنظمات الدولية وبرعاية رسمية عالية تمثل بداية حقيقية وجادة للاخذ ببعض الاتجاهات التربوية الحديثة.
وانتهج العراق سياسة تعليمية منفتحة جداً ينتهي بها الطالب للانخراط اما في كليات ومعاهد التدريس او في الجامعات ، التي بلغ عددها (13) جامعة او في المعاهد الفنية البالغ عددها حينها (27) معهداً فنياً. وانتعش التعليم في تلك الحقبة من زيادة في الطلاب والمدرسين والمعلمين فضلاً عن زيادة في عدد المدارس أنظر شكل رقم (7) ادناه .
وبطبيعة الحال فقد سعى حزب البعث كحزب قومي الى محاولة ادلجة النظام التربوي في العراق لاسيما عهدي الثمانينيات والتسعينيات ،من خلال تغيير المناهج وخاصة التربية الوطنية والتاريخ وعسكرة المجتمع في ما يسمى منظمات الطلائع والفتوة واشبال صدام ، فضلا عن تغيير كافة الادارات المدرسية التي لا ترتبط به بشكل او بآخر بقيم الحزب او مفاهيمه، فضلا عن كسب صفوف المعلمين بالاغراءات والضغوطات . والشكل التالي يوضح أحصائيات التربية والتعليم قبل انهيار الدولة العراقية 2003.
وبدون شك فقد ادت ادلجة التربية والتعليم والثقافة الى تدهورها وانحرافها بعد ان كان العراق يمتلك نظاما تربويا وتعليميا متقدما ، خاصة بعد تعرض العراق لاسيما بعد التسعينات الى الحصار الاقتصادي ليعكس تحديات عميقة على السياسة التعليمية ، فبعد ان كان العراق يمثل الدرجة (54) عام 1990 حسب تسلسل الدول على وفق مؤشرات التنمية البشرية اصبح في الدرجة (96) عام 1993 ثم الى (100) عام 1994 ثم الى (106) 1994 ثم الى (109) عام 1995 على الرغم من بقاء العراق ضمن الدول ذات معدلات التنمية البشرية المتوسطة ، وانحدر مستوى التعليم في العراق مقارنة بالدول العربية الاخرى بمرحلة السبعينات التي وصل فيها العراق وحسب تقارير اليونسكو الى مرحلة متقدمة من القضاء على الامية ، وحجم الانفاق بدأ بالتراجع مع استمرار الحرب العراقية الايرانية (1980ـ 1988) ثم ازدياد الوضع سوءآ بعد عام 1991(حرب الخليج لثانية مع استمرار الحصار الدولي ) ، وخلال هذه الحقبة كان ابناء الطبقة الوسطى قد باعوا معظم مقتنياتهم كالحلي والمجوهرات والتحف للتعويض عن تدهور مدخولاتهم الشهرية والا ان الوضع الاقتصادي المزري أجبر عددآ ليس قليل من العوائل العراقية الى اخراج ابناءهم من المدارس ، فبحلول عام 2000كان ربع طلاب المدارس قد تركوا الدراسة لاسباب اقتصادية بالدرجة الاولى ، حيث كان على الاولاد الصغار البحث عن عمل لمساعدة عوائلهم الفقيرة ، فضلاً عن انخفاض معدل دخل الفرد العراقي ، وتدني الدخل الشهري للاستاذ الجامعي خلال التسعينيات حيث كان يتقاضى مبلغ مقداره (4ـ 10) دولارات امريكية ، لقد انتج ذلك الخوف والعجز والخضوع من مواجهة الواقع نوعا من التمركز على الذات والعزلة كألية من اليات الدفاع عن الذات وفقدانهم للحرية فاصبح لديهم شعور بالاغتراب وعدم القدرة على الوعي بصورة عامة والوعي السياسي بصورة خاصة ، كونهم يشعرون بأن حياتهم مهددة بالخطر وهذا ماافقده حريته وانسانيته واخذ بالدفاع عن نفسه بشتى الطرائق والوسائل للحفاظ على حياته ورزقه وعائلته ، وقد تجلى هذا الخوف بصور واشكال واساليب ووسائل مباشرة وغير مباشرة وهي :.
1ـ الخوف من السلطة / اي سلطة ورموزها وهو هاجس يسيطر على جميع الافراد .
2ـ الخوف من الاخر/ الذي يبدو له عدوا وليس نداً مساوياً له في الحقوق والواجبات ، ولذلك يحاول قمعه ويصبح القامع والمقموع واحدآ .
3ـ الخوف من الذات نفسها/ وهو هاجس اخر يمكن تفسيره بميل الفرد للخضوع الى الاقوى وعجزه عن رد الاذى عنه او مجابهته والتحرر منه ،وللاسف اصبح ذلك سمة الشخصية العراقية وطبيعة اساسية فيها .
4ـ الخوف من الحرية نفسها ـ اي الخوف من الضمير والوجدان ومن المجتمع ومن وسائل الضبط العرفية والوضعية ، الى جنب الخوف على المصلحة الخاصة والمنفعة الذاتية التي تتضارب في اكثر الاحيان مع الحرية ومصلحة الاكثرية.
نستنتج مما سبق عرف النظام التعليمي في العراق محطات عديدة تراوحت بين الصعود والهبوط ، وهذه المحطات تأثرت بدون شك بطبيعة الواقع العراقي والاحداث السياسية التي عرفها ، بالشكل الذي انعكست بشكل عميق ومؤثر في طبيعة النظام التعليمي فيه والمخرجات التي انتجها .



#خولة_جبار_محمد_الجنابي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في اهم الاستراتيجيات المتخذة في مجال التعليم و التعلم ...
- سبل أنجاح العملية التربوية والتعليمية في العراق بعد عام 2003
- الديمقراطية كمفهوم عن الحرية والعدل والمساواة في الحقوق والو ...


المزيد.....




- قُتل في طريقه للمنزل.. الشرطة الأمريكية تبحث عن مشتبه به في ...
- جدل بعد حديث أكاديمي إماراتي عن -انهيار بالخدمات- بسبب -منخف ...
- غالانت: نصف قادة حزب الله الميدانيين تمت تصفيتهم والفترة الق ...
- الدفاع الروسية في حصاد اليوم: تدمير قاذفة HIMARS وتحييد أكثر ...
- الكونغرس يقر حزمة مساعدات لإسرائيل وأوكرانيا بقيمة 95 مليار ...
- روغوف: كييف قد تستخدم قوات العمليات الخاصة للاستيلاء على محط ...
- لوكاشينكو ينتقد كل رؤساء أوكرانيا التي باتت ساحة يتم فيها تح ...
- ممثل حماس يلتقى السفير الروسي في لبنان: الاحتلال لم يحقق أيا ...
- هجوم حاد من وزير دفاع إسرائيلي سابق ضد مصر
- لماذا غاب المغرب وموريتانيا عن القمة المغاربية الثلاثية في ت ...


المزيد.....

- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا
- مدخل إلى الديدكتيك / محمد الفهري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - خولة جبار محمد الجنابي - السياسة التعليمية في العراق بعد عام 2003(السمات والخصائص)