أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لينا الشّيخ - حشمة - -هيمنة اللّيدي-- ملامح السّرد النّسويّ في رواية -حكايات اللّيدي ندى- للكاتبة كلارا سروجي شجراوي















المزيد.....



-هيمنة اللّيدي-- ملامح السّرد النّسويّ في رواية -حكايات اللّيدي ندى- للكاتبة كلارا سروجي شجراوي


لينا الشّيخ - حشمة

الحوار المتمدن-العدد: 6422 - 2019 / 11 / 28 - 02:01
المحور: الادب والفن
    


تتجلّى مضامين السّرد النّسويّ في رواية "حكايات اللّيدي ندى" للكاتبة كلارا سروجي – شجراوي في محورين أساسيّين: الخاصّ والعامّ؛ فلا تنغلق الكاتبة على قضايا المرأة الذّاتيّة، بل تعنى أوّلًا بمحور الذّات ثمّ تنفتح على المحاور العامّة: الهموم الوطنيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والدّينيّة، وذلك في مجتمعها العربيّ المحلّيّ الفلسطينيّ فيما يطلق عليه بـ" عرب الدّاخل"، أو "عرب الـ 48"، وفي الوطن العربيّ أيضًا، وصولًا إلى قضايا إنسانيّة وجوديّة عامّة. برزت ثورة الكاتبة على صعيد المضمون في جرأتها على اختراق الثّالوث المحرّم: السّياسة، الدّين والجنس، حيث أثبتت قدرتها على تناول هذه القضايا المصيريّة ومواجهتها.

** هموم المرأة الخاصّة: الرّقيب الاجتماعيّ والدّينيّ

تتناول الكاتبة في روايتها قضايا اجتماعيّة متعدّدة تعتبر من الموضوعات الجريئة في مجتمع تقليديّ محافظ، تؤكّد فيها على قهر المرأة والعنف ضدّها، وصولًا إلى حدّ الاغتصاب والقتل وإزهاق الرّوح وانتهاك الجسد. فتقع كلّ من "ندى" و"إسراء" للعنف والاغتصاب. ولعلّ الاغتصاب أكثر وسيلة يحقّق فيها الرّجل سيطرته على المرأة، وقد تكون أعنفها وأكثرها سلبًا للرّوح قبل الجسد. تغتصب ندى وهي في العاشرة من عمرها حين كانت في طريقها إلى درس الموسيقى مساء أحد أيّام الشتاء، لكنّها لم تشف من جرح الاغتصاب طوال حياتها: "تلك اللّيلة قرّرت مصيري ومستقبلي"(ص 34-35). أمّا الجاني "فلم يعرف أحد هويّته.. وبقي حرًّا طليقًا دون عقاب"(ص 92). أمّا إسراء فكانت تعيش مع والدها وأخيها جعفر الّذي يكبرها بعامين، ماتت أمّها بعد مرض ومعاناة. كانت في الحادية عشرة من عمرها عندما حاول "توفيق"، صديق والدها، اغتصابها لكنّها تنجح في صدّه وتهرب مسرعة إلى بيت معلّمتها(ص 38-40)، ثمّ تتكرّر تجربة الاغتصاب من والدها نفسه(ص73-74).
تدفع ندى ثمن اغتصابها في مجتمع ذكوريّ سلطويّ يلاحقها بلقب المغتصبة ويحوّلها من ضحيّة إلى مذنبة. وبعد أن "عنّست" وتجاوزت الثّلاثين من عمرها أقنعوها أن "تتزوّج من محمود "الأرمل الهرم"(ص29-30). تصل لعنات هذا السّوط لابنتها سماح في المدرسة: "هذه بنت ندى الّتي اغتصبت وهي صغيرة، فلم تجد سوى عجوز يرضى بها"، "شو رأيك نتحشّر فيها؟ بلكي طلعت مثل إمّها؟"(ص119). تصطدم ندى مرّة أخرى بالرّقيب الاجتماعيّ والأعراف بعد أكثر من عشرين عامًا، وذلك عندما تسافر ابنتها سماح لتقيم في الولايات المتّحدة بعد نيلها منحة دراسيّة، وهناك تتزوّج من ويليام مدرّسها في الجامعة الّذي أحبّها من النّظرة الأولى. تحاول عائلة زوجها منع ابنتها من الزّواج من هذا "المسيحيّ الأمريكيّ"، فيكفّرونها ويتّهمونها بأنهّا "عاهرة مثل أمّها"، ويكفّرون زواجها، لكنّ ندى الأرملة تواجههم وحدها مضطرّة إلى التّنازل عن البيت الّذي ورثته عن زوجها وترك قريتها "عين ماهل" لتعيش نفيًا قسريًّا ولاجئة في بلادها. كما يطردها أخوتها ويهدّدونها بأنّهم سيلاحقون ابنتها "ولو كانت في سابع سما، ولن يرحموها". تحذّر ندى ابنتها سماح من العودة إلى البلاد. وهناك تغيّر سماح اسمها ويصير "إيفا"(ص23 و107).
تنتقد الكاتبة ازدواجيّة المجتمع ونفاقه والحرام النّسبيّ الّذي يميّز بين الأفراد، وخاصّة بين الذّكر والأنثى، حيث يمسي الحرام الدّينيّ نسبيًّا ومرهونًا بمصالحه وأهوائه، فتقول ندى: "لا أعرف كيف صارت ابنتي كافرة، بينما ابن جارتي عصماء متزوّج من فتاة رومانيّة التقاها في سنوات دراسته.. هل الكفر يتوزّع بتمييز بين ذكر وأنثى.. فيكون للأنثى ضعف حظّ الذّكر أو أكثر؟"(ص107). تنتقد مجتمعها الّذي يحرّم الحبّ على المرأة وحقّ الاختيار بينما يشرّع القتل والعنف، فتقول سماح: "ما الإثم الّذي جرّ عليّ كومة الشّتائم وفتوى هدر الدّم عندما اخترت أن أكون له" (لويليام)؟ ألا يولد الإنسان حرًّا مخيّرًا كي يدرك طريقه الأفضل ويشكّل هويّته بحسب طاقاته الذّهنيّة وملكاته الفطريّة؟ أم أنّ الشّرق لا يعترف بذلك وينكر علينا أن نكون لنا إرادة أو يستكثرها علينا؟ هل الحبّ هو المحرّم علينا؟ بينما القتل والاعتداء على الآخر هما رايتنا نرفعها عاليًا نفتخر بها ونجاهر؟"(ص 110-111).
لا تتغافل الكاتبة عن قضيّة قتل النّساء على أيدي أزواجهنّ، فتجسّد صورة الرّجل القاتل، وتطرحها من خلال قصّة ميساء، جارة ندى، الّتي قتلها زوجها أبو إحسان العاطل عن العمل، حيث "ترك لها الاهتمام بكلّ شؤون المنزل في الخارج والدّاخل، فكانت تبيع المعجّنات والفطائر، والكوسا والقرع والباذنجان بعد أن تفرّغها من محتوياتها"(ص19-20). يطلّقها طلاقًا تعسّفيًّا بعد أن يخبرها صارخًا بأنّه لم يعد ينجذب إلى جسمها السّمين الضّخم، إذ "تفوح منه رائحة البصل والثّوم"، وهو "يستحقّ من هي أجمل منها وأصغر لتداعبه"، أخذ يغرس السّكين في لحمها وهو يقول: "بلكي بتضعفي شوي"(ص24-25). تندّد الكاتبة في هذه الحكاية وبأسلوبها السّاخر بزيف تعامل مجتمعها مع هذه الجرائم، حيث لا تتعدّى ثورته نطاق الاحتجاج الكلاميّ ورفع الشّعارات دون اهتمام فعليّ لاستئصالها من جذورها. كما تندّد بتقاعس الشّرطة عن ملاحقة القاتل الهارب. ولعلّها بهذه الحكاية توحي باهتمام الرّجل بالمرأة بكونها جسدًا فقط دون الاهتمام بدورها أو بما تقدّمه له من تضحيات، مؤكّدة على صورة الرّجل المستغلّ الّذي يتجرّد من مشاعره وأخلاقه جاحدًا أفضالها عليه، فيقتلها وهي الّتي تحمّلت الذّلّ والعوز وانخرطت في خدمته وإعالة البيت بينما هو عاطل عن العمل.
تنتقد الكاتبة نظرة المجتمع العربيّ الّذي يسلّط سهام رقابته الاجتماعيّة الحادّة على المرأة، فيحاصرها بقيود شديدة مقابل احترام المجتمع الغربيّ للمرأة. فهناك تنادى بـ "اللّيدي"، مثلما أطلق ويليام على ندى، فهي سيّدة ولها احترامها وتقديرها، لكنّها في مجتمعها العربيّ ليست سيّدة وليست حرّة، بل تابعة خاضعة لوصاية رجل، وإلّا دفعت الثّمن بتقوّلات النّاس وكلامهم ونبذت من مجتمعها؛ فتجد المرأة نفسها في موضع اتّهام ومحاسبة دائمة، فإن طلّقت أو مات زوجها تراقب وتحاسب بدافع وجوب بقائها تابعة لرجال عائلتها وتحت وصايتهم، كمثل الضّغوط الّتي مارسها أعمام سماح للضّغط عليها وعلى والدتها كي تتركا البيت وتنضمّا للسّكن عند أحدهم بحجّة الحفاظ عليهما من كلام النّاس(ص117). وإذا كانت المرأة سمينة يجب أن تكون نحيفة (ميساء)، وإذا كانت نحيفة كالصّبيان (سماح) "فمن سينظر إليها ويتزوّجها؟!"(ص 23). الأمر الّذي يؤكّد اهتمام المجتمع بالمظاهر على حساب الجوهر. كما يؤكّد أنّ الرّجل الشّرقيّ النّموذجيّ يهتمّ بالمرأة جسدًا وليس كيانًا وروحًا؛ فالأعراف الاجتماعيّة الذكّوريّة رسّخت لديه بالأساس أنّها مجرّد متعة جنسيّة وجسد مثير للشّهوة، دون الاهتمام بما تمتلكه من وعي وفكر وقدرات، ودون التّأكيد على ضرورة استناد هذه العلاقات في الأساس على الحبّ وتأكيد حقّ المرأة في ذلك. أمّا في الغرب فتكشف الكاتبة عن نظرة أخرى للمرأة ولمفهوم الزّواج والعلاقات. فحتّى تثبت الكاتبة النّظرة الغربيّة المهتمّة بالمرأة كروح وفكر وليس كجسد جميل يثير الشّهوة؛ رجل يبحث عن امرأة شريكة لا تحفة يتباهى بها، جعلت سماح لا تتمتّع بالجمال الخلّاب المنشود حسب معايير المجتمع العربيّ، أي "الجمال الأشقر بعينين زرقاوين"(ص 22). فعلى الرّغم من عدم جمالها إلّا أنّ مدرّسها الأشقر الأمريكيّ يهيم بها، فتستهجن ندى وتقول بسخرية: "لا أفهم كيف انجذب (ويليام) لابنتي السّمراء ذات الشّعر الأسود الحالك القصير وجسمها الهزيل الّذي يقترب في شكله من جسم الصّبيان. لو بقيت هنا في عين ماهل لما نظر إليها أيّ شابّ ولكانت بقيت بوجهي من دون زواج... فهي في نظر زوجها المخبول أجمل أنثى في العالم"(ص23). ولعلّ الكاتبة تصرّ على أن تؤكّد حاجة المرأة إلى الحبّ، ففي الحبّ تشعر المرأة أنّها تصير أجمل، ومع رجل يعرف كيف يحبّها ويقدّرها تشعر أنّها تصير أشدّ أنوثة، وهذا ما تقوله سماح: "مع ويليام "صرت امرأة.. صرت أخرى أحبّها أكثر، هادئة فرحة من دون عقد"(ص118). لقد فرض عليها مجتمعها العربيّ الذّكوريّ، المتناقض الازدواجيّ، ألّا تكون هي نفسها، أن تتخلّى عن ذاتها، أن تسحق أنوثتها(ص120)، لكنّها حين تجد رجلًا يدعمها في مسار تعلّمها وتحقيق ذاتها ويحبّها لذاتها ولفكرها ووعيها، ككيان كامل، كإنسان وروح، تصير أخرى أشدّ أنوثة، تصير أجمل. الأمر الّذي يؤكّد توق المرأة إلى مثل هذه النّماذج الذّكوريّة في مجتمعها، فحتّى الصّداقة بين الرّجل والمرأة من الممكن أن يكون لها وجود في الغرب(ص87)، بينما في مجتمعها لا تزال هذه العلاقات ترى بعين العيب والحرام والشّك.
تؤكّد الكاتبة على أنّ الحبّ هو أقوى العلاقات وأكثرها رسوخًا في هذا الواقع المشوّه، وتجعله موتيفًا لكلّ العلاقات الإنسانيّة، فالحبّ هو القادر على الوقوف في وجه السّياسة وصراعاتها، كحكاية حبّ والدي "ميريم": عوفرا اليهوديّة الإسرائيليّة وخليل العربيّ اللّبنانيّ اللّذين التقيا في جامعة هارفارد، وقوبل حبّهما بالرّفض الشّديد من أهل كلا الجانبين: "فكلّ مساس بالدّين أو بالسّياسة يزلزل الصّفو ويدحرج الأمان ويطمس المحبّة ويقهر الأخوّة ويدعك الإنسانيّة"(ص104)، لكنّ حبّهما كان أقوى من كلّ الحدود والحروب والتّقسيمات(ص102-103).
ولمّا كان المجتمع العربيّ المحافظ يؤمن بالقيم السّائدة، ولمّا كان الجنس في المجتمعات المحافظة يعتبر إثمًا، فإنّ المرأة بجسدها الّذي هو مصدر لهذا الإثم تصبح هي الأخرى كائنًا يجب إحاطته بكلّ أنواع الممنوعات حتّى لا تصبح فتنة تهدّد السّلام الاجتماعيّ أو تخدش الحياء والآداب العامّة. تُنتقد ندى على لسان الجارة لأنّها لا تلبس الحجاب، إذ قالت هذه الجارة عنها: "ضلّت مفرّعة ومعطّرة وعدروس البيانو مواظبة.. والله هادا ضلال وحرام وضدّ الشّريعة.. شو إحنا أجانب يا عيب الشّوم. يا ويلها من غضب الله"(ص56). ولعلّه لا غرابة بأن تجعل الكاتبة قائل هذه العبارة امرأة، وكأنّها توحي بذلك إلى أنّ المرأة قد تكون العدوّ الأشرس للمرأة وسببًا في قهرها واستلابها. وتشير الكاتبة هنا إلى المجتمع الّذي يفرض الحجاب على المرأة تحت ضغوط اجتماعيّة والعادات والأعراف، لا بدافع العقيدة والإيمان وحرّيّة القرار. فتتعرّض من لا تلبس الحجاب للرّقابة الاجتماعيّة والدّينيّة ويكون الحكم على تحرّكاتها قاسيًا ويخطّئها سلفًا، فتعمل الأعراف على فرض الوصاية على جسدها، وتعزيز النّظرة بأنّ جسدها مثير للشّهوة فيطالبونها بارتداء الحجاب وإنكار جسدها وإخفائه. إنّ جسد المرأة، وفق هذا المفهوم، هو موقع الرّغبة الجنسيّة وهو الحيّز الّذي يمارس عليه المجتمع العنف. ولا شكّ أنّ هذا يبيّن أنّ المرأة تعاني من نظرة الرّجل الازدواجيّة؛ في ازدواجيّة التّفكير والممارسة؛ في مجتمع يخشى الخطيئة وخدش الحياء بالعلن ولا يهمّه ما يفعله بالخفاء من اغتصاب وانتهاك؛ ينجذب إلى المرأة كجسد ومتعة حسّيّة، لكنّه يخشى حرّيّتها وتفوّقها فيحيط جسدها بهالة من التّقديس والتّحريمات. إن حكاية اغتصاب ندى وإسراء وقتل ميساء ليست إلّا استمرارًا لكلّ أقدار النّساء قبلها؛ فانتهاك الجسد هي حكاية قديمة، لكنّها لا تزال مستمرّة.
وإذا كان الجنس يمثّل إثمًا، ووصف الجسد يعتبر من المحرّمات في العرف الاجتماعيّ، كان كسر تابو الجنس هو التّحدّي الأبرز والأوّل في الأدب النّسويّ كخطوة أولى في طريق التّمرّد على المجتمع السّلطويّ الذّكوريّ، وتقويض للأعراف الاجتماعيّة مثلما هو تقويض للقوانين الأدبيّة. لا ترتدع كلارا عن الوصف الجنسيّ، رغم أنّها لا تعنى به عناية فائقة إلى ذلك الحدّ الّذي وصلت إليه بعض الكاتبات العربيّات، فلا تكثّف الرّواية تفاصيل لمشاهد جنسيّة صارخة أو مغامرات بطلاتها الجنسيّة. إنّما اقتصر الوصف على بعض المفردات وعلى مشاهد محدّدة وظّف الجنس فيها ليخدم دلالات الرّواية وأحداثها أوّلًا، مثلما سنبيّن لاحقًا، وكوسيلة لمقاومة الأعراف الذّكوريّة وهتكها ثانيًا.

** قضايا عامّة: هموم سياسيّة، وطنيّة، اجتماعيّة ودينيّة

تسعى المرأة الكاتبة في خروجها إلى معالجة المضامين العامّة خارج محور الذّات إلى تقويض النّظرة الذّكوريّة الّتي تنتقص من قيمتها في القدرة على التّعاطي مع هذه القضايا، فتخلق صورة مغايرة قادرة على مواجهة القضايا المصيريّة، مؤكّدة انتماءها لمجتمعها ودورها الفاعل فيه، ودأبها على كشف الفساد المنتشر في مختلف الأصعدة. ولم تكن السّياسة كمحرّم بعيدة عن ثورة الكاتبة العربيّة، فلم تتوانَ عن تحدّي الرّقابة، بل أظهرت تحدّيًا عنيفًا إلى جانب تحدّيها للأعراف والموروثات الاجتماعيّة والدّينيّة أيضًا، رغم ما يهدّدها من عقاب صارم.
تنفتح كلارا في روايتها على طرح مضامين متعدّدة وسرد حكايات تطرح قضايا سياسيّة واجتماعيّة ودينيّة عامّة. فالخاصّ والعامّ في نهاية الأمر ليسا منفصلين في رؤية الكاتبة المعرفيّة، فالوطن لديها يتكوّن من مفردات الخاصّ الدّاخليّ الشّخصيّ العاطفيّ البيتوتيّ ليفضي بشكل شخصيّ تلقائيّ إلى العامّ العمليّ الخارجيّ السّياسيّ اللّامنزليّ. تظهر الكاتبة عنايتها في القضايا الّتي تؤرّق الإنسان في العالم العربيّ حيث تتسلّط الأنظمة القمعيّة والثّقافة الذّكوريّة البطريركيّة بتعزيز من حليفها الدّينيّ المتطرّف والتيّارات الظّلاميّة الّتي تنتهج التّكفير لكلّ من يخالفها. يظهر تمرّد الكاتبة على الواقع السّياسيّ والدّينيّ والاجتماعيّ بكلّ جرأة، مخترقة الثّالوث المحرّم؛ مؤكّدة على أنّ الواقع بات مهشّمًا مشروخًا من شدّة القمع والقلق والاغتراب، فيعيش الفرد في مجتمع يقتله العنف والتّمييز الطّائفيّ وموت المحبّة الإنسانيّة، تصفه على لسان ندى: "هذا الزّمان الّذي استبيحت فيه العذارى لرجال يملكون المال الوفير وجعلت أجسادهنّ متعة رخيصة يطؤها الدّواعش وأشباههم. أنا من عاصر الثّورات العربيّة العمياء على أجهزة التّلفاز ومواقع الإنترنت فشهدت موت الآمال وولادة الشّياطين، عمّ الخراب وانتشر الدّمار ونُحر الشّبّان كالخراف وسُبيت الفتيات الجميلات لترتفع نيران الجحيم"(ص18)، "تلاحقت الأزمنة عبر العصور لتؤكّد على أنّ الإنسان يتفوّق على الوحوش المفترسة بأجمعها بأساليبه المبتكرة في التّعذيب والتّنكيل"(ص63). ترى الكاتبة أنّ الأمّة العربيّة لا تزال تعيش حالة من الخمول والتّخلّف بعيدة عن التّفكير العلميّ المتطوّر حسب ما قالته إسراء لصديقتها ندى: "أتساءل يا صديقتي في أيّ مرحلة تعيش أمّتنا؟ لقد تكلّم أوغست كونت عن ثلاث مراحل لتطوّر الفكر في المجتمع الإنسانيّ عامّة وكذلك لدى الإنسان الفرد، الأولى: يسمّيها مرحلة الدّين والخرافة والخيال. والثّانية هي مرحلة الميتافيزيقا والتّفكير المجرّد. أمّا الثّالثة فهي مرحلة التّفكير العلميّ. أخشى يا عزيزتي، أنّنا لم نتجاوز بعد المرحلة الأولى"(ص 64).
تنتقد كلارا كذلك قضايا مجتمعها العربيّ الفلسطينيّ في الدّاخل بجرأة، فتسقط الأقنعة الّتي يستتر وراءها وتكشف عن ممارساته العنيفة. ويأتي نقدها في كثير من الأحيان مبطّنًا بسخرية وتهكّم. تعكس صراع الإنسان العربيّ الفلسطينيّ الّذي يعيش حيرة الاغتراب وأزمة هويّة، ثمّ صراع المرأة الّتي تخوض حربين، حرب الاغتراب وصراع المكان والأرض وأزمة الهويّة إلى جانب الرّجل، وحربًا ضدّ عوامل الكبت والرّقابة الاجتماعيّة الّتي يفرضها عليها المجتمع الذّكوريّ المحافظ. كما أنّها تتطرّق في حكاياتها إلى ظاهرة التّمييز العنصريّ وتصنيف البشر حسب اللّون والعرق والدّين، ووفقًا لقوالب جاهزة وآراء مسبقة، كتأنيب ندى لنفسها على تساؤلاتها وحكمها على هويّة الشّابّ اليهوديّ الأسمر في المقهى الّذي ظنّت أنّه لا يمكن أن يكون يهوديًّا أشكنازيًّا، وأنّه لا بدّ أن يكون من أصول شرقيّة(ص90)، وبالمقابل إذا ما رأى اليهوديّ شخصًا أسمر ظنّ أنّه عربيّ فيشعر بالخوف والقلق منه. وهذا ما ظنّه الشّابّ حيال ندى فأخذ يطمئنها بأنّه ليس عربيًّا(ص91).
تعقد الكاتبة مقارنة بين "الشّرق" و"الغرب" حيث المجتمع الشّرقيّ "مجتمع فاسد بأعراف بالية"(ص124)، ذو فضول قاتل، يتدخّل فيما يفعل الآخر، ولا يحترم خصوصيّته ويكثر من الأسئلة(ص125)، مهتمًّا بالمظاهر والنّميمة ومراقبة الآخرين ومحاسبتهم. تسخر كذلك من حميميّة الشّرق القاتلة المزيّفة مقابل الغرب حيث "اعتادوا على الوحدة والخصوصيّة"(ص36). لكنّها، وإن كانت تسعى إلى الإشارة إلى تطوّر المجتمعات الغربيّة وتقدّمها، إلّا أنّها لا تصوّرها على أنّها مجتمعات مثاليّة، بل تنتقد فيها العلاقات الاجتماعيّة الّتي تكون نقيضًا تامًّا "لحميميّة الشّرق"، والّتي "تقوم على اللّامبالاة الرّقيقة الملفوفة بورق ملوّن جميل ناعم دون أن تكشف عن محتواها الحقيقيّ الفارغ، فقد يقول لك الجار: هاي ويبتسم لك، دون أن يكون القصد من ذلك الاهتمام والاحتفاء بجودك"(ص125). ثمّ تبيّن هذا الجفاء في علاقات الأقرباء وعلاقة الأبناء بالآباء، كحكاية المرأة العجوز الفقيرة الّتي وجدت في شقّتها تقضم الفئران جسدها وهي تقبض على رسالة مطويّة بيدها، كتبتها إلى ولدها تعبّر فيها عن اشتياقها له وترجوه أن يأتي لزيارتها(ص125). ثمّ توجه الكاتبة نقدها لمجتمعها وقيمه الأخلاقيّة الّتي تشوّهت فتتساءل ندى: "لماذا يوزّع الفرد شهادات امتياز أو سقوط بحسب أفكار مسبقة عن الأشخاص؟ لماذا يوزّع العفّة أو الفجور، التّقوى أو الفسق بحسب بأهوائه وعقائده؟ هل سيأتي يوم التّحرّر الحقيقيّ من كلّ ما يلوّثنا من أفكار ونزعات وملل ونحل لنعيش إنسانيّتنا الصّادقة؟"(ص107-108). ثمّ تطرح ظاهرة ازدواجيّة السّلوك والعنف وعدم النّظام، كانتهاك أحواض الزّهور في الأحياء العربيّة وتزيينها بالمنشورات الدّعائيّة والسّياسيّة الّتي تندّد بأيّ شيء "مع كمشة أخطاء إملائيّة"(ص 28)، وبالمقابل في الأحياء اليهوديّة يكون الفرد مثالًا للنّظام والانضباط والهدوء(ص28).
تبرز كلارا كذلك صراع الإنسان العربيّ واليهوديّ، كاضطرار العرب إلى التّهامس فيما بينهم خوف أن يسمعهم اليهود يتكلّمون العربيّة: "فنحن مشبوهون كيفا التفتنا ودرنا"(ص28)، ثمّ تتطرّق إلى صراع اللّغة والهويّة من خلال تهجين اللّغة العربيّة باللّغة العبريّة في القرى والمدن العربيّة، فتنتقد استخدام الجيل الشّابّ للمفردات العبريّة بعفويّة تامّة، وهم بالمقابل لا يفقهون من أمر لغتهم(ص84)، ثمّ تتناول مصادرة الأراضي من العرب واقتلاع أشجار الزّيتون(ص32). ولعلّ ما قالته ندى لإسراء يبيّن شدّة الأزمة فتقول: "هل تدرين يا إسراء أنّنا كعرب نعيش داخل إسرائيل نخاف أن يصيبنا ما يصيب العرب في غزّة وغيرها؟ وقد تكون إصابتنا من إحدى الجهتين المتخاصمتين صدفة سورياليّة مضحكة ومبكية في الوقت نفسه. نحن منفصمون على ذاتنا، لا نعرف تحديد هويّتنا بصدق.. نعيش فزعًا غير مفهوم وغربة لا متناهية كأنّنا أضعنا الطّريق. الكثير منّا يخاف أن يتحوّل إلى مجرّد حقيبة سفر تلقى قسرًا في بلاد لم يخترها"(ص 92-93). لكنّها من جهة أخرى، وفي اللّيلة الثّانية والعشرين، تبيّن الوجه الآخر للصّراع، وجه الألم والإنسانيّة الموجوعة خلف هذا الصّراع، فتتساءل على لسان ندى: "كيف يكون شعور اليهوديّ عندما يغتال أبوه أو تطعن أخته بسكّين أو تموت أمّه في انفجار حافلة؟ أليس طبيعيًّا أن يشعر بالكره نحو العرب، تمامًا كما يشعر العربيّ المهزوم والمسحوق الّذي فقد كلّ ما يملك وضاع المعنى من حياته فقرّر تحقيق مقولة "عليّ وعلى أعدائي"؟(ص 92). وتؤكّد على هذا الصّراع في حكاية اللّيلة الثّالثة والعشرين من خلال إحدى التّفجيرات الّتي وقعت في حيفا حقيقة عام 2003 في مطعم "مكسيم"، وتوظّف من خلالها حكاية وهميّة للشّابّ "ألكس" ابن معلّمة البيانو الّذي قتل فيها لتبرز هذا الإحساس المفجوع بالقتل والفقد، وما تعانيه الأمّ حين يقتل ابنها في هذه الانفجارات(ص94-96). كما تكشف عن قضايا التّهجير عام 1948 كسقوط قرية "الشّجرة" وتهجير أهلها ثمّ تغيير اسمها ليصير "إيلانيا"، إضافة إلى تفسّخ العائلات وتشظّيها من خلال قصّة عمّة ندى "نوّارة" ونزوحها إلى الأردن، وبعد أن خسرت، بعد زفافها بشهرين، حبيبها نسيم الّذي قتل أثناء إحدى معارك قرية الشّجرة، ثمّ ما تلاها من معاهدة السّلام بين الأردن وإسرائيل عام 1994 وتداعياتها، كحضور نوّارة لزيارة أهلها وحدها بلا زوجها أو أولادها لرفضهم اتّفاقيّة السّلام والتّطبيع، ثمّ تصوير لحظة وصولها إلى بلدتها، الشّجرة المهجّرة، وتلك البقعة من الأرض الّتي ترعرعت فيها، حيث ركعت تقبّل التّراب وتبكي(ص 42-46). إنّ هذه المضامين المتعدّدة تؤكّد وعي الكاتبة بقضايا مجتمعها وإدراكها لأوجاعه وآماله، فتخوض حتّى في المسائل الفلسفيّة والدّينيّة والتّساؤلات الوجوديّة كمفهوم الموت(ص70)، وإيمان الإنسان بفكرة الجنّة والجحيم(ص77)، تتبعها بتساؤلات حول الله وجدوى الحياة في ظلّ الظّلم والقتل والاغتصاب (ص73).

** صورة الرّجل

يسعى السّرد النّسويّ العربيّ الحديث إلى النّيل من مكانة الرّجل، فيظهره تارة قاسيًا، فظًّا، مستغلًّا، وقيدًا للمرأة، وطورًا بائسًا، تعيسًا، ضعيفًا، خجولًا وعاجزًا جنسيًّا. ولا تخلو هذه الرّواية من توظيف صورة للرّجل العنيف المضطهد، لكنّها لا تخلو كذلك من صورة إيجابيّة له.
كان والد إسراء مثالًا للأب القاسي المغتصب العنيف، ينهال عليها وعلى أخيها بالشّتائم والضّرب. ماتت أمّها وهي في الحادية عشرة من عمرها، ولم تكن في تلك المرحلة من عمرها تحسن القيام بالأعمال المنزليّة، فكانت عصا والدها تلاحقها إذا ما أحرقت طرف قميصه أو إذا نسيت الطبخة. وتصل قسوة والدها وانفلاته إلى أن يطلب منها "أن تساير صديقه عمّو توفيق"، الّذي ينقضّ عليها محاولًا اغتصابها لكنّها تهرب منه(38-40). حتّى في علاقته مع زوجته لم يكن الأب حميمًا أو محبًّا. يصف جعفر، شقيق إسراء، كيف كان أبوهما يتعامل مع والدتهما بعنف وقسوة وينقضّ على جسدها العاري: فيقول: "لم أصدّق كلام أمّي أنّ ما يحدث هو أمر طبيعيّ بين المتزوّجين، بل اعتبرته كذبة. لم أشهد حبًّا ولهفة وشوقًا، بل وجعًا وانسحاقًا واغتصابًا واحتلالًا (ص71). تتفاقم وحشيّة الأب المغتصب حين يصل به الحال إلى اغتصاب ابنته إسراء (سفاح المحارم).
يمثّل جعفر الرّجل المهزوز المشوّه الّذي كان برأي إسراء "ضعيف الشّخصيّة، جبانًا"(ص77)، "مجرّد صعلوك بائس فاشل، عنتريّ الكلام لا يقوى على حمل سيف"، لم ينجح حتّى في إقامة علاقة مع امرأة(ص81). يشعر طوال الوقت بالعجز والقرف من نفسه لأنّه لم يستطع الدّفاع عن أخته إسراء حين رأى والدهما يعتدي عليها، بل هرب من البيت وتركه يفعل ما يريد دون أن يقاومه وكأنّه كان متواطئًا معه(ص78). الأمر الّذي جعله يشعر بالدّونيّة والعجز إزاء إسراء، باحثًا عن أيّ شيء يُسقط عليه عجزه هذا. تحوّلت إسراء إلى كابوس يلاحقه في أحلامه حتّى أفقده فحولته. ففي حلمه الّذي كان يتكرّر بقسوة خلال عشرين عامًا كان يرى "والده يركع على الأرض مديرًا ظهره إلى أمّه الّتي تلبس ثوب زفاف أبيض وتحمل باقة من الزّهور السّوداء. بينما إسراء تلبس فستانًا أحمر يبرز مفاتنها، تحمل كرباجًا تضرب ظهر أبيها وتقهقه صارخة به: "توجّع.. أصرخ أيّها الحقير". برز نهداها من وراء الثّوب ضخمين بشكل أرعب جعفر، والّذي كان يتفرجّ على مشهد التّعذيب دون أن يجرؤ على الاقتراب. فيستيقظ دائمًا في اللّحظة نفسها الّتي تبصق عليه هذه المرأة المخيفة الّتي تقمّصت وجه أخته"(ص79-80). يتكرّر حلم جعفر ويثير فيه الخوف حتّى يفقده القدرة على إقامة أيّة علاقة مع أيّ امرأة كبيرة الثّديين، فيتخيّل أنّها ستهاجمه وتكبسهما على أنفاسه كي يختنق ويموت. ولذا كان دائمًا يبحث عن امرأة نحيفة جدًّا صغيرة الحجم، وحين يجدها أخيرًا على الرّصيف، متسوّلة بثوبها البالي والجسد الّذي لم يقربه الماء والصّابون منذ زمن، يأخذها إلى بيته ويقدّم لها الطّعام ثمّ حين تنتهي تخلع ملابسها وتتقدّم نحوه عارضة جسدها له ثمنًا للطّعام، لكنّه يغضب ويطردها، مدركًا هوانه وحقارته وعجزه"(ص81-82). هكذا يدمّر السّرد النّسويّ فحولة الرّجل ويظهره عاجزًا جنسيًّا، مثلما فشل والد إسراء في اغتصابها فبقيت عذراء ومات "حسرة على ذكورته الخائبة"(ص78). إنّ عجز الرّجل الجنسيّ وتقويضه في فحولته هو أكثر الأمور إيلامًا للرّجل الشّرقيّ(ص180). وبهذا يتحقّق تغييب الرّجل عن النّصّ وإلغاء دوره القياديّ. وهذا ما نجحت إسراء في تحقيقه في علاقته بأخيها ووالدها، وما تكشّف في الحلم، إذ كان الثّديان اللّذان حلم بهما جعفر وهما يطبقان على أنفاسه رمزًا للأنوثة الّتي نجحت في تدميره وتهشيم ذكورته والانتصار على فحولته، كلّ هذا إشارة إلى تعزيز سلطتها وتأكيد أهليّتها في القيادة مقابل تدمير سلطة الرّجل وتقويض الأعراف السّائدة في المؤسّسة الذّكوريّة.
تقود الهزيمة جعفر إلى حرق كتب الفلسفة الّتي كان يدرسها ويعشق قراءتها، تلك الّتي كان يعتقد أنّها ستجعله يفهم العالم ويبلغ الحقيقة المطلقة المفقودة ليحقّق بها تفوّقه على أخته وينتصر عليها. يرمز حرق الكتب إلى أزمته الفكريّة والرّوحيّة واكتشافه استحالة الوصول إلى هذه الحقيقة في ظلّ هذا الانتهاك وعبثيّة الوجود. الأمر الّذي يوحي إلى انهزامه وانحداره إلى الهاوية، ثمّ الإشارة إلى ما سيحصل بعد ذلك من تردّيه إلى السّلوك الجاهل والانزلاق إلى متاهة الانتقام من أخته. يمسي الانتقام جهازًا دفاعيًّا وإسقاطًا ينكر من خلاله حقيقة فشله الّتي لم يستطع تقبّلها. ولأنّ جعفر يرفض الهزيمة، وحتّى يثبت لنفسه أنّه لا يزال يملك القوّة للسّيطرة عليها، يحقّق انتقامه من خلال بحثه في حساب إسراء في الإنترنت، بحثًا عن أيّ خبر عن علاقات غراميّة مجهولة، يتجسّس على رسائلها لفضحها وإذلالها، آملًا أن يجد في رسائلها ما يعيب، علّ ذلك يخفّف من حدّة شعوره بالذّنب. إنّ هذا السّلوك ليس إلّا عمليّة هجوم لا شعوريّ يحمي بها جعفر نفسه بمحاولة إلصاق عيوبه ونقائصه وعجزه، ومن خلال كبت حرّيّتها ومراقبتها وكشف أسرارها. ولعلّ هذا دليل على أنّ الهاكر المذكور في عتبة العنوان والتّمهيد ما هو إلّا جعفر، إضافة إلى ما يؤكّده قوله بعد أن أحرق كتبه: "قرّرت أن أتجسّس على الآخرين، أراقب سلوكهم وأتسمّع إلى أحاديثهم علّني أنجح في فهم الحياة لأكتب رواية من نوع خاصّ"(ص82). باستلاب الحرّيّة وتضييق الرّقابة ينتقم جعفر من أخته، معتقدًا أنّه استعاد بذلك قوّته وسيطرته على الموقف، لكنّه بدلًا من علاقة غراميّة مجهولة يجد رسائلها المتبادلة مع ندى. يسرق هذه الرّسائل وينشرها على شكل رواية وفقًا لحساباته ويغيّر فيها حسب أهوائه ويضيف ثلاثة فصول بصوته تحت عنوان "نصّ خارج عن اللّيالي ومارق عن النّهارات"(ص71-82)، محقّقًا بذلك سلطة الرّجل على حياة المرأة ووصايته عليها، عابثًا بأسرارها وتفاصيل حياتها، منتهزًا الفرصة "ليكشف المستور" وسلب حقوقها "بالعيب" و"الحرام"؛ وهي مفردات يمارسها المجتمع المحافظ بأعرافه بهدف هتك حياة المرأة وسلب حرّيّتها. إنّ سرقة الرّسائل واختراق حسابها ليست إلّا دلالة على أنّ الرّجل الشّرقيّ لا يزال يمارس سلطته على المرأة، مستلبًا استقلاليّتها ومصيرها، مصرًّا على أن يقول هو الكلمة الأخيرة من باب الاحتفاظ بأدوار البطولة، وخوفًا من اتّهامه بانتقاص الرّجولة. وإلّا ما تفسير ترتيب الرّسائل بهذا الشّكل حيث لا تظهر أيّ رسالة من إسراء بعد نصوصه المارقة على النّهارات؟ وما هو تفسير انتصاره على إسراء في أن يسبقها بنشر الرّسائل قبلها؟ ولماذا تتبرّأ إسراء من كلّ ما كتبت ونُشر؟ إنّ هذا دلالة على أنّ المرأة لا تزال تعيش تحت وطأة قهر المجتمع الذّكوريّ السّلطويّ الّذي يحيطها بهالة من التّحريمات والمحظورات ويحاصرها برقابته القامعة، على الرّغم ممّا حقّقته من قفزة نوعيّة في تغيير واقعها، وعلى الرّغم ممّا يشي به الحلم- حلم إسراء- من انتصارها على قامعها (الرّجل)، وكأنّ هذا الانتصار بالمطلق لا يخرج عن نطاق الحلم، ولا يزال بعيدًا عن تحقيقه في الواقع الذّكوريّ القمعيّ.
أمّا صورة الرّجل الإيجابيّة فتتمثّل في محمود جار ندى الّذي ترك عمله كمدرّس ليهتمّ بزوجته الّتي أصابها مرض "الباركنسون" مبكّرًا. كان صورة غير مألوفة للرّجل الشّرقيّ، حتّى ندى في صغرها كانت تراه مختلفًا بسلوكه ورقّته وحبّه لزوجته(ص47). وإذا كانت خصاله حميدة ومحمودة مثلما تصوّرها الكاتبة، وليس عبثًا أن اختارت اسمًا بهذا المعنى، إلّا أنّها كانت مذمومة مكروهة في نظر المجتمع، فلقد كان "مش زلمي" وفقًا لمفاهيمه وأعرافه. كلّ ذلك لأنّه شارك زوجته آلامها ومحنتها عند مرضها، وأصرّ على الاعتناء بها حتّى يومها الأخير، رافضًا أن يطلّقها أو أن يتزوّج عليها مثلما تفرض الأعراف(ص48). يقول محمود: "كنت مواظبًا على الاهتمام بنظافتها، فأنا أعرف كم تريد أن تبقى جميلة جذّابة مهما اشتدّ عليها الألم. أحملها بين ذراعي كأنّها طفلة.. أدخلها إلى البانيو بعد أن أخلع عنها ثيابها.. أفرك جسمها الحلو بالماء والصّابون.. أداعب نهديها وظهرها وأفرك فخذيها وقدميها.. كنت أفعل ذلك بحبّ يشتدّ عليّ ويقوى فلا أستطيع أن أمنع نفسي من مداعبة جسمي أمامها إلى أن أصل لذّة الرّعشة فأصرخ ملء مشاعري المكبوتة. عندها كانت عيناها تلمعان فرحًا وحزنًا في الوقت نفسه"(ص68). إنّ هذا السّلوك يؤكّد مدى حبّ محمود لزوجته واهتمامه بها، بنظافتها ورعاية جمالها وعدم أنانيّته بخلاف صورة الرّجل التّقليديّة الّتي تتّسم بالأنانيّة وسعيه للشّعور بالمتعة مقابل حرمان المرأة منها وعدم الاهتمام بمشاعرها. يظهر محمود مدى إدراكه لما يجيش في نفس زوجته من مشاعر وأحاسيس، ساعيًا إلى إدخال الفرح إلى قلبها الحزين. لم يكن محمود يحبّ جسدًا بقدر ما كان يحبّ امرأة بكيان كامل، محترمًا رغباتها وأحاسيسها. ولهذا عندما يشتدّ المرض عليها وينسحق جسدها بتقرّحاته الدّامية يشعر بالقهر والعجز لأنّه لم يستطع أن يدفع عنه هذا الخراب، شاعرًا بأنّه قد خان حبّه لها(ص69). وعندما تموت كان عمره يزيد عن السّتّين وبلا أبناء، فتقبل به ندى زوجًا بعد أن أصبحت عانسًا وفقًا لمفاهيم هذا المجتمع. كان مثالًا للأب عندما أنجبا ابنتهما سماح مثلما كان مثالًا للزّوج؛ يهتمّ بشؤون البيت ويعدّ الطّعام ويرعى طفلتهما بينما تذهب ندى إلى عملها. وهذا يشير إلى أنّ محمود كان صورة مناقضة لصورة أبي إحسان زوج ميساء، كان محمود صورة للرّجل المثقّف، يحكي القصص لسماح ويعطي المقالات لندى لتقرأها هي أيضًا؛ مثال الرّجل الّذي يقدّر المرأة ويحترمها ويعي أنّ المرأة فكر ورأي وعقل أيضًا(ص51-52). وعليه، لا تظهر الكاتبة رافضة لمؤسّسة الزّواج قطعيًّا، بل نراها تؤمن به إذا ما كان أساسه الحبّ، مبنيًّا على الاحترام والمشاركة. وصحيح أنّها جعلت محمودًا كهذا الرّجل، لكنّها وتحقيقًا للفكر النّسويّ وتأكيدًا لدور المرأة القياديّ قتلته في مشاجرة تافهة ككلّ ما يحدث في مجتمعنا من مشاجرات تسلب أرواحًا بريئة كي تظهر قدرة المرأة على متابعة حياتها دون وصاية أحد، فبعد سبع سنوات يقتل محمود في شجار وقع بين مجموعة شباب، حاول أن يدافع فيه عن شابّ فتلقى الطّعنة بدلًا منه. ومن جهة أخرى تتحقّق الصّورة الإيجابيّة كذلك في ويليام، زوج سماح الأمريكيّ، كإشارة إلى أنّ الرّجل الغربيّ قد وصل إلى هذه المرحلة من احترام المرأة وتقديرها لذاتها وفكرها، لا كجسد يمنحه المتعة الجنسيّة فقط. لم تكن سماح جميلة وفقًا لأعراف مجتمعها لكنّه أحبّها ورآها أجمل أنثى، وكان "يدلّلها ويساعدها في شؤون المنزل ويهتمّ بدراستها كي تحافظ على تفوّقها"(ص 23)، ولم يكن مهتمًّا إن أنجبت له أو لا، منحها ويليام الحبّ، ومعه استعادت أنوثتها الّتي سلبها منها مجتمعها الذّكوريّ.

** صورة المرأة: هيمنة الشّخصيّة الأنثويّة ورفض التّبعيّة

من ملامح السّرد النّسويّ هيمنة الشّخصيّة الأنثويّة على النّصّ، كإشارة إلى محاولة هيمنتها على واقعها وتأكيد رفض تبعيّتها للرّجل. إنّ الممارسات القمعيّة الّتي مارسها الرّجل، ولا يزال، دفعت السّرد النّسويّ إلى تبنّي فكرة إقصاء الرّجل عن عالم النّصّ. تقصي كلارا الرّجل عن نصّها وتمنح الأدوار المركزيّة لشخصيّات أنثويّة مستعيدة بذلك مكانة المرأة. ولعلّ التّركيز على بحث المرأة عن الذّات، والعمل على تحقيق رغبتها واستقلاها في الحياة من أبرز ملامح السّرد النّسويّ في هذه الرّواية، حيث تؤكّد على نموذج المرأة الّتي ترفض أن تكون الضّحيّة، فحتّى تحقّق أحلامها عليها أن تنازع وتتحدّى وتقاوم وتواجه، وتظهر بشخصيّة قويّة، فعّالة، متحفّزة، مسيطرة وحرّة. تتمتّع ندى وإسراء وسماح بثقافة عالية، كنّ متعلّمات، شخصيّات فاعلة مهيمنة على عالم النّصّ ومصائرهنّ. يعكسن وعيًا فكريًّا ناضجًا لحقوقهنّ ولصورة المرأة العصاميّة المستقلّة، القادرة على التّحدّي والسّير قدمًا لاستعادة ذاتها. تحرّك الواحدة فيهنّ دوافع إيجابيّة وعقل متفتح لاستعادة هويّتها المغيّبة والعمل على تحقيق رغبتها. فندى، عاشقة الأدب والبيانو والفنون، والّتي اغتصبت في طفولتها، تصبح صحافيّة وكاتبة تكتب الرّواية، تعيش مستقلّة بعد أن تواجه أخوتها وعائلة زوجها وتتحدّاهم لتحمي ابنتها من براثنهم دون أن تستسلم لهم أو تخشاهم، ومهما بلغت خسائرها كاضطرارها إلى التّنازل عن بيتها وترك قريتها. أمّا إسراء الّتي اغتصبها والدها وصديقه فتتمرّد على والدها وتترك البيت، رافضة وصايته عليها كخطوة تتجاوز الاحتجاج الكلاميّ إلى اتّخاذ خطوة فعليّة مصيريّة. وحين يدهس بعد شهر من اغتصابها ويدخل في غيبوبة ترفض زيارته في المشفى. فإذا كانت الصّورة النّمطيّة للمرأة بأنّها هي الأضعف مقارنة بالرّجل، فقد أثبتت إسراء صورة معاكسة، كانت قادرة على أن تواجه وتحارب، مهشّمة بذلك النّظرة التّقليديّة الّتي تعتبر النّساء "مسالمات، ناعمات، خاضعات، ومخلوقات لطيفة"، بل "باتت صخرة صمّاء لا تحنّ ولا تشفق"(ص78)، "لم تذرف الدّمع، ولم تكترث... وابتسمت بخبث عجيب"(ص75). ولعلّ ابتسامتها دلالة على انتصار الحياة لها، وعقاب لم تستطع أن تنفّذه بيديها. وفي النّهاية تحقّق استقلالها وتصبح ممرّضة ناجحة. أمّا سماح ابنة ندى فصورة للمرأة المتعلّمة المتأثّرة بالمدّ التّكنولوجيّ، تعلّمت علم الحاسوب، مجالًا كان يعتبر يومًا مقصورًا على عالم الذّكور(ص101)، غير مهتمّة بالعلاقات الاجتماعيّة، مهملة المجالات الرّوحيّة كالأدب والفنّ والموسيقى، بعكس والدتها. سافرت لتتعلّم ثمّ تزوّجت من مدرّسها الأمريكيّ الّذي يكبرها بخمسة عشر عامًا. سعت لتحقيق أهدافها والدّفاع عن حبّها وقرارها في اختيار رجل يحبّها، يؤمن بمساواتها به وأحقيّتها بالتّعلّم وتطوير الذّات، حتّى لو كان الثّمن ترك البيت والأمّ والتّخلّي عن الوطن والدّين، وحتّى الاسم. سعت كذلك لتقويض صورة المرأة الضّعيفة المسالمة؛ فتسلحت بالتّمرّد منذ سنوات عمرها الأولى: "سرقت الصّدفة منّي الأب، جعلتني أكبر فجأة قبل الأوان.. أتحوّل إلى وحش ينقضّ على أيّ أحد يحاول المسّ بأمّي، صرت "زلمة البيت" وأنا ما أزال طفلة"(ص117). وحين تصل لعنات سوط اغتصاب والدتها إليها وهي في الصّفّ السّابع، ويحاول الفتيان الاعتداء عليها، تصفع واحدًا وتركل الآخر، تقصّ شعرها ويصير اسمها "حسن ابن ندى" الّذي يتدرّب على البوكس. بهذا الشّكل تحمي نفسها، متخلّية عن طفولتها مبكّرًا، قائلة: "قتلوا طفولتي وسحقوا أنوثتي معًا"(ص119- 120).

** تيّار الوعي: توق إلى الحرّيّة في خلخلة الحبكة

ليست الرّسائل إلّا وسيلة تهرب من خلالها ندى وإسراء من هذا العالم القاسي إلى الخاصّ الحميميّ الذّاتيّ حيث تكتبان ذاتهما ومشاعرهما وحكاياتهما. لذا يميل هذا السّرد إلى أن يكون "كتابة من الدّاخل أو الذّات"، وهذا يتوافق مع كون الحكايات قد تشكّلت عبر كتابة رسائل أقرب إلى مناجاة الذّات والمونولوج الدّاخليّ واسترجاع الذّاكرة. يتيح هذا الأسلوب فرصة أكبر للتّعبير عن كشف بواطن النّفس، وتمحور السّرد حول الذّات الأنثويّة، وذلك لتأكيد التّصوّر الذّاتيّ للمرأة عن وضعها الوجوديّ ورؤيتها الخاصّة للعالم، فتهيمن على مركز النّصّ ثمّ مركز الواقع. "فمن الجماليّات الفنّيّة في السّرد النّسائيّ العربيّ حفر المرأة في داخل وباطن النّفس البشريّة وفي ثنايا الذّاكرة. ولأنّ العالم الخارجيّ أصبح- أو كاد- حكرًا على الرّجل بحكم طول تجربته في هذا الميدان، اختارت المرأة تفكيك العوالم الدّاخليّة، ونحت بالسّرد العربيّ المعاصر من الخارج الاجتماعيّ، بل الأيديولوجيّ أساسًا، إلى الدّاخل المجهول والغائب، فأسّست كتابة ذاتيّة، لا هي ذاتويّة مريضة ولا هي رومانسيّة بكائيّة بل تحليل وتشريح للمخزون الدّفين". عندما ضاق الواقع بندى وإسراء بحثتا عن سبل تمنحهما البقاء، عندها أصبح الذّهن وعاء يستوعب هذا الضّيق، يخفّف من وطأته بالأفكار والخيالات ومناجاة النّفس والاستذكار والاسترجاع. إنّه البحث عن انفتاح روحيّ عندما يضيق المكان/ الخارج. وحتّى يتمّ الانفتاح يجب الانتقال من القصّ الخارجيّ إلى القصّ الذّاتيّ الدّاخليّ من خلال تيّار الوعي، فيزيد الاهتمام بالزّمن النّفسيّ على حساب الزّمن الخارجيّ باستخدام آليّات تيّار الوعي: المونولوج الدّاخليّ والمناجاة والاسترجاع الحرّ والمونتاج الزّمانيّ والمكانيّ والحلم، والّتي توظّفها الكاتبة بكثافة واضحة. ولا شكّ أنّ استخدام تيّار الوعي يستدعي استخدام الضّمير المتكلّم الّذي من شأنه أن يفسح للشّخصيّة الحديث عن نفسها وأحاسيسها وأفكارها. من هنا تهيمن الشّخصيّة الأنثويّة على الرّواية وتتولّى عملية سرد الأحداث وبالضّمير الأوّل، ممّا يمكّنها من تقديم رؤية متكاملة لتجربتها الذّاتيّة. إنّ استخدام الضّمير الأوّل يأتي هنا لخدمة أسلوب البوح والاستذكار والتّداعي الّذي استخدمته كلّ من ندى وإسراء في رسائلهما، حيث يفسح المجال أمامهما لأن تبحرا في فضاء الرّوح والتّخيّل فتكشفا أحاسيسهما وأفكارهما بطريقة مباشرة أقرب إلى الاعترافات، حتّى يظنّ القارئ أنّه أمام وقائع حقيقيّة، إذ يرتبط الضّمير الأوّل بقول الحقيقة والصّدق بينما يرتبط الغائب بالمتخيّل. يقوم الضّمير المتكلّم بدعم الفكر النّسويّ الّذي يموضع شخصيّة المرأة في مركز النّصّ ليقوم بمهمّة طرح قضايا المرأة المصيريّة وتكون بذلك صوتًا للنّساء. كما اعتبر استخدام ضمير المتكلّم مؤشّرًا إلى اقتحام القضايا المطروحة بجرأة وجدّيّة. الأمر الّذي يدعم المرأة لتحقيق تفوّقها على الرّجل وسيطرتها على النّصّ مثلما هي على الرّجل. إضافة إلى أنّه يدلّ على عناية المرأة الكاتبة بذاتها وسعيها إلى تحقيق هويّتها الأنثويّة في عالم النّصّ.
تستخدم ندى وإسراء (شهرزاد المعاصرة) الفعل بصيغة الزّمن الماضي، وذلك لأنّ كلّ ما ترويانه حدث قبل زمن السّرد: إمّا في الماضي البعيد كزمن الطّفولة وحكايات الاغتصاب، وإمّا الماضي القريب كحكايات السّفر إلى الولايات المتّحدة والإقامة هناك. هكذا يمسك الزّمن الماضي بزمام السّرد، وهذا يفسّر عنونة الرّواية بالحكايات، عدا الصّفحة الأخيرة والّتي تستخدم الكاتبة فيها صيغة الحاضر/ الفعل المضارع و"سوف"، وهو يخدم تطلعّات البطلة ندى وآمالها المستقبليّة وحلمها.
ولأنّ الرّواية تعتمد على الحكي (حكايات) الّذي يحدث عبر الرّسائل، ومثلما تستدعيه الذّاكرة والعاطفة، شعوريًّا وفكريًّا، يمنح صوت الذّاكرة إمكانيّة التّنويع والتّكسير في زمن السّرد، وإدراج أصوات سرديّة متخلّلة كالبوح والاعتراف والتّدفّق الشّعوريّ، والانتقاد والسّخرية. لا غرو إذًا أن نجد مبنى الرّواية مهشّمًا متشظّيًا كتعبير فنّيّ وشكليّ للواقع المتشظّي. وهذا هو بالضّبط ما أعلنت عنه الكاتبة في عتبة "الملاحظة" بأنّ حياتنا لا تسير زمنيًّا في خطّ مستقيم، ولذا الحبكة التّقليديّة برأيها باتت مصطنعة وغير موجودة إلّا في الخيال(ص11)؛ لقد تعرّض الزّمن لرفض التّسلسل المنطقيّ بمعناه التّقليديّ المرتبط بالواقع الخارجيّ، أي لا يكون زمنًا تصاعديًّا متواصلًا، بل منكسرًا متقطّعًا، متشابكًا مفتّتًا، حيث تستدعي الاسترجاعات والارتدادات أسلوب القطع والفجوات أو الحلقات المفقودة زمانيًّا ومكانيًّا، فتمسي حكايات مختلفة تظهر كلوحات في لمحات سريعة ولقطات بأسلوب "المونتاج" السّينمائيّ. الأمر الّذي يكسر الحبكة التّقليديّة ويهشّمها ويخلخلها، ويكون التّوق إلى الحرّيّة في خلخلة البنية التّقليديّة. يكشف هذا عن تجانس الشّكل بالمضمون وتناغمهما، فنجد خلطًا منطقيًّا واضحًا بين تشويه الواقع السّياسيّ والاجتماعيّ والدّينيّ على النّحو الّذي نجده في تفتيت الحبكة وتشويهها بالضّبط، وكأنّ تفتيت الحبكة والبحث عن الحرّيّة على صعيد الشّكل الفنّيّ هو انفتاح وحلم بالحرّيّة على صعيد المضمون، أو كأنّ كسر الحبكة التّقليديّة ليس إلّا انعكاسًا للرّوح المنكسرة والتّوتّر والصّراع الدّاخليّ الّذي يعيشه الفرد بشكل عامّ، والمرأة بشكل خاصّ، في خضمّ هذه التّجربة المريرة، وتعبيرًا عمّا يدور في وعيها. كما أنّ تكثيف الكاتبة لتيّار الوعي يؤكّد على ملمح آخر من ملامح الأدب النّسويّ، حيث تعتبر هذه التّقنيّة أنثويّة متأصّلة.

** تعدّد الأصوات وهيمنة صوت المرأة

نعني بتعدد الأصوات أو "البوليفونيّة" (Polyphony) تفتيت زاوية السّرد وتوزيعها على شخصيّات مختلفة تسرد الأحداث وتقدّم أفكارها بالتّناوب، ممّا يؤدّي إلى زوال الرّاوي الأحاديّ، العليم بكلّ شيء، فتمسي الرّواية مجموعة رؤى تشكّل المادّة السّرديّةـ وتقدّم من بؤر مختلفة وفق معيار التّعدّديّة. فالعمل الرّوائيّ كما يرى ميخائيل باختين هو إطار تتفاعل فيه مجموعة من الأصوات والخطابات المتعدّدة، تتحاور متأثّرة بمختلف القوى الاجتماعيّة من طبقات ومصالح. والسّؤال المطروح هنا: هل يمكن اعتبار هذه الرّسائل بين ندى وإسراء، رسائل كتبت عبر موقع التّواصل الاجتماعيّ "المسنجر"، صوتًا في الرّواية؟ لا شكّ أنّ هذه الرّسائل الّتي تشكّل عماد هذه الرّواية وتتبلور فيها حكايات اللّيالي هي صوت وسارد وفقًا لعلم السّرديّات الّذي يرى بالسّارد كائنًا من ورق، يختفي خلفها شخص أو صوت متخيّل يحوي مقوّمات سرد لغويّة وبنى تمثيل سرديّة. تتحدّث ندى وإسراء في هذه الرّسائل عن نفسيهما ووجودهما وجراحهما، وعن أحداث جرت معهما ومع غيرهما من الشّخصيّات.
تعتمد هذه الرّواية على تعدّد الأصوات، أي تعدّد الرّواة، فتتوزعّ في قسمها الأكبر بين صوتي إسراء وندى، ثمّ صوت سماح في جزء يسير منها، ثمّ يخترق جعفر السّرد في ثلاثة فصول. وعلى الرّغم من أنّ ندى هي الشّخصيّة الّتي تلعب دور البطولة والشّخصيّة المركزيّة والسّاردة الأكثر حضورًا على طول الرّواية، إلّا أنّنا لا نستطيع أن نتجاهل دور إسراء وحضورها، وإن كان أقلّ مقارنة بندى. يوحي هذا إلى آليّة تشظّي سلطة البطل وتوزيعها على أكثر من شخصيّة، إضافة إلى أنّ تعدّد الأصوات يوحي إلى تمييع الحدود بين سلطة الرّاوي وسلطة البطل وتفتيت زاوية السّرد وتوزيعها على شخصيّات مختلفة.
إنّ توزيع عمليّة السّرد على شخصيّات أنثويّة في معظم فصول الرّواية، وبالضّمير المتكلّم، عدا عن الفصول الثّلاثة الّتي انتهكها جعفر، يؤكّد على هيمنة صوت المرأة مقابل تهميش الرّجل (جعفر)، وتحييد صوت الرّاوي العالم بكلّ شيء والّذي يعتبر امتدادًا لسلطة الرّجل الواحد المسيطر على الواقع بسيطرته على النّصّ. ويأتي هذا كردّ فعل لما كان متّبعًا في الأعراف الأدبيّة الذّكوريّة التّقليديّة، والّتي سخّرها الرّجل لتعزيز سلطته مقابل تهميش المرأة. وعليه، آن الأوان لإزاحة الرّجل من موقعه السّلطويّ القامع وتسليم القيادة للمرأة، ولأكثر من امرأة، وليست لأيّ امرأة، بل لصوت أنثويّ مثقّف واعٍ وقويّ. الأمر الّذي يعزّز من مكانة المرأة، ويمنحها الهيمنة على عالم الرّواية، كموازٍ لاستعادة هيمنتها على واقعها. كما أنّ توزيع سلطة السّرد على أكثر من شخصيّة يعزّز من روح الديّمقراطيّة داخل النّصّ، لما فيه من إيحاء لنبذ الصّوت الواحد وأحاديّة الجانب الّتي تتّسم بها عادة الدّولة الشّموليّة والنّظام القامع الّذي يعتمد على سلطة الرّجل المطلقة الواحدة (دلالة الشّخصيّتين: والد إسراء وجعفر)، مقابل الاستعداد لتقبّل وجهات نظر مختلفة وتحطيم هيمنة السّلطة الحاكمة، ممّا يوحي بتناغم الشّكل والمضمون. إنّ تعدّد الأصوات يهدف إلى تقويض الجنس الأدبيّ ومعالمه التّقليديّة، وتقويض أساليب القصّ التّقليديّة التي أسّسها الرجل. إنّه رفض واعٍ وشامل للمؤسّسة الذّكوريّة وأعرافها المتسلّطة.



#لينا_الشّيخ_-_حشمة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحبّ: حكاية بطلٍ لهذا الوجود- قراءة تحليليّة في رواية -باب ...
- -ذاكرة حاضرة في غياب الوطن- - قراءة في رواية -غربة الحجل- لل ...
- -في فوّهة الجحيم: من المعاني إلى الدّلالات في دلالة الأسماء ...
- -إيكاروس بين الشّمس والحرّيّة- - قراءة تحليليّة في رواية -كل ...
- -حوريّة بين الثّنائيّة والثّالوث-- قراءة في رواية -حرام نسبي ...


المزيد.....




- رحلة العائلة المقدسة: لماذا أدرجت اليونسكو احتفالات مصر بالر ...
- أكثر الكتب مبيعًا في عام 2022 وفقاً لواشنطن بوست
- شاهد.. الفنان شريف منير يضحك السيسي
- فيلم عن قصة حب تتجاوز المعايير المفروضة للأدوار الجندرية
- مونديال 2022: المنتخب المغربي الممثل الوحيد للعرب في الدور ث ...
- اليونيسكو تدرج موسيقى الراي الجزائرية في قائمة التراث العالم ...
- الهريسة التونسية على قائمة التراث العالمي غير المادي لـ-اليو ...
- من رسالة الشافعي إلى الوقائع.. إهمال وسرقات غامضة تهدد أرشيف ...
- الهريسة التونسية على قائمة التراث اللامادي لليونسكو
- فنان يتخيل أول مستوطنة بشرية إماراتية على المريخ في عام 2117 ...


المزيد.....

- المرأة والرواية: نتوءات الوعي النسائي بين الاستهلاك والانتاج / عبد النور إدريس
- - السيد حافظ في عيون نقاد وأدباء فلسطين- دراسات عن السيد ح ... / مجموعة مؤلفين عن أعمال السيد حافظ
- البناء الفني للحكاية الشعبية على بابا والأربعين حرامي (بين ... / يوسف عبد الرحمن إسماعيل السيد
- شخصية مصر العظيمة ومصر العبيطة / السيد حافظ
- رواية سيامند وخجي مترجمة للغة الكردية / عبد الباقي يوسف
- كتاب (كحل الفراشة) - ايقاعات نثريَّة - الصادر في عام 2019 عن ... / نمر سعدي
- رواية تأشيرة السعادة : الجزء الثاني / صبيحة شبر
- مسرحية حكاية الفلاح عبدالمطيع ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي / السيد حافظ
- مسرحية حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الـحـاكم بأمـــــر اللـه / السيد حافظ
- المسرحية الكوميدية خطفونى ولاد الإيه ؟ / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لينا الشّيخ - حشمة - -هيمنة اللّيدي-- ملامح السّرد النّسويّ في رواية -حكايات اللّيدي ندى- للكاتبة كلارا سروجي شجراوي