أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=775061

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - رُوزنامةُ الأسبوع عَبُّودُ .. أُكْذُوبَةُ الشُّمُولِيِّين!















المزيد.....


رُوزنامةُ الأسبوع عَبُّودُ .. أُكْذُوبَةُ الشُّمُولِيِّين!


كمال الجزولي

الحوار المتمدن-العدد: 7439 - 2022 / 11 / 21 - 14:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الاثنين
يقترب الشِّتاء، يدقُّ بقوَّة على الأبواب. وقد قرأت، مساء اليوم، بهذه المناسبة، كلاماً عرفانيَّاً للشَّيخ حسين عامر، في موقع «الرَّاشدون»، أوقد في ذاكرتي تناقضات تجارب مؤلمة لي مع شدَّة «الحرِّ» وشدَّة «القرِّ» الذي هو «البرد»، بين زنازين كوبر، ودبك، وسواكن، وبورسودان، و«بيت الأشباح!» القريب من ستي بنك على تقاطع البلديَّة مع المك نمر بالخرطوم، فضلاً عن الصُّندوق الفولاذي الضَّخم الكائن إلى جوار موقف شندي بالخرطوم بحري، والذي اصطلح المعتقلون السِّياسيُّون على تسميته بـ «الثَّلاجة!»، وهي تجارب ما كنت، في الحقيقة، قد أُنسيتها، أصلاً، لأتذكَّرها، حيث لا سبيل لي إلى نسيانها ما حييت، حتَّى لو أردت!
بعض تلك الاعتقالات وقعت صَّيفاً، وبعضها الآخر شِّتاءً، ما بين سبعينات القرن المنصرم، ومطالع الألفيَّة الثَّالثة، بما في ذلك آخر اعتقال انتهى في أبريل 2019م. وكانت لكل اعتقال آلامه وعذاباته البدنيَّة والمعنويَّة المقصودة. فالزَّنازين في الصَّيف تجعلك أشبه بمن أُلقي به في جوف فُرن لصناعة الخبز متوهِّج النِّيران، مستعرالسُّخونة، كما تورثك، في الشِّتاء، إحساس من يُجبَر على الغطس عارياً، كما ولدته أمُّه، وسط جليد سيبيريا، حتَّى ليتمنَّى المعتقل، من عجب، هطول «الجَّمر» في الشِّتاء، و«الثَّلج» في الصَّيف، وحقَّاً .. خُلع الانسان هلوعا!
في الاعتقال الأخير بـ «الثَّلاجة!»، والثَّورة في الشَّارع يطقطق شرارها، وينذر باندلاع نارها، شنَّ المعتقلون احتجاجاًت داوية، بأصواتهم العالية، كما قرَعوا الأبواب الفولاذيَّة، مستخدمين آنية الطعام المعدنيَّة، لتحذير جهاز الأمن مِن أنه سيتحمَّل كامل المسؤوليَّة عمَّا يرجِّحون أنه سيحدث لي، حتماً، وسيفاقم من سوء حالتي الصِّحِّيَّة، بفعل البرودة الصَّقيعيَّة النَّاجمة عن تشغيل جهاز التَّبريد بأقصى طاقته، والذي يتمُّ التَّحكم فيه من خارج الزَّنازين بالغة الضَّيق، حيث لا مرقد غير الأرضيَّة الصَّلبة، ولا غطاء سوى الذِّراعين العاريتين! وكانت قد أجريت لي، قبيل الاعتقال، عمليَّة قلب مفتوح، فاستجاب الجِّهاز، ونقلني، في لهوجة، من «الثَّلاجة» إلى زنزانة واسعة، نسبيَّاً، بسجن كوبر، لعلَّها ذات التي يقبع المخلوع فيها، حاليَّاً، مع بعض رهطه!
قارب الشَّيخ حسين عامر هذه المسألة بمنظور إيماني. فعلى حين يقترن مشهد الحبس، في ذهن المرء، بـ «سخونة» المحبس، كعامل أساسي مِن عوامل التَّعذيب والإيلام، يلفت الشَّيخ عامر إلى «البرودة»، أيضاً، كعامل آخر من نفس هذه العوامل، الأمر الذي قد لا يستطيع تصوُّره مَن لم يجرِّبه عمليَّاً! فيقول إن «البرد» آيةٌ عجيبة من آيات الله؛ متفاوتة القوَّة، بين أصقاع العالم، ومختلفة الدرجات، حيث ثمَّة مناطق تتخلَّل «البرودة» كلَّ مفاصلها وبواطنها، فتبلغ درجة الحرارة فيها خمسين تحت الصِّفر، بل وثمَّة ما هو دون ذلك مِمَّا لا يقوى الإنسان على تحمُّله! أمَّا مصدر كلِّ هذا «البرد» فإن الشَّيخ عامر يقطع بأنه «الوحي»، بحسب العرفان الإيماني، إذ أورد أَبِو هُرَيْرَةَ قول النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الشَّريف: «اشتكت النَّار إلى ربِّها فقالت: يا ربُّ أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين؛ نَفسا في الشِّتاء، ونفساً في الصَّيف، فشدَّة ما تجدون من (البرد) من زمهريرها، وشدَّة ما تجدون من (الحرِّ) من سمومها» ـــ رواه البخاري ومسلم. واختلف العلماء هل هذا الكلام على الحقيقة أم المجاز، فقال ابن عبد البرِّ، رحمه الله، هذه الشَّكوى بلسان المقال. وقال النَّووي، رحمه الله، حملُه على حقيقته هو الصَّواب، وتنفُّسها على الحقيقة. والمراد بالزَّمهرير شدَّة (البرد)، ولا إشكال من وجوده في النَّار، قال تعالى: «لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرا» (الإنسان؛ 13). فالنَّار التي اشتكت إلى خالقها أنه قد أكل بعضها بعضاً، كيف، تُرى، الذي بداخلها؟! وكيف بمَن يُعذَّب بها؟! أو مَن حكم الله عليه بالخلود فيها؟! فأذن لها بنفسين، نفس في كلِّ موسم، فأشدُّ ما نجد من «الحرِّ» ما هو إلاّ نفس من أنفاس جهنَّم، وأشدُّ ما نجد من «البرد»، أيضاً، ما هو إلاّ نفس، بذات القدر، من أنفاسها.
ويروي الشَّيخ عن أوَّل قدومه إلى مونتريال، في يوم عاصف من يناير نزلت فيه درجة الحرارة إلى 30 تحت الصِّفر ، فسُئل عن ذلك، فأجاب بأن مونتريال «ثلاجة» كبيرة، ومَن يرى فصل الشِّتاء فيها يدرك، بعين اليقين، كيف أن الله سيعذِّب أهلَ النَّار بالزَّمهرير الذي هو شدَّة «البرد»! لذا كان من تمام نعيمِ أهلِ الجَّنَّة أنهم وُقُوا أذى «الحرِّ» و«البرد»، لقوله سبحانه: «مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» (الإنسان؛ 13)، وذلك بعكس أهل النَّار الذين يتنوَّع عذابهم حتى يُجمع لهم بين الطعام الحار جدَّاً والبارد جدَّاً، قال تعالى: «لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً، إِلاّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً» (النَّبأ؛ 24)؛ وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: الغسَّاقُ: الزَّمهرير البارد الذي «يحرق» من «برده»! وقال تلميذه مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من «برده»! وذلكم هو مبلغ ما يدرك زبانية «الثَّلاجة» من .. الدِّين!

الثُّلاثاء
القرار القضائي الصَّادر مؤخَّراً بإعادة المخلوع، وبعض رموز نظامه البائد، وبالتَّحديد بكري حسن صالح، نائبه الأوَّل، وعبد الرَّحيم محمَّد حسين وزير دفاعه الأسبق، من مستشفى علياء إلى سجن كوبر، أثار ردود فعل متباينة. فبينما هو قرار قانوني بحت، اعترض عليه، من لا يرونه سوى محض إجراء سياسي بحرمان حزب المؤتمر الوطني من المشاركة في التَّسوية الجَّارية، حاليَّاً، في الغرف المغلقة!
ضمن الفريق الأخير علَّق أمين حسن عمر على القرار، عبر تغريدة على تويتر، معتبراً إيَّاه «خاطئاً وظالماً»! بل وراح، فوق هذا اللغو الفجِّ في السَّياسة، يحاجج بلغو أكثر فجاجة في القانون، متوهِّماً إمكانيَّة أن تطبَّق، في هذه الحالة، قاعدة منع الحكم بالاعدام، أو السِّجن، على من يبلغ السَّبعين من العمر، إلا في حالتي الحدود أو القصاص. غير أن القيادي الاسلاموي تجاًهل أن المذكورين لم يُحكم عليهم، بعد، لا بالاعدام ولا بالسِّجن، بل ولم تبلغ محاكمتهم، أصلاً، مرحلة الحكم، في أيٍّ من الدَّعويين المفتوحتين ضدَّهم، تحت القانون الجَّنائي لسنة 1991م، واللتين تتمحور أولاهما حول الاتِّهام بتدبير انقلاب الثَّلاثين مِن يونيو 1989م، والأخرى حول قتل المتظاهرين، وممارسة التَّحريض، والارهاب، وإدارة المنظَّمات الاجراميَّة، وارتكاب الجَّرائم ضد الإنسانيَّة. لذا، فإن إعادتهم إلى السِّجن هو قرار إجرائي ما تزال فرصة الطَّعن فيه متاحة أمامهم، إن رأوا مسوِّغاً لذلك. كماً يجدر تذكير أمين بأن المسألة المتعلِّقة بـ «سِّن السَّبعين»، في هذا السِّياق، ليست محض «طقِّ حنك» يُستخدم عبر التَّصريحات الصَّحفيَّة، وإنَّما تندرج ضمن وزن البيِّنات عند إصدار القرارين النِّهائيَّين في المحاكمتين من النَّاحية الموضوعيَّة.

الأربعاء
للحزب الشِّيوعي، كما المفترض، نهج متميِّز في معالجة القضايا التي تنطوي على جوانب سياسيَّة وأخرى فنيَّة. فعلى سبيل المثال، وعلى حين ينبغي أن تحيل قيادته العليا، ابتداءً، كلَّ المسائل التي تقتضي معرفة فنِّيَّة متخصِّصة، في أيَّة قضيَّة، اقتصاديَّة كانت، أم دستوريَّة، أم إبداعيَّة، وما إلى ذلك، ليخضعها، مستشارو الحزب، ضمن مكاتبه المركزيَّة، أو قطاعاته المتخصِّصة المختلفة، للدِّراسة الوافية، قبل البتِّ فيها، فإن هذه القيادة العليا تحتفظ باختصاصها باتِّخاذ ما يليها من قرارات سياسيَّة بناءً على هذه الاستشارة التي يزوِّدها بها المكتب أو القطاع المعيَّن. ذلك من أساسيَّات المنهج الذي يَفترض هذا الحزب أن أداءه يختلف به علميَّاً. أمَّا التَّقرير في مسائل سياسيَّة، بغير ما يلزم من استشارات فنيَّة، فهو، بكلِّ المعايير، بتٌّ في أمور شائكة بلا هدى ولا كتاب منير!

الخميس
مرَّت، بالخميس الماضي، الذِّكرى الرَّابعة والسِّتُّون لانقلاب الفريق ابراهيم عبُّود. ويحلو لبعض داعمي الشُّموليَّة أن يروِّجوا للأسطورة السَّخيفة التي تزعم أنه جاء، ذات يوم، إلى سوق الخضار بالخرطوم، بعد غياب أعقب إطاحة ثورة أكتوبر 1964م بنظامه، فإذا بالجَّماهير تلتفُّ حول سيَّارته تهتف: «ضيَّعناك وضِعنا معاك!»، وهي، بلا شكٍّ، أكذوبة شموليَّة، أو هي واقعة خياليَّة أراد من اخترعها التَّعبير بها عن خيبة أمل الشَّعب في السُّلوك الحزبي بعد الثَّورة!
كانت الدِّيموقراطيَّة الأولي قد أعقبت الانتخابات النِّيابيَّة التي جرت في أواخر السَّنة الأولى من تطبيق اتفاقيَّة الحكم الذَّاتي، والتي فاز فيها الحزب الوطني الاتحادي، وكوَّن حكومته برئاسة إسماعيل الأزهري. تمَّ، بعد ذلك، إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م، قبل إعلانه رسميَّا في أول يناير 1956م. غير أن حزب الأمَّة الذي رفض قَبِِول نتيجة تلك الانتخابات، وقد جاءت بحزب الأزهري إلى الحكومة، مضى يعبِّر عن رفضه ذاك بجملة مواقف عدائيَّة، بدءاً مِن أوَّل مارس 1954م، عندما دفع أنصاره، يوم افتتاح البرلمان، لخوض المقتلة التي كانت تدشيناً دمويَّاً للاستقلال، في حضور الرَّئيس المصري محمد نجيب!
هكذا انشغل الحزب الوطني الاتِّحادي بالضغوط العدائيَّة التي ما انفكَّ يجابهه بها حزب الأمَّة، مثلما انشغل بالخلافات غير المبدئيَّة مع طائفة الختميَّة. وبالنَّتيجة ألفَت الحكومة الوطنيَّة الأولى نفسها عاجزة عن تحقيق أيِّ إنجاز اقتصادي أو اجتماعي يدعم الاستقلال السِّياسي، مِمَّا مهَّد لأن تحلَّ محلَّها حكومة ائتلافيَّة بين حزبي الأمَّة والشَّعب الدِّيموقراطي، وفتح طريقاً سالكة صوب الانقلاب العسكري في17 نوفمبر 1958م.
أقوى سرديَّات ذلك الانقلاب أنه كان تسليماًً وتسلُّماً بين البك عبد الله خليل، سكرتير حزب الأمَّة، ورئيس الوزراء، وقتها، وبين أرستقراطيَّة الجَّيش ممثَّلة في شريحة كبار الجنرالات. يوم استوثق من قرب إسقاط حكومته في البرلمان. وهي سرديَّة عضَّدتهاً حتَّى مذكِّرات كبار رموز حزب الأمَّة، وإفاداتهم.
مهما يكن من شئ، فقد قضى ذلك الانقلاب على الدِّيموقراطيَّة الأولي (1953 ـ1958م) التي جاءت في عقابيل اتفاقيَّة الحكم الذَّاتي، وذلك بما أصدر الانقلابيُّون مِن تشريعات، وما اتَّخذوا مِن اجراءات، وعلى رأس هذه وتلك «قانون دفاع السودان» الذي أباح الاعتقال التحفظي، ومحاكمة المدنيِّين أمام المحاكم العسكرية، فضلاً عن انتهاك حرِّيَّة العمل النقابي، بإلغاء القوانين الدِّيموقراطيَّة التي كانت تنظِّمها، وإصدار «قانون نقابات العمال لسنة 1960م»، وإلى ذلك انتهاك استقلاليَّة «اتحاد طلاب جامعة الخرطوم»، وممارسة أغلظ أنواع التَّضييق على الحرِّيَّات الصَّحفيَّة، وما إلى ذلك.
…………………………
…………………………
كانت تلك الانتخابات الأولى قد جرت، أيضاً، على أساس أوَّل قانون انتخابي صار يُعرف، تاريخيَّاً، بـ «قانون سوكومارسن»، إشارة إلى الخبير الهندي، الباكستاني لاحقاً، وقد تمَّت الاستعانة به في صياغة ذلك القانون الذي كان له فضل النَّأى بتجربتنا الدِّيموقراطيَّة، منذ أوَّل ميلادها، عن الوقوع في براثن التقليد، والاقتفاء الأعمى لـ «ديموقراطيَّة وست منيستر»، على العكس مِمَّا يدَّعي الشُّموليُّون. حيث كانت أهمَّ مقوِّماته:
أولاً: توسيع الدَّوائر الجُّغرافيَّة في الرِّيف، وتضييقها في المدن، مِمَّا زاد من عدد الأخيرة، فأتاح الفوز بأغلبيَّة مقاعد البرلمان للنُّوَّاب القادمين من مناطق الانتاج الحديث التي تتَّسم بوعي سياسي أكبر،
ثانياً: عدم الاتِّباع الميكانيكي لقاعدة «وست منيستر» القائلة بـ «صوت واحد لكلِّ فرد one man one vote»، وذلك من حيث:
(1) اعتماد نظام «الكليَّات الانتخابيَّة Electoral Colleges» في ما يتَّصل بحقِّ العرب الرُّحَّل في المشاركة بالتَّصويت، بدلاً من تصويت كلِّ فرد في القبيلة بالأصالة عن نفسه،
(2) تمييز كلٍّ خرِّيج مِن المدارس الثَّانويَّة، آنذاك، بصوتين، صوت في الدَّوائر الجُّغرافيَّة، وصوت إضافي في دوائر خرِّيجي تلك المدارس.
…………………………
…………………………
ثمَّ جاءت انتخابات 1958م التي أجريت في عقابيل التَّعديل الذي أدخلته الحكومة الائتلافيًَّة بين حزبي الأمَّة والشَّعب الدِّيموقراطي على «قانون سوكومارسن»، حيث ألغت شرط أن يكون المرشَّح متعلِّماً، كما ألغت قانون الجِّنسيَّة لسنة 1948م، وأُصدرت، بدلاً عنه، قانون الجنسيَّة لسنة 1957م الذي أتاح تجنيس أعداد كبيرة من نازحي غرب أفريقيا المستُقطَبين لصالح حزب الأمة. من جهة أخرى ألغت تلك الحكومة دوائر الخرِّيجين، وأعادت توزيع الدَّوائر الجُّغرافيَّة بدون إيلاء أيِّ اعتبار لثقل الوعي السِّياسي في المدن ومراكز الانتاج الحديث، وألغت، أيضاً، نظام «الكليَّات الانتخابيَّة» للعرب الرُّحَّل، وأحلَّت محله نظام «المراكز المتنقلة» لاعطاء كلِّ فرد في القبيلة حقَّ التَّصويت، فارتفع، تلقائيَّاً، عدد دوائر الرِّيف، ومِن ثمَّ عدد نوَّابه. وبإجراء الانتخابات على هذا الأساس حصل حزب الأمة على 63 مقعداً، والوطني الاتحادي على 44 مقعداًً، وحزب الشَّعب الدِّيموقراطي على 16 مقعدا، فتكوَّنت، كما قد رأينا، حكومة ائتلافية جديدة بين الأمَّة والشَّعب الدِّيموقراطي، برئاسة عبد الله خليل، لكن مصيرها كان الفشل، أيضاً، كسابقتها.
…………………………
…………………………
ورغم أن ثمَّة أسباباً أخرى لتقويض الدِّيموقراطيَّة عدا تلك المتعلِّقة بنظام الانتخابات وقواعدها، إلا أننا ينبغي أن ننتبه، مع ذلك، لخطورة هذا النِّظام وقواعده على الممارسة الدِّيموقراطيَّة، وذلك من خلال الاستبصار الواضح للكيفيَّة التي فتح بها اختلال هذا النِّظام وتلك القواعد الأبواب على مصـاريعها لتخـريب تجـربتنا الدِّيموقراطـيَّة، ابتـداءً من أولاهـا (1953 ـ 1958م)، رغم تشوُّق شعبنا، طوال عمر الاستقلال، لإصحاح هذه الممارسة. ولا تفوت أيَّ مراقب، في هذا السِّياق، ملاحظة أن استعادة الدِّيموقراطيَّة، كلما انقضَّ عليها انقلاب عسكري، مهما تطاول عهد النِّظام الذي ينشئه، ظلَّت قانوناً أساسيَّاً للثَّورة السُّودانيَّة، على مدى تاريخنا المعاصر.
هذه الحقيقة، بمجرَّدها، كفيلة بالكشف عن السَّبب الكامن وراء إهدار الشُّموليِّين، المرَّة تلو المرَّة، مطلب استباق الانتخابات بمناقشة أشراطها، تطلُّعاً للاتِّفاق على أقوى سبل إصلاحها عبر مؤتمر دستوري، أو خلافه، وتفضح تكالبهم على «كلفتة» الدَّعوة لإجرائها بلا أيِّ استعدادات حقيقيَّة، خصوصاً ما تُُُعرف بـ «الانتخابات المبكِّرة»! كما تؤكِّد هذه الحقيقة أهميَّة التَّمسُّك المبدئي بطرح هذه القضيَّة، ومناقشتها بتأنٍّ ورويَّة، دون أدنى مساومة، لضمان أوسع قدر من الاتِّفاق حولها بين القوى صاحبة المصلحة في التَّطوُّر الدِّيموقراطي، لا لجهة الشَّكل، فحسب، وإنَّما، في المقام الأوَّل، لجهة المضمون.

الجُّمعة
هزَّتني، بقوَّة، مرثيَّة السَّفير الأديب خالد موسى دفع الله النَّثريَّة البليغة لطيِّب الذِّكر عبد الله حمدنالله، والتي جاءت طبق عنوانها، تماماً، سياحة يستحقُّها عقل العزيز الرَّاحل الفذِّ بين أشباهه ونظائره. وربَّما كانت من أبرز عناصر التَّوفيق في هذه القطعة الأدبيَّة التي تقرن بين الرَّوعة الجَّماليَّة والعمق الثَّقافي مدخلها الخفيف اللطيف، خفَّة ولطف السِّمات الانسانيَّة الهفهافة التي لطالما غلبت على أواصر العلائق بين الفقيد وبين رموز حياتنا الفكريَّة، والاجتماعيَّة، والسِّياسيَّة. فقد اقترب خالد، على هذا الصَّعيد، بشفافيَّة عالية، وبلغة غزيرة التَّطريب والجَّزالة، من مرويَّته الطَّريفة عن صداقة عبد الله مع الرَّاحل محمَّد ابراهيم نُقُد، عليه الرَّحمة، حيث اختار من لطيف وقائعها قفشة الأخير مداعباً له، ومومئاً، بأسلوب مسامراته المعهودة، إلى ذرِّيَّته الصَّالحة: «العربي ده أديناهو دنقلاويَّة جاب اولاد ناجحين، كان عرَّس عربيَّة كان جاب راعي»! وسأقصِّر، ما في ذلك شك، إن لم أعضِّد هذه الإيماءة الحلوة بإزجاًء أجزل آيات الشُّكر لهذه الأسرة الكريمة التي لطالما احتفت بنا، ونحن في ضيافتها الحميمة، بمعيَّة الرَّاحلَين نُقد وكدودة، تماماً كحفاوتها بنا، عالم عباس وشخصي، يوم قصدناها ، مؤخَّراً، يسبقنا حزننا على عبد الله، وأحرُّ تعازينا فيه، لا بجامع صداقتنا معه في ساحة الأدب، فحسب، بل وفي ساحة المحبَّة الانسانيَّة الأكثر رحابة.
ومن أدقِّ وأصدق ما ساق خالد في مرثيَّته هذه، أن عبد الله اختط لنفسه منهجاً فريداً في الاهتمام بتطوُّر الحياة العقليَّة للمجتمع السُّوداني الحديث، وتوثيق تطوُّره الفكري، والثَّقافي، والاجتماعي، جاعلاً من الفنون القوليَّة وثائق تاريخيَّة ناطقة، تعبِّر عنها خواطر القصيد، والمقامات، والبديع، ومن الصَّحافة الوثيقة الاجتماعيَّة الأهمَّ في تاريخ الأفكار. وكان جوهر مشروعه الثَّقافي البحث في جذور الوطنيَّة السُّودانية باعتبارها الشَّفرة التي تختزن ديناميكيَّات هذا التَّطوُّر. كما لا تفوت خالداً ملاحظة أن عبد الله كان شديد الاعتداد بالتُّراث، بدليل أنه كان يرى في كتاب الطَّبقات لود ضيف الله قاموساً عرفانيَّا لأعلام ورموز التَّصوُّف، لا محض فولكلور ديني، أو توثيق لتاريخ الجَّهالات، وكان، في ذلك، أقرب لمنهج يوسف فضل الذي يري في هذا السِّفر أحد أهم الوثائق في تاريخ تطوُّرنا، إذ جزم، محقَّاً، بأن المستعمر عندما جثم علي صدور السُّودانيِّين، وجد دولة ومجتمعاًً من بقايا المهديَّة، فلم يكن السُّودان خلواً من المدنيَّة والحضارة كما زعم سلاطين باشا، مثلاً، في كتابه «السيف والنار».

السَّبت
غداة اجتماع مكتبه التَّنفيذي بالأربعاء، 16 نوفمبر 2022م، عقد المجلس المركزي للحريَّة والتَّغيير، بالخميس، 17 نوفمبر 2022م، مؤتمراً صحفيَّاً يؤلمني أن أقول إنه لم يضف فيه خردلة واحدة إلى ما ظلَّ يلوكه من وعود للجَّماهير طوال الأشهر الماضية. أقول يؤلمني لسببين رئيسين، أوَّلهما موضوعي، وهو أن هذا المؤتمر أقنعني، كما أقنع الكثيرين غيري بلا شك، بما لم يستطع أيِّ شئ آخر إقناعنا به، وهو أن الخطط التي ما انفكَّ هذا المجلس يبذلها للجَّماهير، والوعود التي ظلَّ يسوقها لها، ليست خلواًً من بصمات القوى الخارجيَّة المتداخلة مع الأزمة السُّودانيَّة! أما السَّبب الآخر فذاتيٌّ بحت، وهو أن لي، على هذا الجَّانب مِن القوى السِّياسيَّة، مَن يهمُّني أمره شخصيَّاً، فيسوءني أن أقول في حقِّه قولاً ثقيلا، إلا أن أكون مرغماً، لا بطلاً!
غير أنه، في ما يبدو، ليس ثمَّة بُدٌّ مِمَّا ليس منه بُد! لذا فإن أهمَّ ما أهمَّني، خلال المؤتمر، ورغم ثقتي غير المحدودة في قدرات الفدائيِّين الشَّباب على المجابهة مع الانقلابيِّين، أن أبصر مآل المدى الذي ظلَّ المجلس يوعز فيه بأن لديه طريقته الخاصَّة في تقليم مخالب هؤلاء الانقلابيِّين، وخلع أنيابهم، على خلفيَّة التَّحدِّي المطروح أمامه لإثبات أن خططه لإقناع «الجنرالات» بالخروج من السِّياسة، وترك الحكم للمدنيِّين، أكثر جدوى مِن غيرها مِن الخطط لبلوغ نفس الأهداف، مع كسب الزَّمن، وتحجيم الاستشهاد الكثيف في الشَّوارع!
على أن النَّاس الذين التفُّوا حول أجهزة التلفزيون والرَّاديو، لتلقِّي البُشريات، وكلُّهم آذان وعيون، فوجئوا بالإخوة قادة المجلس يعلنون لهم، في نهاية المطاف، للأسف، أنهم لم يحقِّقوا من وعودهم لهم، طوال الفترة الثَّمينة الماضية، سوى محض «تفاهم إطاري» مع «الجنرالات»! ولذا فإنهم يعقدون هذا المؤتمر ليستأذنوا الشَّعب في «وقت إضافي» حدَّدوه بعشرة أيَّام، كي يتمكَّنوا، خلال شهر بعد ذلك، مِن تحقيق«التَّفاهم التَّفصيلي النِّهائي»!
بعبارة أخرى ها هو المجلس يحتاج لشهر وعشرة أيَّام كي ينجز ما فشل في إنجازه خلال عام بأكمله على الأقل!
أمَّا بنود هذا «التَّفاهم الإطاري» نفسه فمحض مشافهة حول «ثلاثة مجالس مدنيَّة للسَّيادة، والتشريع، والوزراء، ومجلس رابع للدِّفاع تحت رئيس الوزراء، وجهازي شرطة وأمن تابعين للحكومة المدنيَّة، بالإضافة إلى همهمة غير مفهومة عن العدالة الانتقاليَّة»، فهل ثمَّة جديد في شئ من هذا كله؟! ألم تُُلاك هذه الوعود طوال العام الماضي؟!
وأمَّا إذا اعتبرنا من حقِّ المجلس أن يثق ويصدِّق، ما شاء له الله أن يثق ويصدِّق، في وعود «الجنرالات»، فليقل لنا ما هو مدى التزامهم بها؟! وما هو «الضَّامن» لهذا الالتزام؟! ومَن ذا الذي سيشكِّل «مجلس الدِّفاع»؟! وما هي اختصاصاته؟! وما هي صلاحيَّاته؟! وما الحدود الفاصلة بينه وبين اختصاصات وصلاحيَّات مجلس الوزراء؟!وبما أن هذا «التَّفاهم الإطاري» لم يلمس، بأيِّ قدر من الوضوح، مسألة «المحاسبة»، فكيف سيشملها «التَّفاهم التَّفصيلي النِّهائي» لاحقاً؟! وإلى أيِّ مدى يفتح غيابها الرَّاهن عن «التَّفاهم الإطاري» الأبواب كافة، غداً، أمام الإعفاء من «المحاسبة»، والافلات من العقاب؟! ثمَّ ألا يشكِّك ذلك في كون «المساومة» هي المدخل الغائب الحاضر إلى «التَّسوية»؟! وعلام يدلُّ الغموض الذي أحاط، في المؤتمر الصَّحفي، بقضيَّة «العدالة الانتقاليَّة»؟! وما هي دلالة الارتباك والغموض اللذين وسما تناول المؤتمر لمسألة مؤسَّسة «السَّيادة»، هل تتشكَّل من مجموعة، أم يمثِّلها فرد واحد كما ورد ذلك على لسان طه عثمان؟! وهل ذلك الورود مقصودٌ، أم أنه محض زلَّة لسان؟! وإذا كان الاحتمال الأوَّل هو الإجابة، فإلى أيِّ مدى سيفتح الأبواب جميعها للأخذ بالنِّظام «الرِّئاسي»، كخيار شمولي، بدلاً من النِّظام «البرلماني»، كخيار لشعبنا منذ فجر الاستقلال؟!
أسئلة بلا عدٍّ ولا حد، وما من إجابة واحدة تريح الهاجس، وتسكِّن البلبال!

الأحد
روى محسن الرَّملي، عضو الجَّمعيَّة الدَّوليَّة للمترجمين العرب، ضمن ذكرياته في عالم التَّرجمة، أنه، في بدايات تدريبه على ترجمة القرآن الكريم، استوقفته نماذج لأخطاء مريعة دفعته لأن يحاذر من خوض التَّرجمة في هذا المجال، وأورد من بين تلك النَّماذج ترجمة فرنسيَّة، لا أسوأ ولا أضل، للآية «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ» هكذا: «هنَّ بنطلوناتٌ لكم وأنتم بنطلونات ٌلهنَّ»!



#كمال_الجزولي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رُوزنامةُ الأسبوع مَنْ يُعَارِضُ خِتَانَ .. الذُّكُور؟!
- كمال الجزولي: رُوزنامةُ الأسبوع ـ فِي سِيرَةِ المَوْزِ السِّ ...
- ضيف على الرُّوزنامة: محمَّد فائق يوسف حسن لَقَدْ هَرِمْنَاا ...
- رُوزنامة الأسبوع ـ سَتَأكُلونَ الذَّهَب!
- رُوزنامةُ الأسبوع ـ طَقُّ الحَنَكِ .. الانقِلابِي
- رُوزنامةُ الأُسبوع مِحَنُ المُترجِمِ اليُونَاني
- رُوزنامةُ الأسبوع ـ بلاك آند وايت
- ضيفة على الرُّوزنامة: أم سلمة الصَّادق المهدي ـ يا الضَّايقي ...
- روزنامةُ الأسبوع ـ وَفَازَ فَريقُ البَنَات
- روزنامةُ الأسبوع نَعْشٌ تَحْتَ القَرَنْفُلِ!‎
- رُوزنامةُ الأسبوع ـ عَقَارِبُ قُنْدُهَار‎
- رُوزنامةُ الأسبوع عَقَارِبُ قُنْدُهَار‎
- روزنامةُ الأسبوع ـ بروفيسوراتُ البَاديَة!
- روزنامة الأسبوع ـ عرضة جوة الدلوكة!
- روزنامةُ الأسبوع ـ سلطةُ الترامادول!‎‎
- روزنامة الأسبوع ـ سَرْجِي مَرْجِي!
- ضيف على الرُوزنامة: حمور زيادة ـ إِنَّهُمْ يَشْنِقُون الرِّو ...
- روزنامة الأسبوع ـ عِيدِيَّةُ الشَّارِقَة! ‎‎
- روزنامة الأسبوع ـ 19 يوليو: عصر عابدين اسماعيل!‎‎
- روزنامة الأسبوع غَرائِبِيَّاتُ الانقِلابِيِّين!‎‎


المزيد.....




- قمة عربية صينية بالرياض تبحث العلاقات التجارية
- تباين بالمواقف السياسية للجيش السوداني وقوات الدعم السريع
- الإمارات.. محمد بن راشد يستقبل وزير الدفاع الأفغاني بالإنابة ...
- لابيد يهاجم نتنياهو ويتوعد بالعمل من خلال المعارضة
- فرنسا.. الادعاء يطالب بالسجن 15 عاما للمتهمين بهجوم نيس
- هولندا.. إحالة متهم بقتل طبيبة والتخطيط لعمل إرهابي إلى مستش ...
- مقتل 9 مدنيين وإصابة آخرين في قصف أوكراني على دونيتسك
- بطل عسكري روسي يكشف سبب إخفائه الدائم لوجهه
- طالبة روسية تبتكر مسيّرة زراعية فريدة من نوعها
- تسقيف النفط الروسي.. ماذا ترك للسوق؟


المزيد.....

- أسرار الكلمات / محمد عبد الكريم يوسف
- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - رُوزنامةُ الأسبوع عَبُّودُ .. أُكْذُوبَةُ الشُّمُولِيِّين!