أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أبوبكر المساوي - عقدة الذنب عندنا














المزيد.....

عقدة الذنب عندنا


أبوبكر المساوي
باحث

(Aboubakr El Moussaoui)


الحوار المتمدن-العدد: 7796 - 2023 / 11 / 15 - 04:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عقدة الذنب عندنا لها طعم خاص،
سم زعاف،
كثيرا ما أسمع وأنا جالس أو مار بين الناس أحدا يردد "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وغالبا ما يكون هؤلاء الناس طيبين جدا إما بطبعهم أو لتربيتهم السوية-طبعا بمعايير المجتمع- وليس نتيجة لتدينهم، فتختلط في داخلي الأحاسيس وتتقاطر الأسئلة، ما الذي جناه يا ترى هذا المسكين حتى يردد هذا الكلام الثقيل على القلب؟ أتراه قتل أحدا؟ لا، قد يكون من السارقين؟ طبعا لا، لعله ارتكب فاحشة أو كبيرة من الكبائر؟ لا هذا و لا ذاك...و الأكثر من ذلك أنه من فرط طيبته أو ربما من شدة خوفه من عقاب شديد العقاب أو طمعا في رحمة ومكافأة الرحمن الرحيم لا يجرؤ على إلحاق الضرر بكائن حي و لو بكلمة أو بنظرة، حتى و إن تعرض للإهانة أمام الملأ، وقد يكون ذلك من حجم الاحتياطات التي يصر على اتخاذها تفاديا لانتقاد جماعته التي لا تحس به أصلا، ولا تراه ولا تدرك إن كان موجودا من شدة حرصه على عدم الاقتراب من الخطوط الحمراء التي سطرها المجتمع وعدم جرأته على مساءلة الوصايا العشر التي ورثها عن أجداده كما ورثوها هم بدورهم عن أجدادهم ولو من باب المزاح أو الفضول في استكشاف المحرم والممنوع، كما يحرص المسكين على أن يتشبه بالأشياء التي تنطبق عليها صفة عدم الوجود، التي لا تسمع ولا تشم ولا ترى.
مع هذا كله لا أجد في نفسي إلا أن "أشفقز" (خليط بين الشفقة والاشمئزاز) عليه ومنه وأقول مسكين، ضحية من ضحايا عقدة الذنب التي زرعها فينا من يريدنا أن نكون منكسرين على الدوام...ولأنني أنتمي إلى هذه البيئة الموبوءة وأعرفها جيدا أتخيل حواره مع نفسه، ترى، هل يعرف الناس أني أفعل الكثير وأضحي بالكثير، وأقوم بما قد ينقص من قيمتي ويضرني في شخصي وكينونتي كي يكونوا راضين عني؟ أشعر وكأنه يعيش في ذلك النوع من الكوابيس التي يصيح فيها الإنسان بأعلى صوته في وسط جمع من الناس لينقذوه من مخالب وحش أو لمجرد أن يلتفتوا إليه ويشعروا بوجوده لكن دون جدوى، أما في علاقته مع الضفة المقابلة للوجود المادي فإن هوسه قد فاق حدود تحمل العقل البشري، فتراه المسكين كالذي أصيب بالحمى يهذي بدون توقف، هل تقبل مني ذلك الكبير جدا أم أنه لم يتقبل؟ هل هو راض عني؟ هل سأنال المكافأة هنا أم يجب أن أنتظر ذلك ال"هناك" الذي يحدثونني عنه في كل لحظة و حين؟ لماذا لا يأخذني العظيم جدا إلى ذلك ال"هناك" الآن وحالا؟ هل استحق هذا الهواء الذي أتنفس؟ هل أنا جدير بهذه النعم التي منَّ بها علي؟... علما بأنه يستيقظ كل يوم في الصباح الباكر للذهاب إلى العمل لأكثر من عشر ساعات ويشقى ويتعب لأجل لقمة العيش وينسى دائما أنه حين يقعد عن العمل يأكل ما تبقى له من فتات من الأيام الخوالي، أيام العمل، أو قد يتسول لسد جوعه فيجيب دعوته إنسان أحسن حالا منه ربما، لكنه يبقى إنسانا مثله أما العظيم جدا والكبير جدا فلا يبالي بجوع أحد ولا بمرض ولا بحرب وقتل أبرياء ولا اغتصاب أطفال ولا بزلزال ولا بركان، لم يتدخل في ما مضى ولن يتدخل أبدا، أما التدخل سواء بالخير أو بالشر فمن اختصاص الكائن البشري وهذا ما يشهد به التاريخ ويقبله العقل، فالإنسان يمن ويغدق على أمثاله وعلى باقي الأحياء وهو في بحبوحة العيش وحين يفيض الخير، وفي المقابل قد يصل إلى حد قتل أقرب المقربين على كسرة خبز أو قطرة ماء أو إن حدث وقل الزاد وشحت الموارد، و قد يقتل لمجرد القتل أو ربما بسبب مرض في دواخله أو لمجرد إثبات قوته لنفسه أو لقرينه، أو لتوسيع مجال سلطته و نفوذه...رغم كل هذا ورغم معرفته بالشيء الكثير عن الإنسان وعن تاريخ الإنسانية ورغم كل التجارب التي مر بها تجده يصر على أن يجعل بينه وبين عقله حجابا ويتمسك بما ينتهي به إلى عمق بئر تاريخ الطفولة البشرية، فتنطفئ أضواء العقل عنده بهذا الإعداد النفسي المتقن، وينتفض المسكين على نفسه و يكون جوابه زلزالا مدويا: لا وألف لا، يجب علي أن أجوع أكثر، يجب أن أحزن أكثر، أنكسر أكثر، يجب أن أضاعف النوافل، يجب أن أختم الكتاب في شهر، بل في أسبوع، بل في صلاة واحدة، بل في ركعة...رغم أنه مثل أغلب الذين على شاكلته لا يعرفون معنى ما يرددون من كلام في صلواتهم، و تزداد أحماله ثقلا، و يزداد تقزما وتقوقعا، و يرى نفسه مذنبا على الدوام، وفي بحث مستمر عن مبررات لأخطاء وهمية من صنع عقله المعاق، ويميل إلى المسكنة والدروشة واعتزال الناس، وفي انتظار دائم للصواعق وسقوط السماء جزاء بما يعتقد أنه " اقترف " و يسودُّ كل شيء في عينيه، و يكره الحياة بما فيها من ملذات (زائلة) ويزيد شوقه للملذات الخرافية (الباقية)، و يتمنى الموت في شهيقه و زفيره ليلتحق بمنية روحه، ويشتري لنفسه كفنا في سن مبكرة، و حبذا لو كان من المدينة المحرمة على الكافرين رغم أنه صنع في الصين، أكثر البلدان كفرا بما يعتقد وأكثرهم تبولا وتغوطا على الكبير جدا و العظيم جدا وعلى مقدساته.
ترى، هل سيصل هذا المسكين مغلف العقل يوما ما إلى إدراك أنه لن يشبع أحدا لا في السماء ولا في الأرض بممارساته وهوسه القهري؟ وأنه لن يشبع نفسه المريضة ولا المجتمع ولا المحيطين به؟ ولن يشبع رغبات الكائن الذي صنعه خيال الذين كانوا على هذه الأرض قبله لحاجة في أنفسهم ولظروف وسياقات خاصة بزمان ومكان مختلفين تماما عما نعيشه الآن؟ وهل يعلم أن ركام الإحساس بالذنب سيبقى قرينه في يقظته ومنامه مادام عقله مغلفا برداء الخرافة وهلوسة أسلافه من بني البشر؟ وأخيرا هل سيتوصل يوما ما إلى أن دواءه وعلاجه يوجد بين الأحياء العقلاء وليس بين الذين ماتوا منذ ألف سنة أو يزيد؟



#أبوبكر_المساوي (هاشتاغ)       Aboubakr_El_Moussaoui#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -النحن- و -الأنا- و الفعل و رد الفعل
- الزوايا المظلمة من تاريخ الإنسانية
- التبن والشعير والحمير


المزيد.....




- لوحات رومانية جديدة.. شاهد ما اكتشفه علماء الآثار أثناء التن ...
- ألمانيا تعتقل 3 مراهقين بتهمة التخطيط -لهجوم إرهابي-
- أبل تتعهد بوقف اقتراح هاتف آيفون رمزا تعبيريا لعلم فلسطين في ...
- بعبد توقف دام 7 سنوات.. الإعلان عن موعد التوقيت الصيفي لعام ...
- مخاوف متصاعدة من اتساع الحرب في الشرق الأوسط إثر تهديدات إير ...
- أول براءة اختراع في العالم لمخلوق معدل وراثيا..
- إسرائيلي يواجه عقوبة السجن 40 عاما والجلد في ماليزيا.. فما ه ...
- وزير الدفاع البريطاني يحث على تسريع نشر سلاح الليزر لتسليمه ...
- صحة غزة: الجيش الإسرائيلي ارتكب 8 مجازر في غزة خلال 24 ساعة ...
- -حماية من العري-.. تغيير كبير في -إنستغرام-


المزيد.....

- فيلسوف من الرعيل الأول للمذهب الإنساني لفظه تاريخ الفلسفة ال ... / إدريس ولد القابلة
- المجتمع الإنساني بين مفهومي الحضارة والمدنيّة عند موريس جنزب ... / حسام الدين فياض
- القهر الاجتماعي عند حسن حنفي؛ قراءة في الوضع الراهن للواقع ا ... / حسام الدين فياض
- فلسفة الدين والأسئلة الكبرى، روبرت نيفيل / محمد عبد الكريم يوسف
- يوميات على هامش الحلم / عماد زولي
- نقض هيجل / هيبت بافي حلبجة
- العدالة الجنائية للأحداث الجانحين؛ الخريطة البنيوية للأطفال ... / بلال عوض سلامة
- المسار الكرونولوجي لمشكلة المعرفة عبر مجرى تاريخ الفكر الفلس ... / حبطيش وعلي
- الإنسان في النظرية الماركسية. لوسيان سيف 1974 / فصل تمفصل عل ... / سعيد العليمى
- أهمية العلوم الاجتماعية في وقتنا الحاضر- البحث في علم الاجتم ... / سعيد زيوش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أبوبكر المساوي - عقدة الذنب عندنا