أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لينا الشّيخ - حشمة - -سيرة مدينة: نوستالجيا الفردوس-- قراءة تأويليّة في -جمعة مشمشيّة- لأحمد إغباريّة















المزيد.....

-سيرة مدينة: نوستالجيا الفردوس-- قراءة تأويليّة في -جمعة مشمشيّة- لأحمد إغباريّة


لينا الشّيخ - حشمة

الحوار المتمدن-العدد: 7525 - 2023 / 2 / 17 - 14:21
المحور: الادب والفن
    


هي سيرة الفردوس المفقود. هو التوق إلى الرجوع إلى الماضي والأصل.
يبني الكاتب نصّه بين يوتوبيا المدينة الساكنة في الذاكرة وديستوبيا الراهن. فيتألّف نسيج النصّ من تضادّ الماضي والحاضر، الروحانيّة والمادّيّة، الطبيعيّ والمصطنع، الحلم والحقيقة، الحرّيّة والسجن، الخصب والجدب، والجمال والقبح. فتكشف هذه التضادّات حنين الكاتب لمدينته المشتهاة، التي كانت. والوطن عنده لا ينفصل عن الإنسان والأرض والحيوان والطير والنبات والجغرافيا والتاريخ.
يجعل الكاتب طارقًا الشخصيّة المركزيّة شغوفًا بالمكان إلى حدّ التماهي، فتعانقت روحه مع روح المكان، وأمست ذاكرته ذاكرة المكان. وذاكرته هذه خضراء، كالجنّة، كوصف الكاتب: "نِعْمَ الجنّة هذه!"(ص16). لكنّ هذا الجمال يُسلب منه حين يسجن خمسة عشر عامًا بسبب حلمه الذي تحقّق. فيعود إلى بلده بعد هذه الأعوام وقد أتاح له السجن القراءة والتعرّف إلى ذاته، حتّى أمسى رجلا مثقّفًا. لكنّ بلده التي عرفها لم تعد كما كانت. كانت الحياة فيها، في الماضي، تقوم على الروحانيّة والأصالة والتمسّك بالأرض وأشجارها، مقابل الحاضر بتحوّلاته الاجتماعيّة والعمرانيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وغلبة المادّيّة الشهوانيّة على حساب الأرض والهويّة، وسلب الأمان برصاص الإجرام و"الطوّافات".
فهل كان ضروريًّا سجن طارق؟ برأيي، إضافة لكون السجن تناصًّا دينيًّا إلّا أنّ الكاتب تعمّد تغييب طارق الفتى الشقيّ المتمرّد الباحث عن الحرّيّة قسرًا عن بلده، وذلك ليعمّق من شعور التيه والاغتراب لديه. فحين سجن طارق وتمّ إقصاؤه عن حياته وبلده، فخسر كلّ شيء، لم تعد له إلّا ذاكرته يؤكّد من خلالها على وجوده. وطارق الفحماويّ الفلسطينيّ لا يكون بانفصاله عن بيته ومكانه. وفي الحافلة، عائدًا إلى بلدته، يطغى شريط الماضي، شريط الذكريات على شريط الحافلة، فالحاضر "شريط ميّت لا يحيا في الذاكرة". هنا تبدأ رحلة بحثه عن ذاته ومدينته، فذاته لا تزال تعيش ذاكرة المدينة، ومدينته لا تزال تستوطن الذاكرة، هي النوستالجيا، فيقول: "ها أنا عائد لكي التحم بذاتي التي تركتها هنا منذ زمن بعيد.. كلّ ما سيقوله المكان عنّي هو ذاتي"(ص46). لكنّه حين يرى كلّ شيء قد تغيّر في جنّته تزداد أزمته واغترابه: "هل من مكان يأويني وأسكن إليه؟ هذا العالم ليس لي"(ص34)، "ما معنى أن تعود إلى بيت الطفولة فتجد أغرابًا يقيمون فيه؟ لن تستعيد تجاربك فيه. لن يكون هو هو، سيكون شيئًا آخر"(ص148-149)، مُقرًّا: "بعد أن كانت هذه البلد جنّتي أضحيت نورسًا بلا عنوان"(ص49). والنورس رمز للحرّيّة وقد تحرّر هو من سجنه فعلًا، لكنّه أمسى بلا عنوان بعد أن فقد ماضيه وبيته وحبيبته.
فقد طارق ملامحه. وكيف تبقى ملامحه وقد فقد الطفولة؟ وها هو المكان قد تغيّر مثله: "دوّار يليه دوّار! ضوضاء، أزيز رصاص، مبانٍ مرصوصة. من أين زحف كلّ هذا الحديد؟ سرطان معماريّ، منذ متى هذا العمران؟ عمائر نيويوركيّة بألوان غريبة، بنوك، مجمّعات، خليط هجين من كلّ شيء... طوّافتان مسرعتان". حتّى المسجد الذي كان يصلّي فيه "سحق تحت الرخام الفاخر"(ص62). حتّى البئر ردمت؛ البئر التي تضرّع لبقائها ليرى "نفسه فيها"(ص62). هي البئر الأولى، بئر الطفولة، رأى فيها ذاته. هي الذكريات والماضي والأحلام تجمّعت فيها مثلما تتجمّع فيها المياه، كالبئر الأولى لجبرا إبراهيم جبرا؛ "فالطفل هو والد الرجل".
يدرك الكاتب ما تحمله الرموز والأساطير من قدرة على الإيحاء لعلاقات الإنسان بالوجود، فيرتدّ إلى منابع التجربة الإنسانيّة الأولى، من أجل التعبير عن الآنيّ ومعالجة الحاضر وبناء عالم يتحدّى به منطق الحديد والمادّة. فيكثّف من التناصّ الدينيّ والأسطوريّ والثقافيّ، كقصّة النبيّ يوسف، حيث برزت أحلام طارق التي تحقّقت، والسجن ظلمًا، والبئر حيث رماه عرصان ورجاله، وغيرها من التناصّات. أمّا الرمز الأبرز برأيي فهو الماء. والماء في الأساطير والديانات رمز للحياة والتجدّد والخصب، إنّه واهب الحياة والخير. يرتبط موتيف الماء بأسطورة تمّوز. وهذا يذكّرنا بأشهر القصائد ارتباطًا بالماء، ونعني "أنشودة المطر" لبدر شاكر السيّاب. يوظّف النصّ أسطورة تمّوز دون التصريح باسم تمّوز، ومع بعض الانزياح، علمًا بأنّ الكاتب أورد: "آلهة الخصب والزرع والحبّ"(ص137). وتمّوز هو إله الخصب والزرع والحبّ. الأمر الذي يؤكّد أنّ هذه الأساطير لا تغيب عن كاتبنا، بل يشير إليها ضمنيًّا في سياق الرموز الموحية للخصب.
يبدأ النصّ بالمياه الشحيحة وينتهي بتفجير المياه في الينابيع بعد سقوط طارق في البئر. لقد جعل الكاتب الماء ماء الينابيع حتّى لا ينفصل عن الأرض، فالنبع = الأرض. وكانت البئر بجانب الجامع نبعًا تقلّصت مياهه. إذًا البئر/ النبع= الماء، والماء= مصدر الحياة، لكنّ النبع كان جافًّا بلا ماء، لكنّه يتفجّر بعد سقوط طارق فيه. ممّا يعني أنّ النبع لا يسمّى نبعًا إلّا باقترانه بطارق، أي أنّ النبع= الماء= طارقًا. وهذا ما يؤكّد قوله بأنّه يرى نفسه في البئر. والبئر/ النبع في الأرض، في العالم السفليّ. وسقوط طارق في البئر وتفجيره للماء تمامًا كبعث تمّوز من أعماق الأرض وبعث الماء. وتمّوز لا يهب الحياة إلّا بنزوله للعالم السفليّ. وقد قال طارق: "أريد النخلة كما كانت"(ص62)، وهذا يؤكّد دلالة تمّوز، فمن رموزه النخلة في قمّتها نجمة. واسم طارق يعني النجم المضيء ليلًا. وطارق اسم فاعل، وكان له الفضل ببعث الحياة والفرح للناس في عتمة الوجود وشحّ الماء. إذًا طارق المتمسّك بالأرض هو من يجدّد حياة أهل البلدة. وهذا يدعم دلالتنا بتوظيف أسطورة تمّوز وإن كانت البئر قد استوحاها الكاتب من قصّة النبيّ يوسف كذلك.
إضافة لهذا، ولأنّ الكاتب مهتمّ بالتناصّ الدينيّ، نجد في العديد من الأديان دلالات مشابهة لأسطورة تمّوز، فاسم موسى، الذي ذكره الكاتب في سيرته كثيرًا، يعنّي بالفرعونيّة "المنتشَل من الماء" أو ابن الماء. فـ "مو" الماء، وهذا يتناغم مع ديموزي/ تمّوز، والذي يعني ابن إله المياه. وفي المسيحيّة تتقاطع فكرة الفداء والخلاص مع أسطورة تمّوز، فالمسيح يفتدي الإنسانيّة ويهبهم الخلاص. ويرد ذكر المسيح في النصّ كذلك. ولعلّ ما يؤكّد ارتباط طارق بالماء وصفه لنفسه بالسمك: "هو ذا السمك على وشك أن يتحرّر، لكن هل يحيا السمك دونما ماء؟"ص20. إضافة إلى أنّ النورس الذي أطلقه على نفسه هو طائر مائيٌّ. ويرمز، إضافة للحرّيّة، لتجدّد الحياة.
إنّ الماء رمز للتطهير والتطهّر. ويرتبط بالفعل الثوريّ التطهيريّ. إنّه ثورة ضدّ الظلم ولأجل التحرّر من السلطات الظالمة. وقد استوحى رمزيّة الماء كفعل تطهيريّ من قصّة نوح والطوفان الذي يرمز للإطاحة بالأشرار والخلاص وتطهير الحياة وتجدّدها. فكان الماء سببًا بموت عرصان، رمز الشرّ. وقد فجّر الماء أرض البنك، رمز سلطة المال والمادّيّة. كما كشف المخبأ العسكريّ وأعطب الطوّافات، رمز السلطة السياسيّة والعسكريّة. وفجّر عمارة شهبندر الدبّور الانتهازيّ الذي يأكل لحم الناس ويستغلّهم. كما تدفّقت المياه في الجامع كانتقاد من الكاتب للممارسة الدينيّة التي افتقدت جانبها الروحانيّ، منشغلةً بالطقسيّ المادّيّ. هكذا تفجّرت كلّ العيون، و"أخذت تتحدّى الحديد الذي نما حولها"(ص144). إذًا يمسي طارق كجبرين، ناطور الماء، كما في حكاية الستّ هنيّة، بعد أن تمرّد على قاتله ناطور الحديد. فيغمر الفرح الجميع وتعود الحياة بعودة المياه. هكذا اعتمد الكاتب التناصّ والحلم ليؤكّد حاجة مدينته لتمّوز جديد ليبعث، بالتضحية والحبّ، بلاده من براثن الجدب والعنف والتهجين.
تعمّد الكاتب تحديد جنس مؤلّفه "بسيرة ذاتيّة متخيّلة"، ممّا يؤكّد أنّنا أمام خطاب سرديّ مهجّن يطلق عليه "رواية السيرة الذاتيّة". ويؤكّد هذا التلاقح الأجناسيّ على "الكتابة عبر النوعيّة". وهذا ما يجعل النصّ حداثيًّا. فمن الشروط التي يجب أن تتحقّق في فنّ السيرة الذاتيّة وفقًا للميثاق الذي وضعه المنظّر الفرنسيّ "فيليب لوجون" وجود تطابق بين المؤلّف والراوي والشخصيّة الرئيسيّة. ويكون الموضوع حياة الكاتب الخاصّة كما عاشها بالأسماء والتواريخ والأحداث، وعمادها الحقيقة والصدق. أمّا الرواية فعمادها الخيال بالأساس وإن استمدّت مضمونها من الواقع والتجارب الحقيقيّة. إنّ الاعتماد على الفنّ الروائيّ وفنّ السيرة الذاتيّة يأتي لكونه أدبًا يتوسّل التجربة الشخصيّة الذاتيّة، ويكون موضوع الرواية منبثقًا من تجربة الكاتب الذاتيّة. هكذا يكون المكوّن الذاتيّ قد مارس حضورًا فاعلًا في المادّة الروائيّة ومزج مع المكوّن التخييليّ، فيولد بالتالي هذا الخطاب المهجّن. يعتمد الكتّاب على هذا التهجين والبعد التخييليّ كتمويه ومواربة، وابتعادًا عن التقرير والصراحة، وتفاديًا للرقابة والمساءلة. كما يمنح هذا الكاتب الحرّيّة غير المحدودة في تقليب تجربته الذاتيّة دون خوف، ويمنحه آفاقًا مسعفة للاختباء حين يغدو قول الحقيقة صعبًا وغير مقبول.
من يقرأ هذا النصّ يدرك أنّه أمام نصّ أقرب إلى الرواية من السيرة الذاتيّة. إذ لا يمكننا الحديث عن مطابقة حرفيّة بين الكاتب وطارق الشخصيّة المركزيّة. والأحداث الفانتازيّة التي وقعت في النصّ قد تؤكّد ذلك. كما أنّ إصرار الكاتب على كلمة "متخيّلة" في الغلاف سيحول دون التمييز بالضبط بين ما هو حقيقيّ وما هو متخيّل. ممّا يعني أنّنا أمام الخطاب السرديّ المهجّن والذي يطلق عليه "رواية السيرة الذاتيّة". وهذا هو برأيي الاصطلاح الأكثر دقّة وملاءمة لهذا النوع الأدبيّ، وبناء على ظروف كتابته ومضامينه ودوافعه.
لكن لماذا لم يسمّها رواية وهو يدرك بأنّه بناها وفقًا للشكل الروائيّ؟ وهل هناك تشابه بين حياة الكاتب والشخصيّة المركزيّة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ما هي الملامح الأوتوبيوغرافيّة؟ ما هو الحقيقي وما هو المتخيّل؟ برأيي، تعمّد الكاتب تصنيفها كذلك لسببين: ليجعل نصّه مهجّنًا حداثيًّا تمامًا مثلما آلت إليه مدينته. والثاني للتأكيد على سيرة بلدته، مؤكّدًا على العنصر السيريّ، على الحقيقة فيما يخصّ مدينته، أي هي سيرة مكان. أمّا كلمة "المتخيّلة" فتخصّ الشخصيّات والأحداث وإن تشابهت طفولة طارق مع طفولة الكاتب في هذا المكان. والعتبة المقتبسة على الغلاف الخلفيّ تؤكّد أنّها سيرة مدينة: "حقًّا المدنيّة تيّار جارف يتقدّم دومًا صوب الأمام، لكنّه يدفن كلّ شيء أصيل له صلة بالماضي. هي مقبرة للذكريات والتفاصيل الصغيرة.. آه قريتي الوادعة، قاتل الله الحنين، إنّه حيلتنا الخائبة لامتلاك الزمان، فالذكرى هي مجرّد ذكرى، ولا أصابع فيّ لكي أقبض على زمان أدبر وانقضى". كما يقول في موضع آخر: "بعض البيوت خلعت ثيابها ولبست زيًّا غريبًا، أصبحت خليطًا هجينًا فيه طبقات كأنّما من عصور مختلفة. الحديثة تعلو وتركب فوق القديمة، وتكاد تبتلعها في مشهد سورياليّ منفّر لأصحاب الذوق البلديّ"، "ليس من السهل على المرء أن يعتاد هذا الكولاج بعد أن رضعت عيناه من الأنماط الريفيّة المتواضعة"(ص58). إنّ هذا الذي وصفه هنا هو تمامًا ما فعله في نصّه، فيمسي النصّ بشكله عاكسًا لمضمونه، ويتجانسان.
فإذا كان الكاتب ينتقد فقد الأصيل النقيّ فقد جعل نصّه مهجّنًا عابرًا للنوع بالدمج بين السيرة والرواية، متمرّدًا على النقاء النوعيّ، واعيًا للتلاقح الأجناسيّ. فيأتي هذا تعبيرًا عن المضمون، وتجانس الشكل معه. ومن جهة ثانية يجعل نصّه متمرّدًا تمامًا كشخصيّة طارق.
كما أنّ تكثيف الرموز والتناصّ واعتماد أسلوب الفجوات، ثمّ بناء النصّ كمونتاج من المشاهد السينمائيّة والكولاج وتهشيم التسلسل الزمنيّ بالانتقال بين الماضي والحاضر، وتغيير لون الحرف وحجمه، واعتماد آليّات تيّار الوعي: كالمونولوج والاستباق والاسترجاع والأحلام، كلّ هذا من شأنه تقويض الحبكة التقليديّة وتفتيتها وزعزعة طقوس تلقّي القارئ وإحلال التعقيد، فيؤكّد انتماء النصّ للحداثة. وهذا ما يؤكّد تجانس الشكل والمضمون مرّة أخرى.
تعتمد السيرة المبنى الدائريّ فتنتهي بالجمعة المشمشيّة مثلما بدأت. لكن، على الرغم من دلالة هذا بصعوبة التحرّر من قبضة التهجين والمدنيّة والحداثة، وفي ظلّ أزيز الرصاص، وإدراك طارق أنّ غبيشي سلب حبيبته وأمسى امتدادًا لشهبندر، فأمسى هو امتدادًا لحمدان، إلّا أنّ الرواية تنتهي بالتفاؤل الممزوج بحلاوة المشمش، حيث يجد طارق الشعرة الأخيرة التي تربطه بالفردوس المفقود(ص147)، وذلك بوصيّة حمدان الذي تنازل له عن ملكيّته للبستان وبيته، فيعيده بهذا إلى ماضيه ويمنحه عنوانًا ويثبّثه بأرض بلدته. إلّا أنّني أراه تفاؤلًا غير نقيٍّ مهجّن يؤرّقه المستقبل الضبابيّ، لأنّه يتوقّف على مدى قدرة طارق على تجاوز مشاعر الاغتراب في واقعه الديستوبيّ. وقد كتب له حمدان: "الدور دورك" كي تجد هذه السعادة، لكنّ الكاتب أنهى نصّه بعبارة "فهذه جمعة مشمشيّة". فهل ستكون سعادة طارق سعادة قصيرة متملّصة لأنّها جمعة مشمشيّة، أم سينجح بتحقيق الخلاص وإيجاد الحبّ والسعادة، خصوصًا أنّ الحمام المبشّر بالخير ورمز الحبّ والسلام والمصالحة سيرافقه مثلمّا أكّد له حمدان في وصيّته؟!
وممّا يشير إلى التفاؤل انتهاء النصّ بزواج آدم وشهرزاد، بزواج يكلّله الحبّ وتوحيد الحاكورتين. فها هي شهرزاد كفّت عن طحن الكلام، فيعيدها الكاتب بفعل الحبّ لرمزيّتها الأصليّة، سيّدة القصّ الأولى، الواعية لضرورة الحكي من أجل سرد حكاية الحياة لا الموت والقتل. أمّا آدم فهو رمز للرجل الأوّل، التوق للعودة إلى الأصل، حيث كان آدم متجرّدًا من كلّ التشوّهات المادّيّة. كما أنّ التأكيد على نظرة الحبّ بينهما لحظة تفجّر مياه الينابيع، ثمّ توحيد الحاكورتين، يأتي كرمز لانبثاق الحياة في فعل الشراكة والحبّ بين الرّجل والمرأة. والكاتب ينفي شهريار الذي يحمل السيف ويقتل، وحوّاء صاحبة "الشهوة المنفلتة" مثلما وصفها.
إنّ هذا الحبّ الذي عاشه آدم في النهاية أحدث تحوّلًا لديه، فانعكس في تعامله مع طارق حين قدّم له المشمش بابتسامة. وها هو حمدان يتزوّج من هنيّة أخيرًا. ممّا يعني أنّ الكاتب تعمّد إنهاء سيرته بسحر الحبّ كفعل مرتبط بالخلاص وتجدّد الحياة وعقد المصالحة. وهذا يؤكّد دلالة تمّوز إله الحبّ والزرع والخصوبة. إنّ حداثة هذا النصّ هدمت الواقع المعيش لا لتهرب منه، بل لتعيد بناءه وترميمه على نحو مغاير يوتوبيّ.
هكذا يكشف النصّ شدّة ارتباط الكاتب الوجدانيّ بالمكان الذي تأصّلت فيه هويّته. فلمّا عاش الفلسطينيّ نكبته فإنّه يصرّ على التمسّك بالأرض وجذوره وهويّة المكان. لم يبقَ له إلّا أن يثبّت وجوده وهويّته بالكتابة. وهي الذاكرة المنبع "البئر" الذي يلجأ إليه.
يكتب إغباريّة ليعكس حنينًا ورفضًا، حنينًا للماضي، ورفضًا للحاضر المشوّه. فيمسي الأدب بعثًا للوطن وأفضل الطقوس لمواجهة الفقد والنسيان، إنّه آليّة دفاع ومقاومة وتوثيق. في الكتابة حنين للوطن/ الفردوس المفقود، والأدب فنّ المفقود، يأتي بالغياب ويجعله حضورًا. يحفظ التاريخ الشاهد على الهويّة ويروي تاريخ الأرض والإنسان. به تدافع الذات عن وجودها وتاريخها ومستقبلها، وتعيد بناء وطنها.
باللغة يثبّت الحقيقة ويجلي التهجين كفعل الماء التطهيريّ. فاللّغة مرآة الوجود. هي الذّاكرة الإنسانيّة، وذاكرة المكان لا تحيا إلّا عبر ذاكرة الإنسان. وما بقي عالقًا في الذاكرة والمتخيَّل أجمل من الحقيقيّ الذي يفسده الواقع. كقول الكاتب: "القصّة المتخيّلة أجمل من القصّة الحقيقيّة، والوطن المتخيّل أجمل من الوطن الحقيقيّ"(ص76).



#لينا_الشّيخ_-_حشمة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وقد أمسى الحضور ضياعًا - قراءة تحليليّة تأويليّة في رواية -ب ...
- -نفوس تائهة في أوطان مهشّمة-- قراءة نقديّة تحليليّة لرواية - ...
- مريم على درب خلاصها – قراءة تحليليّة لرواية -على درب مريم- ل ...
- في الثلاثيّة - قراءة تحليليّة سيميائيّة في رواية -جوبلين بحر ...
- كريمة الشّمسُ الباحثةُ عن النّور- قراءة تحليليّة في رواية -س ...
- -هيمنة اللّيدي-- ملامح السّرد النّسويّ في رواية -حكايات اللّ ...
- الحبّ: حكاية بطلٍ لهذا الوجود- قراءة تحليليّة في رواية -باب ...
- -ذاكرة حاضرة في غياب الوطن- - قراءة في رواية -غربة الحجل- لل ...
- -في فوّهة الجحيم: من المعاني إلى الدّلالات في دلالة الأسماء ...
- -إيكاروس بين الشّمس والحرّيّة- - قراءة تحليليّة في رواية -كل ...
- -حوريّة بين الثّنائيّة والثّالوث-- قراءة في رواية -حرام نسبي ...


المزيد.....




- Batoot Kids..تردد قناة بطوط كيدز 2024 الحديد على النايل سات ...
- إيتيل عدنان.. فنانة وكاتبة لبنانية أميركية متعددة الأبعاد
- فنان -يحفر- نفقا عبر محطة ميلانو المركزية في إيطاليا..ما الس ...
- مستشار بوتين: احترام القيم والتقاليد هو ما يجمع روسيا بدول ش ...
- بعد انغماسها في عالم السياسة.. -بنات اليوم- يعيد نجمة مغربية ...
- مصر.. الكشف عن اللحظات الأخيرة قبل وفاة الفنانة فريدة سيف ال ...
- أجمل أفلام الكرتون وأروع برامجها.. نزل تردد قناة ماجد أطفال ...
- -من بدوي إلى رئيس-.. محمد إدريس ديبي رئيس الفترة الانتقالية ...
- -من خلف الخطوط-.. رواية تشرح ثقافة حماس في تحرير الأسرى!
- انطلاق فعاليات -ربيعيات أصيلة- للفنون التشكيلية


المزيد.....

- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو
- الهجرة إلى الجحيم. رواية / محمود شاهين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لينا الشّيخ - حشمة - -سيرة مدينة: نوستالجيا الفردوس-- قراءة تأويليّة في -جمعة مشمشيّة- لأحمد إغباريّة