أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيسير الفارس العجارمة - مع رجل صام عن الكلام















المزيد.....


مع رجل صام عن الكلام


تيسير الفارس العجارمة

الحوار المتمدن-العدد: 7750 - 2023 / 9 / 30 - 09:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


و إذ أغذ السير على الطريق إلى مدينة دنيدن جارة قطب الأرض الجنوبي .. تميع الجبال البيض من حولي بهجة، وتهدر وديانها وترقص شلالاتها فرحا، وتضحك سماؤها، وتصفق شمسها.
وأنا و قد ضاقت نفسي بالسقوف والجدران وبالأهل والجيران، أجدني فيه هذه الساعات أسير على الطريق الذي يتلوى مثل حيةٍ رقطاء بين الجبال والهضاب ، و ينبسط بين الغابات والسهول والسهوب، و بين الفينة و الفينة أتوقف على شفة نهر صغير يجري بسلام واطمئنان، ترعى على شاطئيه قطعان الخراف والبقر التي لا تعد ولا تحصى، في مروج من العشب لا تبلغ مداها العين ، وأحيانا أخرى اتوقف على شواهق من الصخور العجيبة التكوين والهندسة، تطل على وادٍ عميق رهيب ، للمياه فيه هديرا يصم الآذان، تنحدر من الجبال التي تحيط به من جهات ثلاث، وفي تلك الصخور من التجاويف، والأفاريز والدهاليز، والتماثيل الأسطورية التي نحتتها العناصر على مر الدهور ما لا ترتوي العين من النظر إليه، والقلب من الدهشة بعظمته وجماله، صخور ينام الزمان في تجاويفها و دهاليزها نوما لا يُعلم مداه.. و الفصول تتناوب العبادة في هياكلها على ترانيم الطيور و تسابيحها ، وشوشات النسمات الحالمات، و تهاليل الرياح العاصفات ، و لعلعة البروق النيرات، و زمجرة الرعود القاصفات ، وأناشيد المياه الدالفة من السحاب في الأعالي ، أو المتراكضة من الجبال إلى الوادي ومن الوادي إلى البحر .
على تلك الطريق كنت أسير وأنا أصغي إلى كلام الطبيعة بعيني قبل إذنيّ ، بل بكل جارحة من جوارحي ، بل بقلبي الذي فرغ من كل شهوة و رغبة و ذكرى ما خلا غبطة الاستماع إلى ما تحدثيني به الطبيعة ..
كانت تحدثني أحياناً بلسان زغبها الأخضر الذي فرشته في المروج بساطاً ، و طوراً بألسنة الورود الراقصة على أكف النسيم التي كانت تطل من شقوق الصخور هنا، ومن أحشاء التراب الأحمر القاني هناك، و من سفوح الجبال هنالك، وما أكثر ما حدثتني بهمس الثلوج المنسابة رحيقا أبيض إلى الوادي، ولسان النسيم الثملان على جفنيّ ، وأشعة الشمس المتغلغلة في عينيّ، و الغيمة البيضاء التي نبتة بغتة في الجلد الأزرق التي راحت تتهادى فوق رأسي.
لله ذلك الزغب الأخضر ما كان أروعه منظراً ورائحة وملمساً ، ففي كل ورقة من كل عشبة روايات و روايات ، وآيات و آيات ، ما أفقر الذين يمرون بذلك بذلك الزغب فيدعونه عشباً لا أكثر. ويطأونه بنعالهم ويمضون في سبيلهم مسوقين بشتى الحاجات والغايات..
لله تلك الزهور الحيية بألوانها وأشكالها وروائحها ..
لله تلك الترانيم والأهازيج تتدفق عليّ من الجو ومن أفواه الصخور، ومن حنجرة الوادي الضليل ..
ثم تلك الجبال الشاهقات تفتح لي قلبها وتبسط يديها وكأنها تعرف ما بيننا من قربى، وما بين قلوبنا من وجد وألفة ومعنى .
أترك الطريق السريع وألتف في طريق فرعي على هدي واحدة من شارات الطريق، ولوحاته الهادية للمسافر ، ترشد إلى استراحة جانبية، وما أن وصلتها حتى وجدتني على شفا صخرة ماردة تشرف على ملتقى وادٍ صغير بوادي كبير وجبل يبسط جناحيه الجبارين إلى الشمال والجنوب، وعلى سفوحهما الكثير الكثير من الأخاديد، و التجاويف، و التعاريج، و الإنثناءات مليئة بالسحر والفتنة والدهشة ..فتفجرت في داخلي غبطة يرهقها السكوت، تريد أن تغني .. أن تبوح عالياً بذاتها ولذاتها ، ولكن صوتي غير جميل ..فأجفل منه أنا قبل أن تجفل منه الطيور التي تتسابق في الفضاء فوق رأسي.. و قد تجفلُ من هذه الأعشاب الطرية والأزهار البديعة بالقرب مني ، قد تجفلُ منه الصخور وهذا الوادي ، ولكني رحت أترنم بسري بكلمات ثلاث كي لا أحترقت وقع سحر المكان، ثم ارتفع صوتي وراح يرتفع أعلى فأعلى، حتى خيل إلي أنه طغى على هدير الوادي وعلى كل صوت في السفوح وفي القمم، وأنه راح يتغلغل في أحشاء الصخور وفي آذان الطيور، وأنه شق طريقه إلى السماء وبات يملأ الفضاء..والكلمات الثلاث هي .. مني .. وإليّ .. وعليّ .. مباركة.. مباركة أيها الطبيعة البكر .
كنت أمضي في تنغيمها بحيث لا يتردد النغم مرتين ، وكثيراً ما كنت أنطق بها وكأن ألفاً أضيفت إلى واو العطف فيها …
ولم يخطر ببالي أن أسأل الطيور والأزهار والأعشاب و الوادي والجبال والصخور والمكان كله عن وقع أنغامي في نفسه، ولا الهواء الذي كان يحمل الأنغام إلى الجهات الأربع إذا كانت أمعاؤه قد تضايقت منها ،
على أنني وأنا أفتن في تنغيمي نسيت أني أنا المنغم والنغم ، و نسيت أن لي قلباً ينبض ، نسيت أني لحم ودم ،وتحولت بكليتي صوتاً ونغماً وثلاث كلمات..
ولكنني سرعان ما تذكرت الذي نسيته عندما كاد صوتي يبح، وكادت الصخرة التي كنت جالساً عليها تنفذ نتؤتها إلى عظامي، فحبست صوتي فعاد الصمت فران عليّ وعلى المكان..
ثم رحت أسأل نفسي من هو هذا الذي تناجيه !
عدت إلى وجهتي وحيناً غير بعيد، مررت بقرية صغيرة تصطف أكثر منازلها على جانبي الطريق وكان بي من الجوع ما بي، فطلبت مطعماً أتقوت فيه لطريقي الليلي الطويل، فعثرت على واحد بعد جهد وعناء..
خارج المطعم كان يجلس رجل في عقده الخامس على مقعد متهالك، حياني فرددت له التحية بأحسن منها ، فسألني بأدب جم أن أقله إذا كانت وجهتي إلى دنيدن ولم يدر بخلدي أن أسأله كيف عرف وجهتي وأنني أقصد هذه المدينة التي تبعد من هذا المكان ثلاثماية وخمسون كيلومتر، وكان له ذلك .. جلس إلى جواري ساعة كاملة، وكأنه لا يشعر بوجودي، لم ينبس ببنت شفة، كان ساكتا، وسكوته يرعب الحجر، واحترمت سكوته، ثيابه رثة ، وخالط شعر رأسه الطويل شعر لحيته وشاربيه ، نحيف البنية و طويلها ، عيناه سوداوان كبيرتان غارقتان تحت حاجبية ، وجهه مكفهر، هزيل كأن خديه شدا بأسيار من الداخل، حركته بطيئة ،هادئ ،بارد، عميق، محزن. لكن ثمة نور عجيب يلمع فيهما كأنه نور السماوات ، غالبني الظن أنه من ( الهوم لس ) وهم أفراد لا سكن لهم ولا عمل، يعيشون على إعانات الدولة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء صيفا وشتاءً .. و لما غالبتني هذه الفكرة سألته
- هل أنت جائع ؟ وبعد وقت طال قال:
- بي جوع ولكن ليس إلى طعام أو شراب ..
- إلاما جوعك إذن؟ ( لم يجب على سؤالي وعاد إلى صمته المطبق.. أية ظنون غلبته؟ وأي جوع هو جوعه؟ وهل كان سؤالي فجاً، وأنا الذي أراد أن يتصدق عليه بوجبة طعام، و بعض المال،كاسراً وطئت هذا الليل المعتم بحديث مع رجل ظنتني أحسنت إليه بأن أوصلته إلى مبتغاه، ولم أدري أنه هو من أحسن إلي أيما احسان ) .
- أرجو أن تغفر لي خطأي ..
- لست إلها يغفر الخطايا .. وأنت لم تخطئ، لكني رجل يصوم عن الكلام ، مثلما يصوم الناس عن الطعام ، وقد يطول صيامي للشهر والشهرين …فإذا تكلمت فلا أتكلم بغير نعم ولا ..
- هل هناك من يصوم عن الكلام ؟ ولماذا ؟
- لا خير في كلام لا يصل فكراً بفكر، ونفساً بنفس ، وروحاً بروح، وقلباً بقلب، وحياة بحياة .
بلغت الدهشة مني منتهاها ، وراح يتآكلني الشوق لمعرفته هذا الرجل الغريب، فأية أقدار جمعتني به في هذه الليلة التي غاب فيها نور القمر ..
- ولكنك تكلمني الآن بأعذب وأغرب ما يكون الكلام …
- لا أدري لماذا أكلمك ، شيء ما دفعني للكلام لا أفهم له معناً ولا سبباً محدداً ، كأني أتكلم بغير إرادة مني.
- صوم عن الكلام ، ايعقل هذا ؟
- الناس قسمان: متكلمون وساكتون، أما الرّضع والبُكم فلغاية ما ختمت إرادة الحياة على أفواههم فلا يتكلمون، في حين أني ختمت على فمي بيدي، وقد أدركت حلاوة السكوت ولم يدرك المتكلمون مرارة الكلام ، لذلك سكت والناس يتكلمون ..
- كأنك ناسكٌ بين الناس .…؟
- التنسكُ بين البشر أين من هوله التنسك بين الوحوش، أنت تستطيع أن تأمن جانب الوحش وأن تكسب ألفته باللين والرق، وإن أخفقت وغضب الوحش فهو لا يمزق منك غير جسدك أما الناس فيحسبون لينك و محبتك ضعفاً، ويتحاشون الحاق ضررا بجسدك بسبب قوانين سنوها، في حين يستحلون روحك الأبدي فيجعلونه مشاعاً ولا قانون يصدهم، لذلك تركت جسدي لهم مثلما شاؤا وسيجتُ روحي بالسكوت، اتهموني بالبكم، أما روحي الملتف بالسكوت فلم يجدوا له إسما ، لذلك أنا في عرفهم مختل الشعور، لكني من وراء سكوتي أبصر ما في قلوبهم وأقرأ ما في أفكارهم ، ذلك أني أحكم على أفكارهم لا بما ينطقون، بل بما لا ينطقون .. أنا إنسان صغير مجهول ، لا أعرف لذاتي إسما، ولا أرضى أن أُعرف بإسم ما ، لأنني أولد ولادة جديدة كلما ولد في رأسي فكر جديد. وأفكاري تولد بسرعة البرق، وأنا بما أفكر، لا بما أعمل، والناس بما يعملون لا بما يفكرون، وفكري لا يستقر على حال، فهو كالريح تهب فوق المروج فتشم منها رائحة المروج، وعلى المزابل فتأتيك برائحة المزابل، أنا فكرٌ خالص يحمل جسداً ، لا جسداً يحمل فكرا..
- ولكن الناس بحاجة إلى الأسماء ..فكيف تعيش بلا اسم ؟
- هم بحاجة إلى أسمائهم ليدونوا بها تاريخهم السخيف، ويديروا علاقاتهم ويقضوا حاجاتهم، وأنا لا حاجات لي ولا علاقات ولا تاريخ، هذا البيت لفلان فلا يجوز لي أن آوي إلى زاوية من زواياه حتى وإن كانت العواصف تولول والثلوج تنهمر، وأنا في الشارع تصطك أسناني من البرد ولا ملجأ لي ولا مأوى، و هذه المزرعة لاسمٍ آخر ، فلا يجوز لي أن أقتلع منها بصلة لأتقوت بها .
- ماذا يحلُ بالناس لو أنهم أفاقوا ذات صباح ونسي كل منهم اسمه وأسماء غيره ألا تنشل حياتهم ؟
- الناس تحيا بأسمائها لا يحيون للحياة ذاتها ، وأحدهم يشعر أنك لو محوت اسمه من سجل الأحياء فكأنك محوت حياته.. لا سجل يدوم إلا سجل الكون الرهيب حيث لا ينطلق صوت ، ولا تسقط دمعة، ولا تصعد زفرة، ولا يولد فكر، ولا تلفظ كلمة ، ولا تتحرك شهوة إلا و تنطبع في صفحاته الأبدية، هناك لا أسماء ولا ألقاب ولا أنساب ولا رتب، ولا فقراء ولا أغنياء، بل أفكار وعواطف متشابه لكنها مختلفة، ومتحدة و منفصلة…. أمس ..أمس اشتاقت نفسي إلى البحر وهو يبعد ساعة ونصف عن القرية للماشي على قديمة، وصلته ليلاً فلا نسيم إلا نسيمه، ولا عبير إلا عبير عرائس الليل تلمع مثل الجواهر على صفحة الماء الساكن، فجلست على شاطئه ورفعت بصري إلى فوق وهكذا صرفت الليل كله مستلقي على ظهري حيناً ، وحيناً جالسا وحيناً ماشياً ، كان الناس يمرون من حولي ، لهم عيون لا يبصرون بها، وآذان ولا يسمعون بها ... وماذا يبصر الناس أو يسمعون؟ كانوا يمرون حولي بالعشرات وأبصارهم لا ترتفع عن الأرض ، وآذانهم لا تسمع سوى دندنة أصواتهم وثرثرة ألسنتهم التي لا تكل ولا تمل من التحدث عن حاجاتهم الجسدية وشهواتهم الأرضية وآمالهم الحقيرة .. سمعت واحد يقول ما ألطف هذه اللية! وهو يعني أنها دافئة ، البشر يقيسون الطبيعة بميزان الحرارة، وسمعت آخر يقول ما أجمل النجوم، لكنه كان ينظر إلى ما بين قدميه.. يال النجوم بيني وبينها قرابة ،
- أية قرابة بينك وبين النجوم ؟ هي مثل قرابتي.
- أنا والنجوم تلميذ واستاذ، فيها رأيت مجدي ومنها رأيت عظمتي.
- ومنها ترى حقارتك كذرة تراب لا وزن لها ولا وجود .
- أجل .. أجل أنا والنجوم عالمان لا متناهيان ، والعالمان يؤلفان عالما واحداً هو أنا، هذا الإنسان الصغير المجهول الفقير الأشعث الذي لا مأوى له ولا قيمة في عرف الناس وأخلاقهم، لا يفهم الناس أن من ينظر للنجوم يجب أن ينظر لها بخشوع وصمت وصلاة ..
- ألا ترى أن هذه النجوم والشمس والقمر تفرغ من ذاتها في ذاتك ؟
- إلى حدٍ ما.
- بل إلى أبعد الحدود. بل إلى حيث لا حدود ، ألا ترى على سبيل المثال أن الحائك الذي حاك لك القميص الذي ترتديه، حاك معه ذاته، وصورته في أدق تفاصيلها، أنفاسه نبضات قلبه، هواجسه، أفكاره، طباعه، آماله، أوجاعه، وأنت عندما لبست هذا القميص، تلبس هذا الحائك وما اشتملت عليه ذاته ؟
- أظن..أظن ..
- وعندما تلبس القميص تلبس أكثر من الحائك، ستلبس الرجل الذي صنع النول، والنباتات والحيونات التي منها الخيوط، وجميع القوى التي تكاتفت في خلق تلك البهائم والنباتات وفي تغذيتها وتنميتها، وهذه من يحصيها؟ إنها قوى الكون على بكرة أبيه، منظورها وغير منظورها، ، فعندما ترتدي قميصك سترتدي الكون كله في القميص …
- أظن ذلك..
- هذه أمور تحس ولا تصوف، حرفة الحائك أعجب حرفة، هي حرفة الأرض بأسرها، أنت تحوك في الأرض وأنا أحوك ، كل ما في الكون ينسج باستمرار، في الليل والنهار، وعن وعي وغير وعي ، حياتنا حياكة دائمة يا سيدي ، ويتداخل النسيج بعضه مع بعض ، وإذا بالنّساجِ يغدو نسيجاً، نحوك ونحاك، وإذا الكون كله نولٌ هائل، وإذ أنا وأنت، وكل ما في الأرض والسماء، ذلك النسيج ..والمسألة هنا هي مسألة شعور وإحساس لا قضية منطق وبرهان، إنها الصورة التي تحس ولا توصف..
- ولكنه إحساس رهيب ايها الشخص الذي لا اسم له..
- وأين الرهبة؟
- في أن تراك متغلغلا في الكون، وترى الكون متغلغلا فيك إلى حد أن لا يبقى فاصلاً بينك وبين أي شيء.
- وهل يزعجك أن تعيش في كون لا فواصل فيه، فتفلت من قبضة الساعات والمسافات لتجد نفسك في دنيا الأبد واللانهايه ؟
- يزعجني أن اذوب ذوبان الملح في الماء ، أن أفقد ذاتي وكياني..
- ومن قال لك أن ذوبك في الوجود هو فقدان لكيانك؟ إنه يعني امتداد الكيان، يذوب الملح في الماء ، ويبقى الملح والماء، أنا وأنت خيطان في نسيج الكون الهائل، ونحن باقيان ما بقي الكون، وهو كله يكون مثلما أنت فيه ..
- إنه لفوق طاقتي أن أبصر هذه الصورة، صورتي وصورة الكن الذي بلا بداية ولا نهاية..
- هبك قطرة في المحيط ، اليس كل قطرة في المحيط تتصل بكل قطرة في المحيط وبالمحيط كله ؟ ألا يتصل المحيط بالأرض والأرض بكل من عليها، وبالفضاء وبكل ما فيه؟ فكيف لأي شيء في الكون أن ينفصل عن أي شيء آخر فيه ؟
- إذن أين اردتي، أين حريتي ،أين مسؤوليتي؟
- أنت مسؤول عن نفسك إلى حد ما تعي نفسك في غيرك، وغيرك في نفسك، وأنت حر إلى حد ما تعي حريتك في حرية غيرك، ولك أن تريد ما تشاء، فيكون لك ما تريد، إذا لم تعاكس إرادتك إرادة الكون، وإرادة الكون لا تقهر، إنها قضية وعي، والذي يعي يتحكم بقدره ياسيدي . وما دمت لا تتحكم بوعيك الكامل ستظل خاضعا لأقدار لا تعيها …

- من طبيعة الإنسان إنكار ما يجهل.
- فعلام لا ينكر نفسه ؟ إن من جهل الإنسان أنه يسعى إلى المعرفة بحواسه الخارجية، التي لا تتعدى ظواهر الأشياء، وحواسه محدودة ، وكل ما تعرفه يقع ضمن حدودها، أما الحواس التي لا تستند إلى عينين وأذنين ويدين ومنخرين ولسان، فهي في عرف الناس أوهام، ولو قلت لأحدهما أن له عينا باطنة ، وإذنا ليس من لحم ودم ، وأنه بالتأمل والصمت تنفتح حواسه لرماك بالجنون. كثرة الكلام ملهاة للفكر، والبشر يهربون من السكوت والتأمل، فأنّا لهم أن يقتربوا من الحقيقة ..عليهم أن يخاطبوا بالأفكار لا بالألسنة ، ساعة يدرك الإنسان قوة الفكر ثم يسيرها حسب هواه، يومئذ يصبح في إمكانه أن ينقل الجبال، ويحمل البحار على أكف الريح…
- من أنت يا صاحبي ؟ كان جوابه صمت طويلاً عميقاً حتى ظننت أنه عاد إلى سكوته ، أي خسارة هي خسارتي ! وبعد ساعة أو يزيد وفجأة قال:
- أنا إنسان، والإنسان يولد من أب وأم، فمن هو أبي ومن هي أمي؟ هل حملتني إمراءة في بطنها تسعة أشهر؟ و غذتني بثدييها،؟و أحاطتني بحنانها ؟ وأدفأتني بحرارة قلبها؟ هل كانت تبسم لبسمتي؟، وتتألم لألمي ؟ وتسهر الليالي فوق سريري، وتدعوني باسم معلوم؟ وما هو ذلك الإسم؟ هل تبللت عيناها الدموع عند فراقي ؟، وهل تعرف أين ابنها الآن، وتفكر به وتحن إليه؟ أين هي المرأة تلك في هذه الدقيقة أفي هذا العالم أم في ذلك؟ من هي المرأة التي يمكنني أن أدعوها أمي ؟ الناس يعشقون الأم ويمجدونها، ويكادون يؤلهونها، يبكون لفراقها، وينوحون لموتها، وها أنا لا أعرف لي أماً، ينقبض قلبي عندما أفكر بأن لا أم لي، فأنا .. أنا.. بدون أم ، وأنا أنا بأب وبغير أب .. أتراني ولدت من غير أب وأم ؟
- وأين ولدت ؟
- لا أدري ، ولا يهمني أن أدري، لا وطن لي ، ولو كان لي وطن لتبرأت منه، فأنا ابن العالم الأوسع، ابن الكون الذي لا حدود لها ، ولا بداية لوجوده ولا نهاية لسعته ، لا ابن ذرة هذه الغبار التي يدعونها الأرض، ولو كانت لي الأرض كلها ثم جائني شخص يزاحمني على فتر منها لتخليت له عنها بأسرها.. ذات يوم ليس ببعيد طرأ على طارئ حتى كدت لا أعرف نفسي، فما أنفكُ أسألُ نفسي : من أنا..كيفما انقلبت رأيت هذا السؤال نصب عيني ، أطرده من جانب فيعود من جانب آخر ، تضعضعت أفكاري وإصبح التأمل ضربا من العذاب ، وكلما حاولت جمع أفكاري سمعت صوتاً يرنُ في داخلي من إنا؟ .. من أنا ؟ …. أنا .. أنا .. ما أعرفه في هذه اللحظة عن نفسي هو كل ما أحتاج إلى معرفته، فأنا هو الذي كنته من عشرين عام، وأنا هو الذي كنته من عشرين جيل، وألف جيل، قد اجتمعوا بي في هذه اللحظة ، وأنا في هذه اللحظة لست بغريب عني ، وراح صوت من داخلي يسألني من أنا ؟ ما ذاك صوت هذا الرجل الساكت الذي يعيش متشرداً ، ولكنه صوت أنا آخر، إذن بي أنيان: واحد انسحب من حلقة البشر، والتحف السكوت ليتصل بالعالم الأعلى ويسير معه، وآخر انحجب عن البشر بستار من الأسرار البشرية، وهو يحاول تمزيق الستار ليعود إلى حظيرة البشر، فهو من العالم الأدنى ويتوق إلى العالم الأدنى، كأن بينه وبين هذا العالم حسابات قديمة يريد أن يصفيها، لذلك نشبت في داخلي حرب لم إشعر بها من قبل، فعوامل تريد أن تطلق لساني من عقاله وترد أفكاري إلى الأرض وأوصاب الأرض ، وعوامل ترفعني إلى حياة الفكر المطلق. وأنا بين تلك العوامل أنا يعرف نفسه، وأنا يجهلها فيسأل : من أنا .. وكأن الأنا الثاني قد أفاق، أو أوشك أن يفيق من سبات عميق ، فهو يود أن يعرف من أين جاء ليعود من حيث جاء .. الحرب سجال فأي الأنيين أنا ..؟ ولولا أني أسكتُ ذاك الصوت لعدت إلى البشر و لنفلت لساني من عقاله وأطلق من سجنه .. أنا لا شيء.. وكل شيء..أمضي من الأزل إلى الأبد ..ولهذا أنا صمت عميق بعيد الغور .
- أعجبُ لنفس تحملها وتحملك، لا يسعدها ما يسعد الناس، ولا يشقيها ما يشقيهم، العلك من غير طنية الناس ؟
- ذات مرة وقد كنت في ريعان الشباب عملت في البار الوحيد الذي كان في القرية ، وهو على صغره كان معرضاً شاملاً لكل هموم الأرض ومشاكلها وآلامها ومسراتها تحملها إليه كل يوم شرذمة لا شأن لها في الناس ، ولكنها تمثل خير تمثيل جميع مشاكل الناس..ففيه تعرض المشاكل الجنسية بأنواعها.. من الغرام المتأجج إلى رماد الغرام، ومن سكرة الحب إلى صداعه، عناق ففراق ، أمانة فخيانة، فعلهم امتداد فارتداد ، انتصار فانكسار، تضحيات ونكايات، بركات ولعنات، الكل يهرب من الضوء، ولا يأنس إلا بالظلام أو الضؤ الخافت الذي يسمح فقط بالرؤية، تتراءى لهم الشهوات الجسدية كأنها بريق الحياة، ورمادها كأنه التبر، قلوب تنفتح للملذات فلا تلبث أن تحتلها الآلام ، ولحوم تلتصق بلحوم فلا تعتم أن تتهرأ كلها، ودماء تضرم النيران في دماء ، ثم تخمد النيران فإذا الدماء صديد وصلصال، وفي صالة أخرى للبار ..كان هناك مقهى للذين لا يحبون ضجيج الموسيقى وقرقعة الطبول التي تصم الآذان ، وفيه كانت تعرض المشاكل التجارية والسياسية والاجتماعية بكل أصنافها وما أكثر أصنافها : منتج ومستهلك، صاحب عمل وعامل، مؤجر ومستأجر ، أسعار وأجور، ربح وخسارة، استقامة وغدر، صدق وكذب، نجاح وإفلاس، رخاء و أزمة، حزب يدير الدولة وحزب يتربص، قاضٍ و لص، عدل وظلم، غني وفقير، ثورة وجمود، قلق واستكانة ، ومن خلال هذا كله حراب مسننة من البغضاء والشحناء وحروب لا يكبح جماحها ، ولا يخمد لها أوار، قلوب تُمزق ، وأرواح تزهق ، تُشرّق وتغرب وكأنها لا شرقت ولا غربت، وما من سائل يسأل أمن أجل هذا خلقنا ؟ أيامهم تسير بهم إلى الفناء، وهم لا يدرون ، ولو أني ما كان لي من هاد غير ما أبصرت حولي وما سمعت لجزمت بأن حياة الناس هي سلسلة من المشاكل لاغير..وبأنهم قاصرون عن حل واحدة منها، فمشاكلهم اليوم ما تزال عين مشاكلهم منذ آلاف السنين، وكلما تمادى بها الزمن زادت عدداً ثم تعقدت، أي خير في حياة كلها مشاكل ..
- وأنت واحد من الناس أليس لديك مشاكل ؟
- لا أثر لأي من تلك المشاكل في حياتي ،وإن يكن من مشكل في حياتي فهو شوقي إلى معرفة نفسي لا غير ، وأنا واثق من أن الذي أضرم هذا الشوق بي سيقودني إلى الجواب الذي يبرد شوقي. إن ذلك الشوق هو المخلص الذي أنقذني من مشاكل الناس والحياة ، وهو الهادي والدليل الذي يمشي بي إلى هدفي، ومثلما خلصني سوف يخلص البشرية ، وحيث يمشي بي سيمشي بهم، فالإنسان للحياة لا للموت، وللمعرفة لا للجهل، وللحرية لا للعبودية. لكل إنسان أوانه ، والزمان طويل طويل ..

عاد محدثي إلى سكوته مرة ثانية، وبعد فترة قصيرة أشار لي أن أتوقف على طرف نهر صغير في جانبه شبح كوخ لا أتبين منه غير بابه المتهدم ، وتركني ليس مثلما لقاني ، وتبدى لي وهو يسير بخطى متثاقلة نحو الكوخ كأن شفقاً لفه بغلالة سوداء، فلا هو في النور ولا في الظلام، لا هو في نهار متوهج ولا في ليل دامس ، إنه شفق وحسب همزة الوصل بين الليل والنهار .. وراح صوت خافت في أعماقي يهمس ثم ما فتأ يعلو حتى صار صراخا، أما من ظلمة لا نور فيها ، أو نور لا ظلام فيه؟ ما هذا الصوت الصارخ في أعمق أعماق وجداني ، بأنني لا بد بالغ يوم لا يحتوني فيه نهار أو ليل، بل أكون أبعد من الإثنين ..ثم نظر لي كأنه يودعني، تبدى لي وجهه نور تردُّ عنه كليلةً عين النهار …
ما هذه السكرة التي سكرتها الليلة وبأي كلام أصفها؟ إنها لتجل عن أي وصف، إلا ليتني لا أصحو منها . بماذا سكرت لست أدري.. أي خمر أسقانيها هذا الغريب الساكت ؟
لعلها غبطة الوجود، انسكبت عليّ بغتة، إنسكاب أشعة الشمس على كرة من البلور، فأحسستني كياناً شفافا مترعا نورا وحرارة، فلا أنا من لحم ودم، ولا أنا سجين زمان ومكان ، ولا أنا أنا ، ولا هذا العالم هو هو .. فكأن الكائنات ذابت فيّ وذبت فيها، فالشمس والقمر والنجوم، والغابات والبحار والأنهار والجبال والهضاب والتلال والسهوب مني وأنا منها ، وهي فيّ وأنا فيها ، الكل ذوب لا يوصف من محبة لا تصوف، والشعور بتلك المحبة لا ينقاد إلى تعريف، أو تحديد، إنها الغبطة بعينها ، غبطة فوق كل غبطة، لا يطالها خيال، ، ولا تَعلقُ بأذيالها أشباح هموم أو شكوك أو غموض.
ذهلت عن نفسي فما أعرف أدقيقة طال ذهولي أم ساعة أم دهر، ويا ليته كان ذهولاً لا نهاية له .
ولو أني ما عشت غير تلك اللحظات مع هذا الغريب لاكتفيت، بها حياة كاملة.
هل عرف هذا الرجل العجيب معضلته الكبرى، هي أن رأسه فيها يسكن كل شيء. مثل أرض خصبة مغروسٌ فيها كل بذور العالم، بذوره تنمو وتذبل في ذات اللحظة بذات السرعة، عندما تتجاور بمتناقضاتها فوق الأرض تصيبه بالهوس، وعندما تموت وتتجاور رفاتها تحت الأرض تصيبه بالاكتئاب.
كان يعلم أن وسط كل هذا الخبل، بعض بذورٍ مباركة، لن تنمو إلا في ذاك الفصل السحري الفريد، الذي يحل على رؤوس المجانين كل ألف عام. هذا والذي تُذبِل أمطاره النبت المعطوب؛ فتبدو أرضه للمرةِ الأولى قابلة للفهم. ا
وستنمو فيه وحوله، واحة صغيرة هي جنة يعيش فيها بسلام وحده..



#تيسير_الفارس_العجارمة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لاجئ عراقي في نيوزلندا … صدام حسين قتل زوجتي..؟ الجزء الأول ...
- في رحاب أيا صوفيا
- العقل الاستطلاعي ونقد الماهيات


المزيد.....




- مجلس النواب الأمريكي يقر حزمة مساعدات جديدة لإسرائيل وأوكران ...
- القوات الإسرائيلية تحتجز طواقم طبية أمام المستشفى الحكومي بط ...
- انفجار داخل قاعدة عسكرية عراقية
- تحت التهديد.. فلسطينيون يخلون أحد أحياء رفح جنوب غزة قبيل غا ...
- شاهد لحظة إلقاء عناصر من الجيش الإسرائيلي لمعتقل جريح من داخ ...
- نعيم قاسم: لم يكن من اللائق بالدول العربية أن تساند إسرائيل ...
- تركيا ترد على انتقاد وزير الخارجية الإسرائيلي لأردوغان بسبب ...
- -أكسيوس-: عقوبات أمريكية مرتقبة ضد وحدة في الجيش الإسرائيلي ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط عدة مسيرات فوق مقاطعة كالوغا
- مقتل فلسطيني وإصابة 2 آخرين في مواجهات مع مستوطنين إسرائيليي ...


المزيد.....

- الفصل الثالث: في باطن الأرض من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الموجود والمفقود من عوامل الثورة في الربيع العربي / رسلان جادالله عامر
- 7 تشرين الأول وحرب الإبادة الصهيونية على مستعمًرة قطاع غزة / زهير الصباغ
- العراق وإيران: من العصر الإخميني إلى العصر الخميني / حميد الكفائي
- جريدة طريق الثورة، العدد 72، سبتمبر-أكتوبر 2022 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 73، أفريل-ماي 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 74، جوان-جويلية 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 75، أوت-سبتمبر 2023 / حزب الكادحين
- جريدة طريق الثورة، العدد 76، أكتوبر-نوفمبر 2023 / حزب الكادحين
- قصة اهل الكهف بين مصدرها الاصلي والقرآن والسردية الاسلامية / جدو جبريل


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيسير الفارس العجارمة - مع رجل صام عن الكلام