أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خليل عبد السلام جبر - قضية إسلامية المعرفة لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي.. أصل الفكرة وأولويات العمل















المزيد.....


قضية إسلامية المعرفة لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي.. أصل الفكرة وأولويات العمل


خليل عبد السلام جبر

الحوار المتمدن-العدد: 7445 - 2022 / 11 / 27 - 18:33
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


قضية إسلامية المعرفة لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي.. أصل الفكرة واولويات العمل

إن الحصيلة التي يمكن الخروج بها من تقييم حركة التغيير في العالم الإسلامي بشقيها التغريبي والإسلامي هي حصيلة سلبية على وجه الإجمال، فالمشروع التغريبي، فشل فشلا ذريعا في تحقيق ما وعد به أو طمح إليه، من إحداث النقلة الحضارية التي من شأنها إلحاق المجتمع الإسلامي بركب الحضارة الغربية، بل لا يبدو مستنكرا إذا قلنا أن هذا المشروع أسهم في تأزيم الوضع، بل ساعد على توسيع الهوة بين المسلمين والحضارة المعاصرة، كما أن المشروع الإصلاحي الإسلامي، باتجاهاته المتعددة، تعثر لأسباب مختلفة منها ما يتعلق بقصور ذاتي في الفكر الممارسة، ومنها ما يتصل بما واجهه من محاربة وتضييق من الآخر الرافض له مما منعه من التطور، وحكم عليه بالانحسار في دوائر ضيقة.
وكانت النتيجة أن تفاقمت أوضاع العالم الإسلامي، وتشعبت أزماته وتعمقت.. هذه الوضعية الحرجة استدعت إثارة السؤال من جديد، أين الخلل، ولماذا فشلت حركات التغيير؟ ومن أين يجب أن نبدأ عملية التغيير الحقيقية؟
لقد أرقت هذه الأسئلة وتداعياتها مجموعة من الباحثين، وكان معظمهم لا يزال على مقاعد الدراسة في الجامعات الغربية، وبعد مداولات كثيرة، انبثق عن تصوراتهم ودراساتهم يقين، بأن التخلف الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي واهتزاز القيم الأخلاقية، وتوالي الهزائم العسكرية في العالم الإسلامي تعكس أزمة أكثر عمقا، ألا وهي تخلف المعرفة وقصور منهجية الفكر، بل تكاد تلك المشكلات أن تكون مجرد أعراض ومظاهر لحقيقة الأزمة الفكرية التي تعاني منها الأمة منذ عدة قرون عديدة.
ولقد تجسدت هذه الأزمة في غياب الرؤية الواضحة، وانعدام الأصالة الثقافية والتوازن النفسي، واضطراب المفاهيم، وازدواجية التعليم، واختلاط الأهداف، وانهيار المؤسسات.
كما أن انحطاط فكر الأمة وتخلف منهج فكرها كان سببا جوهريا يحول دون نجاح سائر محاولات الإصلاح المخلصة التي لم تتبين موضع الفكر ومنهجه كمصدر للتخبط والعجز والتدهور.
وانطلاقا من هذه الرؤية، أسس هؤلاء الباحثون "جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين" ضمن إطار منظمات اتحاد الطلبة المسلمين بالولايات المتحدة الأمريكية لخدمة القضية الفكرية الإسلامية ونشرها بين من حولهم من العلماء والمثقفين، فعملوا على الاتصال بالعشرات من رجال الفكر المعاصرين ليعرضوا عليهم الأمر ويوضحوا لهم ما توصلوا إليه من تصورات، وليتبادلوا معهم الرأي ويشركوهم في وجهات نظرهم وتصوراتهم التي توصلوا إليها وليستفيدوا أيضا من تجاربهم وخبراتهم، ويزدادوا يقينا بسلامة التشخيص ودقته، فعقدت لذلك الغرض العديد من الاجتماعات والندوات واللقاءات، وفي عام 1976م عقدوا ندوة موسعة في أوربا كموقع وسط، وبسطت في ساحة هذا اللقاء مختلف الآراء والتصورات، واستعرضت حصيلة مختلف التجارب والخبرات، وجرت مناقشات مطولة في جوانب الأمر، استغرقت أسبوعا كاملا، أكد المؤتمرون باجتماعهم في نهاية ندوتهم تلك بأن أزمة الأمة الكبرى في الوقت الحاضر إنما هي أزمة فكرية، وأن العلاج يجب أن يبدأ من هذا المنطلق، وأنه لابد من أن تعطى قضية الفكر ومنهجه الأولوية اللازمة كأساس لإنجاح جهود الإصلاح، وأنه لابد من تأسيس هيئة علمية متخصصة في قضية الفكر لمتابعة الدراسة العلمية المتعمقة المتأنية في هذا المجال، ولتفتح باب العمل الجاد الهادف المخلص المتواصل أمام المسلمين وعلمائهم لمعالجة هذه الأزمة وبناء أسس الفكر السليم، وعلى هذا تم إنشاء "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" وسجل المعهد رسميا في الولايات المتحدة الأمريكية عام (1401هـ 1981م) وبدأ منذ ذلك الوقت أعماله في خدمة قضية الفكر الإسلامي، من خلال العمل على:
- توفير الرؤية الإسلامية الشاملة، في تأصيل قضايا الإسلام الكلية وتوضيحها، وربط الجزئيات والفروع بالكليات والمقاصد والغايات الإسلامية العامة.
- استعادة الهوية الفكرية والثقافية والحضارية للأمة الإسلامية، من خلال جهود إسلامية العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومعالجة قضايا الفكر الإسلامي.
- إصلاح مناهج الفكر الإسلامي المعاصر، لتمكين الأمة من استئناف حياتها الإسلامية ودورها في توجيه مسيرة الحضارة الإنسانية وربطها بقيم الإسلام وغاياته.
ولتحقيق هذه الأهداف من إصلاح الفكر الإسلامي ومناهجه وتحقيق إسلامية المعرفة، عمد المعهد إلى انتهاج جملة من المسارات والأساليب المترابطة والمتكاملة، منها:
أ- التوعية:
إن مهمة إصلاح الفكر الإسلامي وإسلامية المعرفة ليست قضية من القضايا التي تحل لمرة واحدة، وتنفض منها اليد، كما أنها ليست مسألة تخص نفرا محدودا من الناس تنحصر في دائرتهم ولا تهم أحدا سواهم بل هي مهمة دائمة ومستمرة في حياة الأمة تبقى ببقائها سليمة قادرة تجدد بها مسيرتها وتطور وتستوعب بها طاقاتها وإمكاناتها وواقعها المتطور المتغير، كما أن قضية المعرفة والفكر تتعلق بكل علماء الأمة ومفكريها ومثقفيها وقياداتها، يشاركون في بنائها وتجديدها والانتفاع بها وتقديمها موجهة لجهود الأمة وبنائها الحضاري، لذلك فإن الخطوة الأولى لتحقيق الإصلاح والإسلامية هي توعية المعنيين به والمستفيدين منه وشرح القضية لمد آثارها إلى أعمالهم وجهودهم العلمية والفكرية.
وللوصول إلى هذه الغاية، سعى المعهد إلى:
- التعاون مع المنظمات العلمية والجامعات ومراكز البحوث ذات الاهتمام المشترك وعقد اتفاقيات مشتركة في مشروعات علمية محددة.
- إنشاء الفروع والمكاتب واختيار الممثلين والمستشارين في الأقطار المختلفة للوصول إلى فئات المثقفين والمفكرين فيها للإسهام العلمي الفعال في جوانب مشروع إسلامية المعرفة.
- فتح الآفاق العلمية أمام الفكر الإسلامي وإنجازاته على شبكة الاتصالات الدولية "Internet" لتوفير منبر مفتوح للتفاعل والحوار.
- عقد المؤتمرات والندوات والدورات العلمية المتخصصة.
- إصدار مجموعة من الكتب المتخصصة التي تعالج جوانب القضية، وكذلك إصدار الدوريات العلمية أو المشاركة في إصدارها.
- إشراك وسائل الإعلام الإسلامي لشرح القضية، ورعاية مسيرتها لتصبح قضية علماء الأمة ومفكريها وطلابها وإطار جهودهم العلمية والفكرية.
ب- بلورة منطلقات الفكر الإسلامي ومفاهيمه ومناهجه:
لما كانت معالجة أزمة الفكر الإسلامي لتحقيق إسلامية المعرفة غاية لإطلاق جهود الأمة الناجحة في الحضارة والإعمار، فإن هذه المعالجة لا يمكن أن تتم إلا بأن تسبقها جهود علمية جادة لبلورة منطلقات الفكر الإسلامي وتجلية مفاهيمه وإصلاح مناهجه، فهذه الخطوة يعتبرها المعهد حجر الزاوية الذي يجب أن يأخذ أولوية الإنجاز في مراحل التجديد والإصلاح.
ج- التمكين من التراث الإسلامي.
يعتبر المعهد أن تمكين المثقف المسلم من أصول الفكر الإسلامي ونفائس التراث هو الدعامة الرئيسية لبناء إسلامية المعرفة، فليس من الممكن لجهود الأمة اليوم أن تؤتي ثمارها المرجوة في البناء والإعمار والحضارة إلا أن يكون أساسها في المنهج والفكر أساسا سليما، والمنهج والفكر السليم لا غناء فيهما إذا كانا قاصرين على فئة معينة، تكونت قدراتهم بشكل عفوي وبمؤثرات خاصة، بل لابد أن يكونا منبثقين من كيان الأمة ومكوناتها الثقافية بحيث يتحولان إلى سبيل من ينبوع معارفها، ينهل منه كل متعلم ومثقف من أبنائها، ومن هنا عمد المعهد إلى وضع خطة لإحياء التراث الإسلامي وتيسيره بين يدي الباحثين.
د- التمكين من المعرفة المعاصرة.
يرى المعهد العالمي للفكر الإسلامي أن تمكين الفكر الإسلامي والمثقف المسلم من استيعاب المعارف الحديثة أمر ضروري لتحقيق إسلامية المعرفة، ولهذا يدعو إلى استيعاب تلك المعارف وهضمها وتمثل طاقاتها المبدعة بشكل سليم ضمن رؤية شمولية ودراسة نقدية موضوعية للحضارة الغربية. أصلا ومنبعا وغاية وفلسفة وإنجازا، دراسة من شأنها إخراج تعامل العقل المسلم معها من أساليب التعامل المعتادة التي تخلفت عن أطر المقاربات العلمية مع الفكر الآخر، واعتبار تلك الحضارة مركزية منفصلة متميزة، ثم عقد المقارنات لتنتهي بالرفض المطلق، أو القبول المطلق بروح مستلبة تماما، أو الانتقاء العشوائي المتجاهل للمنهج. وللمساعدة على تحقيق تلك النظرة الناقدة الشمولية للحضارة الغربية المعاصرة، يعمل المعهد على تقديم دراسات مسح شمولية للعلوم الحديثة، خاصة العلوم الاجتماعية والإنسانية الأساسية تبين الخطوط الأساسية لكل علم من تلك العلوم وقضاياه ومناهجه وإنجازاته واهم الكتب والمصادر الأساسية له، وأهم أوجه النقد التي تتعلق به من وجهة نظر رجال ذلك العلم، ومن وجهة النظر الإسلامية، ويقدم مثل هذا مرجعا أساسيا شموليا يزود العالم المسلم في ذلك الحقل بإحاطة شمولية ناقدة تمده بالقدرة الاستقلالية الفكرية الضرورية لأي نمو علمي، وتساعده على الإسهام الفكري الإسلامي في ذلك المجال.
هـ- الكتب العلمية المنهجية:
إن خطة عمل المعهد تقتضي الإسهام بتوضيح الرؤية ومساعدة رجال الأمة ومؤسساتها على البناء على أسس سليمة والسير على الطريق القويم، وذلك بتقديم نماذج من الأعمال المطلوبة لإعداد العالم المسلم والمثقف المسلم وإصلاح الفكر الإسلامي وإقامة أسس العلوم الاجتماعية الإسلامية وتحقيق إسلامية المعرفة.
ومن خلال تراكمات الأبحاث والكتابات المنبثقة عن خطوات العمل السابقة، يعمل المعهد على بلورة كتابات علمية منهجية تخدم الساحة العلمية الإسلامية باعتبارها نماذج رائدة للكتابات المنهجية العلمية من منظور الإسلام ينسج على منوالها علماء الإسلام ومفكروه ومثقفوه، وتصبح إسلامية المعرفة قضيتهم ومنوال ممارساتهم العلمية والفكرية.
و- أولويات البحث العلمي:
أعطى المعهد الأولوية في البحث والاستكتاب والتأليف لأسلمة عشرة علوم، وبلورة المفاهيم الإسلامية فيها، وذلك بعقد المؤتمرات العلمية، والحلقات الدراسية، وإصدار الأبحاث والمؤلفات في هذه المجالات، وهذه العلوم هي:
- علم المنهجية: وهو أساس العمل والبحث في كل علم عداه، فلابد من تمحيصه وتطويره وإصلاحه ليأخذ بالشمول الذي يتسم به الإسلام ويصبح متصلا بمصادر الفكر الإسلامي في الوحي والعقل بشكل سليم، وليستفاد منه في قضايا الحياة واحتياجاتها الفكرية والتربوية والتنظيمية كافة.
- العلوم السلوكية: والمقصود بها علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الإنسان، وأهمية هذه العلوم التي تجعل أولوياتها تأتي مباشرة بعد علم المنهجية هو أن هذه العلوم تضم الأسس الفكرية التي تبنى عليها كافة العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومنهجية العلوم الطبيعية، فهذه العلوم وفرضياتها هي التي تحدد مفهوم الحضارة الحديثة لمعنى الإنسان وغايته ومغزى وجوده وإنجازه، وما العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى إلا تطبيق لتلك الفروض والمفاهيم والنظريات. ولذلك فإن إسلامية هذه العلوم وبلورة المفاهيم والمنطلقات الإسلامية في مجالات قضاياها الكبرى تحتل أولوية هامة في جهود إسلامية المعرفة، وإنجاز الكتب المنهجية الأساسية في مجالاتها أساس لإنجاز الكتب العلمية المنهجية في سواها من العلوم، ودون ذلك تظل هناك حلقة مفقودة في إسلامية العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى لا تتم أي صياغة دون استكمالها.
- علم التربية وعلم السياسة: ويأخذ العلمان أهميتهما من أنهما يمثلان الحلقتين الأساسيتين اللتين تكونان كيان الأمة، فالأول يمثل علم تنشئة الفرد، والثاني يمثل علم بناء نظام الجماعة، وهما من أهم العلوم وألصقها بالعلوم السلوكية، ويمثلان تطبيقات مباشرة لفرضياتها، ومفاهيمها، كما يمثلان في الوقت نفسه نقطة ضعف ووجه قصور ملموس في كيان الأمة الإسلامية، فواقع تكوين الفرد في الأمة الإسلامية وواقع تنظيمات المجتمع العامة في البلاد الإسلامية هي النقيض لكل ما يهدف إليه الإسلام، ولذلك فمن المهم المبادرة إلى إصلاح هذه العلوم وبلورة المفاهيم الإسلامية في مجالاتها ودراسة هذه المجالات بعمق وامتحان فرضياتها ووسائلها والعمل على أن يأتي التنظير والتنفيذ الإسلامي البديل علميا محققا للدعاوى والفرضيات التي رفعت.
- علم الاقتصاد والإدارة والإعلام والفنون: وهذه العلوم هي في مجملها وسائل هامة في تسيير حياتنا وتوجيهها، تتكاثف مع ما سبق من مجالات في تكوين هيكل البنية الأساسية للمجتمع المسلم، كما أنها ترتبط معها برباط مفاهيم العلوم السلوكية، مما يسهل
مهمة العمل ويهون الجهد المطلوب لأسلمة هذه المجالات.
ز- تكوين الكوادر العلمية:
لما كان عدد العناصر العلمية والمثقفة المستوعبة للثقافيين الإسلامية والمعاصرة والقادرة على الأداء والإبداع في مجال الفكر الإسلامي وإسلامية المعرفة محدودا، وأقل منه عدد العناصر الراغبة أو التي تسمح لها مسؤولياتها الحياتية بمزاولة العمل الفكري والتعليمي التربوي في هذه المجالات، كان لابد للمعهد أن يعمل على تكوين الكوادر العلمية المطلوبة للقيام بالأدوار اللازمة لإسلامية المعرفة.
وسبب اهتمام المعهد بإعداد الكوادر العلمية الرغبة في تلافي الفشل أو التخبط والقصور الذي ينشأ لا بسبب الفكر أو ضعف التصور ولكن بسبب عدم وجود الكوادر المطلوبة للأداء أو التقصير في إعدادها وتكوينها التكوين المطلوب، يمثل هذا السبب بمنظور المعهد أهم أسباب فشل عدد من المؤسسات العلمية والتعليمية التي تبنت بشكل أو بآخر جانبا أو آخر من قضايا إسلامية المعرفة، وذلك أن تلك المؤسسات لم تدرك أهمية تربية الكوادر العلمية بالشروط الصحيحة.
لذلك لم ير المعهد أن مهمته قاصرة على مجرد البلورة الفكرية والدعوة والحوار والنشر، ولكنه يرى أن تتعدى ذلك إلى إعداد الكوادر العلمية المؤهلة المطلوبة لحمل الرسالة وأداء العمل الريادي المطلوب بكل الوسائل الممكنة.

وبالجملة فإن المشروع الذي رأى المعهد انه أمانة لابد له من حملها وأدائها، كما يقرر طه جابر العلواني، هو المساهمة بإعداد وتقديم الأسس الفكرية والمنهاجية اللازمة لحركة الأمة وبلورة بناء (المنظومة الفكرية الإسلامية المعاصرة والبديلة) التي يمكن من خلالها إعادة تشكيل العقل المسلم، وإعادة بنائه وفقا للتصور السليم للكون والحياة والإنسان، ذلك التصور التوحيدي القويم، المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والمتدبر لسنن الكون وقوانين الوجود التي تمكن من التسخير، وتوفير شروط التمكين والاستخلاف، ذلك التصور المدرك لغايات الخلق، الواعي على الأبعاد كلها: البعد الإنساني بكل أنواعه، والبعد الزماني والمكاني، ووحدة الحق والحقيقة ووحدة الخلق، وبهذا نستطيع أن نغذي حركة الأمة بالزاد الفكري المطلوب الذي تفتقر إليه.
والسؤال: هل يشكل مشروع المعهد العالمي للفكر الإسلامي قطيعة مع المشاريع الإصلاحية التي سبقته، ومباين لها، أم انه يتصل معها، وما هي الأمور التي تفارقه أو تميزه عنها؟
يذهب "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" إلى انه اختار لمواجهة التحديات التي تعترض الأمة، الميدان الأخطر، والجبهة التي يعني الانتصار فيها إحراز العديد من الانتصارات على العديد من الجبهات والميادين، وذلك بالعمل على التجديد والإصلاح لمناهج فكر الإسلام والمسلمين، طلبا لوضوح الرؤية، وبلورة لدليل العمل الإسلامي، وصياغة للمشروع الحضاري الإسلامي، القادر على أن يكون البديل ـ المنافس والغالب لكل من "التخلف الموروث" و "الاستلاب الغربي".
ورغم ما لخطاب المعهد العالمي للفكر الإسلامي من أهمية وتناول شمولي، إلا أنه لا يعرض نفسه بديلا لأي من حركات الإصلاح والنهوض، ولا يدعي أنه ابتدع شيئا غاب عن الآخرين بل يؤكد أنه حلقة من سلسلة طويلة من محاولات الإصلاح الفكري والثقافي، وقد تكون بدأت بمحاولة حماية المصدر الأول وهو القرآن الكريم بالتدوين، ثم حماية المصدر الثاني بالجمع والتدوين، ثم إعداد المنهج وكتابته وجمعه وتدوينه قبل انتهاء القرن الهجري الثاني، ثم ما تلا ذلك من محاولات الإحياء والتجديد الفكري والثقافي على مدى القرون السابقة ، ولكن الحكم العام هو أن القضية الفكرية لم تعط الاهتمام الذي تستحقه، وذلك من أسباب عجز المشروع الإسلامي عن بلوغ أهدافه، واستمرار الأمراض الفكرية الفتاكة.
ومن هنا يعتقد "المعهد" أن قضية إصلاح الفكر وإسلامية المعرفة جاءت لتسد ثغرة مهمة جدا، وتعتبر شرطا مستمرا لتصويب مسار حركات البعث الحضاري جميعا، إيمانا منه بمنهج اللبنة في البناء الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها، وأكملها وأجملها وترك فيها موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون بالبناء ويعجبون منه، ويقولون لو تم موضع تلك اللبنة، وأنا في النبيين موضع تلك اللبنة وأنا خاتم النبيئين".
فالمعهد لا يرفض ولا ينكر المحاولات السابقة ولا يبخسها حقها، بل يعتبرها لبنات لابد من إدراكها والاعتبار بتجربتها.
كما لا يسعى لأن يكون حركة أو فئة أو حزبا أو أن يقدم بنفسه بديلا لأي كان، إدراكا منه أن الأمة ليست في حاجة إلى مزيد من التحزبات السياسية وتشتيت الوجهة، فالقضية، في حقيقتها وجوهرها، حركة مجمعة، تهتم بقضايا الفكر والمعرفة والثقافة والحضارة والمنهج ووحدة الأمة، باعتبار أن ذلك من أهم الشروط للوصول إلى هدف الشهود الحضاري، وهو يرى أن على كل حركة أن تقوم بدورها في هذا المقام.
فقصد المعهد من وراء إثارة هذه القضية هو السعي لأن تكون حركة ثقافية وفكرية واسعة وأن تصبح روحا في الأمة يصل إلى سائر فصائلها، يجمعها على الفكر الإسلامي السليم، والمنهج القرآني القويم، فتحقق النهضة، ويقوم العمران، وتستأنف الأمة دورتها الحضارية، ودورها في الشهود والوسيطة.

المراجع
1. إسلامية المعرفة المبادئ العامة خطة العمل ـ الإنجازات، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة إسلامية المعرفة (1) ط : 1، 1406هـ/ 1986م.
2. إصلاح الخطاب الإسلامي مدخل إلى نظام الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، طه جابر العلواني، سلسلة إسلامية المعرفة (10) 1417هـ/ 1996م..
3. إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات. طه جابر العلواني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة إسلامية المعرفة (10) ط : 2، 1414هـ/ 1994م.
4. الوجيز في إسلامية المعرفة. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة إسلامية المعرفة (3) ط : 1، 1408هـ/ 1987م.
5. د. عبد الودود شلبي وطه جابر العلواني في تقديمهما لكتاب " معالم المنهج الإسلامي" محمد عمارة، الأزهر الشريف والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة المنهجية الإسلامية (3) ط : 2، 1411هـ/ 1991م.
6. المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربوية، بحوث ومناقشات المؤتمر العالمي الرابع للفكر الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة المنهجية الإسلامية (2) ط : 1، 1412هـ/ 1992م.
7. الأغلفة الداخلية لإصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
8. موقع المعهد على الشبكة الدولية WWW.iiit.org



#خليل_عبد_السلام_جبر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعهد العالمي للفكر الإسلامي (ورقة تعريفية)
- شروط البناء الحضاري عند مالك بن نبي


المزيد.....




- -مادة سامة-.. قلّل من الدهون المتحولة بغذائك وتجنب هذه المنت ...
- مطعم في دبي يتصدر قائمة -أفضل 50 مطعمًا في الشرق الأوسط وشما ...
- هكذا طرد أجداد الأمريكيين -الثور الجالس- و-الحصان الغاضب- من ...
- -هذا يؤكد أن قرار بوتين كان صحيحا-.. الكرملين يعلق على تصريح ...
- الاستخبارات الأوكرانية تقر بتجنيدها عملاء لتنفيذ هجمات إرهاب ...
- الواقع الافتراضي: أم ترى ابنها يمشي لأول مرة بفضل هذا الابتك ...
- ارتفاع عدد القتلى في الهجوم على مسجد بباكستان إلى 92 على الأ ...
- روسيا وأوكرانيا: بايدن يستبعد إرسال طائرات إف-16 المقاتلة إل ...
- هكذا طرد أجداد الأمريكين -الثور الجالس- و-الحصان الغاضب- من ...
- لافروف: نقدر موقف مصر المدروس وهناك محاولات لفرض قواعد لا يع ...


المزيد.....

- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص
- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خليل عبد السلام جبر - قضية إسلامية المعرفة لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي.. أصل الفكرة وأولويات العمل